الإذاعة
خواطر

مدى إمكانية تطبيق القواعد النحوية على الأساليب المعاصرة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    مدى إمكانية تطبيق القواعد النحوية على الأساليب المعاصرة

    مدى إمكانية تطبيق القواعد النحوية على الأساليب المعاصرة
    د. مصطفى شعبان




    تختلف اللغات بعضها عن بعض من حيث الأنظمة الثلاثة الرئيسة: النظام الصوتي، والنظام الصرفي، والنظام النحوي، وهذا الاختلاف يمكن أن يكون محدودًا إذا كانت اللغات مشتقة من أصل واحد، كالفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والبرتغالية، فجميعها مشتق من اللغة اللاتينية، كما أنه يمكن أن يتعاظم حتى يبلغ منتهاه بالنسبة للغات التي لا علاقة مشتركة بينها، كالصينية، والإنجليزية، والعربية، ومن ثمَّ بنى الباحثون على هذا قولهم: إن دارس اللغة الأجنبية يواجه صعوبة أكبر في تعلم اللغة إذا كانت وجوه الاختلاف بينها وبين لغته الأصلية كثيرة وجوهرية( 1 ).
    واللغة العربية من اللغات التي يتسم الهيكل البنيوي لقواعدها النحوية بخصائص أربعة: (الموضوعية، والشمول، والتماسك، والاقتصاد)( 2 ). فالموضوعية تتحقق بالاستقراء الناقص، وبضبط نتائجه، وتوثيقه اطراد تلك النتائج في الظاهرة موضوع الاستقراء، والشمول يقتضي القياس الذي يتحتم معه انطباق نتائج النحو المستمدة من المنقول على غير المنقول..، أما التماسك فيخلص لأمرين: عدم التناقض أو الإبهام والتصنيف، وأما الاقتصاد فيعني اعتبار الأصناف لا الأفراد، أي الاستغناء بالكلام في الحكم الشامل(القاعدة) عن الكلام في أحكام المفردات كل منها على حدة ضرورة أن المفردات لا تقع تحت الحصر..( 3 ).
    وقد استُقِيتِ القواعد واستُنبطت من لغة هذه الفترة المبكرة في تاريخ العربية، وتمسك النحاة بهذه القواعد وفرضوها على كل الأجيال التالية، وأصبح المتعلم الآن والمتكلم بالعربية مُطالبًا في قواعد العربية بالالتزام بقواعد هذه الفترة الزمنية..وترتب على ذلك أن المتكلمين بالعربية الفصحى وفقًا لقوانين تطور اللغات تركوا في الاستعمال العفْويِّ العربيةَ الفصحى للنحاة وقواعدهم، وطوَّروا لأنفسهم لغة للتعامل اليومي والخطاب التلقائي صارت هذه اللغة لهم سليقة يقضون بها مصالحهم ويتخاطبون فيما بينهم، وأخذت هذه اللغة تبتعد شيئًا فشيئًا عن الفصحى حتى صار لدينا ما يعرف بالازدواج اللغوي( 4 ). وربما تنشأ تراكيب في اللغة المعاصرة لها أصل تُردُّ إليه كجريانها مجرى الضرورة الشعرية مثلًا، وقد صوبت المجامع اللغوية كثيرًا من الأساليب والتراكيب بناءً على هذا الأصل.
    وعلى سبيل المثال صوَّب مجمع اللغة العربية القاهري في كتاب الألفاظ والأساليب من 1934 إلى 1987م ما يقرب من ثلاثمئة أسلوب، منها: "فعلت كذا رغمًا عنه"( 5 )، و"حدث هذا أثناء كذا"( 6 )، و"هو الآخر، وهي الأخرى"( 7 )، و"فلانٌ خطيبًا أحسن منه كاتبًا"( 8 )، و"لعب دورًا.."( 9 )..إلى غيرها من الأساليب المعاصرة التي أجازها المجمع وصوَّب استعمالها معتمدًا في ذلك على مستند من قياس أو سماع أو علة أو رأي منفرد.
    وانطلاقًا من تلك الركيزة يمكن للقواعد النحوية أن تستوعب ما يرد في اللغة المعاصرة بناء على الأسس الآتية:
    1- الاعتماد على القياس:
    فإن أصل وضع اللغة ليس محيطًا بألفاظها وتراكيبها، ولذلك عمد النحويون إلى تقعيد قواعد تضبط ما وصلهم من اللغة ليحكموا بها ما يستعمله الناس بعد عصور الاحتجاج، ومن هنا ثمَّ يتبين أهمية القياس في جعل اللغة تستوعب ما يجدُّ على ألسنة المتكلمين وأقلام الكُتَّاب، فهو دليل معتبر من أدلة النحو، وأصل يُرجع إليه، ولذلك وضع النحاة قاعدة تنص على أن : الناطق على قياس لغة العرب من لغات العرب المشهورة مصيبٌ غير مخطئ ، ذكرها ابن جني في الخصائص( 10 )، وقد اعتنى مجمع القاهرة بهذا الأصل كثيرًا، وبنى قرارات كثيرة على قبول القياس في صيغ وتراكيب أوقفها كثير من العلماء المتقدمين على السماع أو كانت مما اختلفوا فيها فجاء قرابة تسعين قرارًا ذهب فيها المجمع إلى مد القياس وأجاز كثيرًا من التعبيرات المعاصرة بناء على القياس( 11 ).
    ومن السياسات التشريعية التي اتخدها مجمع القاهرة لتذليل العقبات أمام المصطلحات و الأساليب والتراكيب المعاصرة ما جاء في اللائحة الداخلية للمجمع سنة 1353هـ : أن له أن ينظر في قواعد اللغة فيتخير إذا دعت الحاجة أو الضرورة من آراء أئمتها ما يوسع دائرة أقيستها، لتكون أداة سهلة للتعبير عن المقاصد العلمية وغير العلمية( 12 ).
    2- الاعتداد بالمسموع القليل:
    ما من شك في أن النحاة يبنون قواعدهم على الكثير المطرد الشائع من مسموعات العرب، ويعبرون عن نقيضه بالقليل، وبالنادر، وبالشاذ، فأخذوا من النصوص بما يوافق القواعد التي أسلمتهم إليها الأقيسة، وأما بقية النصوص فقد التزموا بالمحافظة عليها جزءًا من التراث ولو يجيزوا مراعاتها في الأقيسة والقواعد، غير أن أحدًا لم يتسنَّ له تعيين كمية القليل والكثير، والذي لا شكَّ فيه أن ما خالف الكثير في مسألة ما يعدُّ قليلًا( 13 ).
    3- الاعتماد على أسهل الآراء:
    ينطلق النحاة في استنتاجاتهم ونتائجهم من اختيارات وترجيحات تنبني على اعتبارات متباينة، فمنهم من يرجح لسماع مطرد، ومنهم من يرجح لقياس جلي ظاهر القوة، ومنهم من يرجح لعلة مؤثرة معتبرة، ونرى ونسمع كل يوم عن نداءاتٍ ودعاوى للتيسير والتبسيط في النحو العربي وينزعون في تجاربهم إلى اختيار الرأي الأسهل والأيسر المناسب لاحتياجات اللغة المعاصرة وضروراتها، فلا جرم أن بنت المجامع اللغوية كثيرًا من قراراتها على الرأي الأيسر والمنزع الأسهل.
    4- الاعتماد على التوليد اللغوي:
    والتوليد اللغوي وسيلة من وسائل التوسع في الاستعمال، ويكون في المفردات والتراكيب، فمن وسائل التوليد في المفردات: الوضع، والاشتقاق، والتصرف، والتركيب، والنحت، والتعريب..، ومنها في التراكيب والجمل: الإعراب، التقديم والتأخير، الذكر والحذف، والتضمين، والتركيب،( 14 )، ولو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعمله العرب العاربة والمستعربة حجرنا واسعًا وعسر التكلم بالعربية على من بعدهم، ولولا هذه القاعدة لعجزنا عن التعبير عن المخترعات الحديثة: كالطائرة، والسيارة، والحاسب الآلي، والناسوخ، والمذياع، وهي كلها لم تستعملها العرب العاربة ولا المستعربة( 15 )، ومن هنا يمكن استيعاب كثير من الأساليب الشائعة والتراكيب المعاصرة مع مراعاة التوصيف الصحيح للقاعدة التي تنطبق على الأسلوب المدروس.

