أهمية الكشف عن المعنى اللغوى
د. محمد المختار محمد المهدي(*)
د. محمد المختار محمد المهدي(*)
من المهم جدًا التنبيه إلى أن القرآن والحديث قد يرد فيهما اللفظ الواحد مستعملاً فى أكثر من معنى، ضرورة مراعاتهما للهجات المختلفة، حيث نزل القرآن الكريم على سبعة أحرف، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يكلم كل وفد من وفود العرب بلهجته؛ وقد سبق أن أشرنا إلى أن الأفضل للدارس - الباحث عن معنى لغوى للفظ شرعى - أن يرجع إلى كتب الغريب وليس معنى ذلك أن المعاجم اللغوية لا تفيد الباحث عن المعنى المستعمل فى النص الشرعى، ولكن بصعوبة تتدرج من المعاجم الصغيرة إلى المعاجم الكبيرة.
ومن أيسر هذه المعاجم " المصباح المنير " للفيومى إذ يعنى بالألفاظ الشرعية وهو يسير على طريقة الهجاء الألف بائى، بمعنى أنه يقدم ما أوله همزة على ما أوله باء، ثم على ما أوله تاء، بحسب الترتيب المشهور للحروف العربية، كما يقدم فيما أوله همزة ما ثانيه همزة على ما ثانيه باء، على ما ثانيه تاء، وهكذا إلى حرف الياء؛ وكذلك " المعجم الوسيط " لمجمع اللغة العربية.
ومن المعاجم ما يسير على طريقة القافية مثل: " القاموس المحيط " و" لسان العرب "، و" الصحاح " للجوهرى، بمعنى أنه يرتب الكلمات بحسب الحرف الأخير منها فيقدم ما آخره همزة على ما آخره باء، فمثلاً كلمة "صمد" نجدها فى " المصباح المنير "، و" المعجم الوجيز "، و" المعجم الوسيط "، و" مختار الصحاح " فى باب الصاد فصل الميم؛ ونجدها فى " القاموس "، و" اللسان "، و" الصحاح " فى باب الدال فصل الصاد.
وحتى لا يكون الكلام نظريًا يتوه فى عالم العموميات نتعرض لبعض الأمثلة من النصوص القرآنية ليتبين صدق ما نقول من أهمية الكشف على المعنى اللغوى ومعرفته بدقة قبل فهم الآية:
1 - توقف ترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما - مع ما عرف عنه من قوة الحافظة وإلمامه الواسع بالشعر العربى - عن الإدلاء برأيه فى معنى قوله تعالى: ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) فهو يقول: لم أفهم معناها إلا بعد أن سمعت ابنة ذى يزن وهى تقول لخصمها: تعال أفاتحك، فعلمت أن الفتح مستعمل عندهم بمعنى الحكم والقضاء، وعلى هذا فالمعنى:ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين.. وعلى هذا أيضًا نفهم قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ)؛ ذلك أنه يوم الحكم والقضاء بين الناس، لا بمعنى فتح الأبواب ولا فتح الأمصار.
2 - توقف أيضًا سيدنا عبد الله بن عباس فى معنى قوله تعالى:(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) حتى سمع رجلاً يخاصم آخر على بئر فيقول له: أنا فطرتها، بمعنى أنه هو الذى بدأ حفرها دون سابق له.
3 - توقف سيدنا " عمر بن الخطاب " رضي الله عنه - بالرغم من درايته الكبرى بالشعر العربى - فى معنى التخوف فى قوله تعالى: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) فى سورة النحل حتى قام بعض الصحابة فقال: هذه لغتنا يا أمير المؤمنين: التخوف عندنا التنقص، أى أن الله يعدد احتمالات العقاب فى الدنيا للماكرين، إما بخسف الأرض بهم، وإما بإتيان العذاب الماحق من حيث لا يحتسبون، وإما بأخذهم وهم يتقلبون فى منامهم أو فى معايشهم، وإما بأخذهم بالتدريج: ينقص منهم النعم شيئًا فشيئًا حتى يهلكوا.
4 - ورد اليأس فى القرآن الكريم بمعنى الإحباط والقنوط وعدم الرجاء مثل قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) وقوله: ( أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) وقوله: ( وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ)؛ لكن هناك آية ورد اليأس فيها بمعنى العلم على لهجة من لهجات العرب وذلك فى قوله تعالى:(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) ومعناها: أفلم يعلم.
5 - قوله تعالى: ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )اختلف الفقهاء فى حكم التوجه إلى الكعبة المشرفة هل الواجب تحرى عين الكعبة ؟ أو يكفى التوجه ناحيتها ؟ وهل على من يقيم خارج مكة أن يتحرى أيضًا عين الكعبة ؟ أو تكون قبلته مكة نفسها ؟ أو المسجد الحرام كله ؟..
وبعد اتفاقهم على أن من يكون فى المسجد الحرام - ويمكنه رؤية الكعبة - يجب عليه أن يتجه إلى الكعبة نفسها، بحيث لو انحرف عنها بطلت صلاته.. جاء خلافهم فيمن هو خارج المسجد الحرام، وانبنى الخلاف على الدلالة اللغوية لكل من كلمة " شطر " وكلمة " المسجد الحرام "، إذ ورد الشطر فى اللغة بمعنى النصف، وبهذا أخذ الفريق القائل بوجوب تحرى عين الكعبة ومنتصفها.. كما ورد الشطر بمعنى الجهة، وبه أخذ الفريق الآخر الذى يرى الاكتفاء بالتوجه ناحيتها.
كما أن كلمة المسجد الحرام أطلقت فى القرآن على المسجد نفسه، وعلى مكة كلها، وعلى الحرم كله، ومن هنا قال بعض الفقهاء من الصحابة والمجتهدين: إن الكعبة قبلة من فى المسجد، وإن المسجد قبلة من فى مكة، وإن مكة قبلة من بخارجها من الحرم، وإن الحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب؛ وواضح أن قوله تعالى:( ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) قد ورد فيه لفظ المسجد مرادًا به ما حول المسجد حتى المواقيت.
6 - فى قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) لو فسرنا " نقدر " هنا بمعنى نستطيع لكان فى إيمان سيدنا يونس خلل، إذ كيف يظن نبى ورسول أن الله عاجز عن إدراكه؛ ولكن لو رجعنا إلى المادة اللغوية لوجدنا أن الفعل هنا مستعمل بمعنى التضييق أى فظن أن لن نضيّق عليه، لأنه خارج للدعوة إلى الله فى مكان آخر، بعد أن رفض قومه الاستجابة له؛ غير أنه خرج دون إذن من ربه، ومن هنا ضيق عليه فى بطن الحوت؛ وبهذا المعنى ورد قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) وقوله تعالى: ( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ).
على أن بعض النحاة قد فهم الفعل " يقدر " فى آية ذى النون بمعنى: يؤاخذ لأن المؤاخذة مبنية على القدرة.
7 - فى قوله تعالى: ( وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ) وردت كلمة " عرضة " فى اللغة بمعنى كل شىء اعترض ومنع، كما وردت بمعنى الشىء المعرّض المبتذل بكثرة؛ والآية صالحة لكلا المعنيين على أساس أن الله ينهى أن يُحْلَف به على منع خير، كصلة رحم مثلاً ثم يحتج الحالف بأنه لو لم يحلف لوصل رحمه.. كما أنه ينهى عن كثرة الحلف بالله كما ذمه فى آية أخرى فى قوله: ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ).
8 - قد يبين المعنى اللغوى الحكمة فى اختيار القرآن لفظًا معينًا له ظلال، أو له إشارة إلى حكم، أو ضابط حكم، ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ) فقد اختار لفظ " تثقف " بدل " تجد " أو " تلقى "، وفى ذلك حكمة؛ إذ كلمة " ثقف " تعنى: وجده بحيلة وذكاء ودهاء، فكأن الآية باختيارها هذا اللفظ توحى للمسلمين أن يستعملوا الحيل والفطنة؛ ووضع كل الاحتمالات لضبط هؤلاء اليهود وهم مختبئون خلف حصونهم، أو خلف الغابات، فإن من طبيعتهم الجبن كما قال سبحانه: (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ).