    -----------------
    1- خرما، نايف، علي حجاج، (1988م)، اللغات الأجنبية تعليمها وتعلمها، مجلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت، (126: 88-89).
    2- حسان، تمام، (2000م)، الأصول، دراسة إبستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب، دار عالم الكتب، (ط2: 57-60).
    3- عبد الغني، أحمد عبد العظيم، (1990م)، القاعدة النحوية: دراسة نقدية تحليلية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، (ط1: 9-10).
    4- حماسة، محمد، (1984م)، اللغة العربية ودور القواعد في تعليمها، حوليات كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، (14: 81-82).
    5- مجمع اللغة العربية بالقاهرة، (1989م) القرارات المجمعية في الألفاظ والأساليب، من 1934 إلى 1987م، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، (103).
    6- المصدر السابق، (104).
    7- المصدر السابق، (125).
    8- المصدر السابق (132).
    9- المصدر السابق (195).
    10- ابن جني، عثمان، (1952م)، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، (ط1: 2/12).
    11- العصيمي، خالد بن سعود، (2003م)، القرارات النحوية والتصريفية لمجمع اللغة العربية بالقاهرة –جمعًا ودراسة وتقويمًا- إلى نهاية الدورة الحادية والستين عام 1415هـ-1995م، دار التدمرية، ابن حزم، (ط1: 663-664).
    12- علام، محمد مهدي، (1966م)، مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا، مجمع اللغة العربية بالقاهرة-الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، (ط1: 129).
    13- أبو المكارم، علي، (2006م)، أصول التفكير النحوي، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، (ط1: 237-238).
    14- السامرائي، فاضل، (2000م)، الجملة العربية والمعنى، دار ابن حزم، بيروت، (ط1: 221-236).
    15- المغربي، أحمد عبد الله، (2015م)، معايير التصويب في العربية، رؤية نقدية تأصيلية، دائرة الشئون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، (ط1: 23).


يعمل...