9 - ومن ذلك اختيار لفظ " القنوت " فى وصف المرأة الصالحة، بدل لفظ الطاعة لأن القنوت هو الطاعة فى خضوع، ومن المفروض شرعًا أن تكون المرأة قانتة لله دائمًا، ولأبيها قبل زواجها، ولزوجها بعد خروجها من بيت أبيها، فالقنوت وصف دائم لها، ومن هنا جاء قوله تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ )وقوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) وقوله مخاطبًا نساء نبيه حين بدا من بعض نسائه تدلل وتذمر: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ)، وقوله عن مريم: ( وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ).
10 - ومن ذلك اختيار كلمة " الفسق " بدل " الخروج " لأن الفسق فى اللغة خروج إلى التهلكة، تقول العرب حين يرون نضج البلح على الشجر، يحثون صاحبه على جَنْيه قبل أن يفسد: فسقت الرُّطَبة عن قشرها - ويقولون: فسقت الفأرة عن جُحرها، لأن الرطبة إذا انخرمت قشرتها تعرضت للميكروبات ففسدت، والفأرة إذا خرجت من جحرها تعرضت لأعدائها فأكلتها.
11 - ومن ذلك قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا )بدل: يزيل أثره فى زيادة المال، لأن المحق فيه إشارة إلى الإزالة الكلية للأصل والربح معًا.
12 - ومن ذلك استعمال كلمة " الصلاة " بدل: الدعاء أو الانحناء، لأن فى الصلاة إشارة إلى ما كان يحدث من العرب حين يلتقون بعظيم، ينحنون له إكبارًا وإجلالاً، وحين يلتقون بيتيم أو مريض ينحنون له إشفاقًا وحنانًا.. فاستعمل القرآن لفظ الصلاة المأخوذ من الصلا وهو واحد الصلوين المحيطين بفقرات الظهر، ليدل على الصلاة لله خضوعًا وتعظيمًا، والصلاة على رسوله أو على الجنازة حنانًا وحبًا وإشفاقًا.
13 - قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) الحكمة فى معناها اللغوى مأخوذة من حَكَمَة الدابة، أى لجامها الذى يتحكم فى سيرها.. ومن هذا المعنى اللغوى قيل عنها إنها: وضع الكلمة المناسبة للشخص المناسب فى الوقت المناسب، لأن راكب الدابة إذا رأى أمامه خطرًا حوّل وجهة فرسه إلى طريق آمن، أو توقف بالكلية.
---------------
(*)من بحث أثر الدرس اللغوى فى فهم النص الشرعى
بقلم الأستاذ الدكتور: محمد المختار محمد المهدي.
ومن أيسر هذه المعاجم " المصباح المنير " للفيومى إذ يعنى بالألفاظ الشرعية وهو يسير على طريقة الهجاء الألف بائى، بمعنى أنه يقدم ما أوله همزة على ما أوله باء، ثم على ما أوله تاء، بحسب الترتيب المشهور للحروف العربية، كما يقدم فيما أوله همزة ما ثانيه همزة على ما ثانيه باء، على ما ثانيه تاء، وهكذا إلى حرف الياء؛ وكذلك " المعجم الوسيط " لمجمع اللغة العربية.
ومن المعاجم ما يسير على طريقة القافية مثل: " القاموس المحيط " و" لسان العرب "، و" الصحاح " للجوهرى، بمعنى أنه يرتب الكلمات بحسب الحرف الأخير منها فيقدم ما آخره همزة على ما آخره باء، فمثلاً كلمة "صمد" نجدها فى " المصباح المنير "، و" المعجم الوجيز "، و" المعجم الوسيط "، و" مختار الصحاح " فى باب الصاد فصل الميم؛ ونجدها فى " القاموس "، و" اللسان "، و" الصحاح " فى باب الدال فصل الصاد.
وحتى لا يكون الكلام نظريًا يتوه فى عالم العموميات نتعرض لبعض الأمثلة من النصوص القرآنية ليتبين صدق ما نقول من أهمية الكشف على المعنى اللغوى ومعرفته بدقة قبل فهم الآية:
1 - توقف ترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما - مع ما عرف عنه من قوة الحافظة وإلمامه الواسع بالشعر العربى - عن الإدلاء برأيه فى معنى قوله تعالى: ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) فهو يقول: لم أفهم معناها إلا بعد أن سمعت ابنة ذى يزن وهى تقول لخصمها: تعال أفاتحك، فعلمت أن الفتح مستعمل عندهم بمعنى الحكم والقضاء، وعلى هذا فالمعنى:ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين.. وعلى هذا أيضًا نفهم قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ)؛ ذلك أنه يوم الحكم والقضاء بين الناس، لا بمعنى فتح الأبواب ولا فتح الأمصار.
2 - توقف أيضًا سيدنا عبد الله بن عباس فى معنى قوله تعالى:(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) حتى سمع رجلاً يخاصم آخر على بئر فيقول له: أنا فطرتها، بمعنى أنه هو الذى بدأ حفرها دون سابق له.
3 - توقف سيدنا " عمر بن الخطاب " رضي الله عنه - بالرغم من درايته الكبرى بالشعر العربى - فى معنى التخوف فى قوله تعالى: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) فى سورة النحل حتى قام بعض الصحابة فقال: هذه لغتنا يا أمير المؤمنين: التخوف عندنا التنقص، أى أن الله يعدد احتمالات العقاب فى الدنيا للماكرين، إما بخسف الأرض بهم، وإما بإتيان العذاب الماحق من حيث لا يحتسبون، وإما بأخذهم وهم يتقلبون فى منامهم أو فى معايشهم، وإما بأخذهم بالتدريج: ينقص منهم النعم شيئًا فشيئًا حتى يهلكوا.
4 - ورد اليأس فى القرآن الكريم بمعنى الإحباط والقنوط وعدم الرجاء مثل قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) وقوله: ( أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) وقوله: ( وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ)؛ لكن هناك آية ورد اليأس فيها بمعنى العلم على لهجة من لهجات العرب وذلك فى قوله تعالى:(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) ومعناها: أفلم يعلم.
5 - قوله تعالى: ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )اختلف الفقهاء فى حكم التوجه إلى الكعبة المشرفة هل الواجب تحرى عين الكعبة ؟ أو يكفى التوجه ناحيتها ؟ وهل على من يقيم خارج مكة أن يتحرى أيضًا عين الكعبة ؟ أو تكون قبلته مكة نفسها ؟ أو المسجد الحرام كله ؟..
وبعد اتفاقهم على أن من يكون فى المسجد الحرام - ويمكنه رؤية الكعبة - يجب عليه أن يتجه إلى الكعبة نفسها، بحيث لو انحرف عنها بطلت صلاته.. جاء خلافهم فيمن هو خارج المسجد الحرام، وانبنى الخلاف على الدلالة اللغوية لكل من كلمة " شطر " وكلمة " المسجد الحرام "، إذ ورد الشطر فى اللغة بمعنى النصف، وبهذا أخذ الفريق القائل بوجوب تحرى عين الكعبة ومنتصفها.. كما ورد الشطر بمعنى الجهة، وبه أخذ الفريق الآخر الذى يرى الاكتفاء بالتوجه ناحيتها.
كما أن كلمة المسجد الحرام أطلقت فى القرآن على المسجد نفسه، وعلى مكة كلها، وعلى الحرم كله، ومن هنا قال بعض الفقهاء من الصحابة والمجتهدين: إن الكعبة قبلة من فى المسجد، وإن المسجد قبلة من فى مكة، وإن مكة قبلة من بخارجها من الحرم، وإن الحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب؛ وواضح أن قوله تعالى:( ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) قد ورد فيه لفظ المسجد مرادًا به ما حول المسجد حتى المواقيت.
6 - فى قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) لو فسرنا " نقدر " هنا بمعنى نستطيع لكان فى إيمان سيدنا يونس خلل، إذ كيف يظن نبى ورسول أن الله عاجز عن إدراكه؛ ولكن لو رجعنا إلى المادة اللغوية لوجدنا أن الفعل هنا مستعمل بمعنى التضييق أى فظن أن لن نضيّق عليه، لأنه خارج للدعوة إلى الله فى مكان آخر، بعد أن رفض قومه الاستجابة له؛ غير أنه خرج دون إذن من ربه، ومن هنا ضيق عليه فى بطن الحوت؛ وبهذا المعنى ورد قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) وقوله تعالى: ( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ).
على أن بعض النحاة قد فهم الفعل " يقدر " فى آية ذى النون بمعنى: يؤاخذ لأن المؤاخذة مبنية على القدرة.
7 - فى قوله تعالى: ( وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ) وردت كلمة " عرضة " فى اللغة بمعنى كل شىء اعترض ومنع، كما وردت بمعنى الشىء المعرّض المبتذل بكثرة؛ والآية صالحة لكلا المعنيين على أساس أن الله ينهى أن يُحْلَف به على منع خير، كصلة رحم مثلاً ثم يحتج الحالف بأنه لو لم يحلف لوصل رحمه.. كما أنه ينهى عن كثرة الحلف بالله كما ذمه فى آية أخرى فى قوله: ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ).
8 - قد يبين المعنى اللغوى الحكمة فى اختيار القرآن لفظًا معينًا له ظلال، أو له إشارة إلى حكم، أو ضابط حكم، ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ) فقد اختار لفظ " تثقف " بدل " تجد " أو " تلقى "، وفى ذلك حكمة؛ إذ كلمة " ثقف " تعنى: وجده بحيلة وذكاء ودهاء، فكأن الآية باختيارها هذا اللفظ توحى للمسلمين أن يستعملوا الحيل والفطنة؛ ووضع كل الاحتمالات لضبط هؤلاء اليهود وهم مختبئون خلف حصونهم، أو خلف الغابات، فإن من طبيعتهم الجبن كما قال سبحانه: (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ).
9 - ومن ذلك اختيار لفظ " القنوت " فى وصف المرأة الصالحة، بدل لفظ الطاعة لأن القنوت هو الطاعة فى خضوع، ومن المفروض شرعًا أن تكون المرأة قانتة لله دائمًا، ولأبيها قبل زواجها، ولزوجها بعد خروجها من بيت أبيها، فالقنوت وصف دائم لها، ومن هنا جاء قوله تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ )وقوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) وقوله مخاطبًا نساء نبيه حين بدا من بعض نسائه تدلل وتذمر: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ)، وقوله عن مريم: ( وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ).
10 - ومن ذلك اختيار كلمة " الفسق " بدل " الخروج " لأن الفسق فى اللغة خروج إلى التهلكة، تقول العرب حين يرون نضج البلح على الشجر، يحثون صاحبه على جَنْيه قبل أن يفسد: فسقت الرُّطَبة عن قشرها - ويقولون: فسقت الفأرة عن جُحرها، لأن الرطبة إذا انخرمت قشرتها تعرضت للميكروبات ففسدت، والفأرة إذا خرجت من جحرها تعرضت لأعدائها فأكلتها.
11 - ومن ذلك قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا )بدل: يزيل أثره فى زيادة المال، لأن المحق فيه إشارة إلى الإزالة الكلية للأصل والربح معًا.
12 - ومن ذلك استعمال كلمة " الصلاة " بدل: الدعاء أو الانحناء، لأن فى الصلاة إشارة إلى ما كان يحدث من العرب حين يلتقون بعظيم، ينحنون له إكبارًا وإجلالاً، وحين يلتقون بيتيم أو مريض ينحنون له إشفاقًا وحنانًا.. فاستعمل القرآن لفظ الصلاة المأخوذ من الصلا وهو واحد الصلوين المحيطين بفقرات الظهر، ليدل على الصلاة لله خضوعًا وتعظيمًا، والصلاة على رسوله أو على الجنازة حنانًا وحبًا وإشفاقًا.
13 - قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) الحكمة فى معناها اللغوى مأخوذة من حَكَمَة الدابة، أى لجامها الذى يتحكم فى سيرها.. ومن هذا المعنى اللغوى قيل عنها إنها: وضع الكلمة المناسبة للشخص المناسب فى الوقت المناسب، لأن راكب الدابة إذا رأى أمامه خطرًا حوّل وجهة فرسه إلى طريق آمن، أو توقف بالكلية.
---------------
(*)من بحث أثر الدرس اللغوى فى فهم النص الشرعى
بقلم الأستاذ الدكتور: محمد المختار محمد المهدي.
