كلام في الظرف "لمّا" وفعله وجوابه
د. مصطفى الجوزو
كتب أحد أصدقائنا اللغويين منشورًا تحت عنوان :«آيات قرآنية خالفت قواعد النحو»، مفترضًا أن عنوانه هذا عجيب أو مرفوض. ولا أكاد أشك في أن استدراكه دليل على أنه وضع ذلك العنوان تشويقًا لا كشفًا لحقيقة كانت خافية على المهتمين باللغة؛ فهو يعلم أن القرآن أسبق من قواعد النحو، بل أنه هو والشعر القديم أهم مصادر النحويين. لذلك لا يصح أن يقال إن بعض آيات القرآن خالفت قواعد النحو، وكأن القرآن الكريم أنزل بعد نشوء علم النحو وجرى في استعمالاته على ما قررته، إلا في آيات محدودة.
والمسألة التي يطرحها صديقنا تتصل بالآية الرابعة والسبعين من سورة هود وتقول :«فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ»، حيث جاء جواب الظرف لمّا، أي فعل يجادل، مضارعاً خلافاً للقاعدة التي تقول إن هذا الظرف لا يدخل إلا على جملتين فعليتين فعلاهما ماضيان، وهي قاعدة يكاد القرآن الكريم يؤيدها في مواضع كثيرة.
وقد يخيل إلى بعضهم أن كتب النحو أغفلت هذا الاستعمال القرآني الاستثنائي، لكن الحقيقة أنهم شغلوا به شغلهم بغيره، وإن بقدر أقل؛ فابن هشام يشير في مغني اللبيب إلى أن جواب لمّا، أي الفعل الثاني، قد يجيء في رأي ابن عصفور مضارعاً، ويستشهد لذلك بهذه الآية نفسها لكنه يؤوِّل فعل يجادلنا بجادلنا، أي يجعله بمعنى الماضي، ويذكر تأويلين آخرين للآية أولهما أن الواو في جاءته البشرى زائدة، أي أن المراد: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى، لكنه لم يعين محل يجادلنا من الإعراب؛ وثانيهما أن جواب «لمّا» محذوف تقديره أَقَبَلَ (يجادلنا).
فهو يلخص بذلك آراء سابقيه من كبار النحاة والمفسرين، كالأخفش والكسائي اللذين ذهبا إلى أن فعل يجادل في الآية مضارع جُعل في موضع الماضي، كما جُعل الماضي مكان المضارع في الشرط؛ والفراء الذي ذهب إلى أن هذا الفعل في محل حالٍ، مقدِّراً الجملة بـ: أقبلَ يجادلنا، أي أن صاحب الحال فاعل لفعل محذوف تقديره أقبلَ؛ وكالطبريّ الذي أوحى أن صاحب الحال هو اسم للفعل الناقص ظلّ المحذوف مؤكداً أن «الْعَرَب لَا تَكَاد تَتَلَقَّى لَمَّا إِذَا وَلِيَهَا فِعْل مَاضٍ إِلَّا بِمَاضٍ، يَقُولُونَ: لَمَّا قَامَ قُمْت، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ: لَمَّا قَامَ أَقُوم. وَقَدْ يَجُوز فِيمَا كَانَ مِنْ الْفِعْل لَهُ تَطَاوُل مِثْل الْجِدَال وَالْخُصُومَة وَالْقِتَال، فَيَقُولُونَ فِي ذَلِكَ: لَمَّا لَقِيته أُقَاتِلهُ» وهو رأي يحتاج، في رأينا، إلى دليل؛ وكالزمخشري الذي أشار، في ما نقله عنه صديقنا الكريم نفسه، إلى الوجوه كلها وزيادة، فقرر أن جواب لما «محذوف تقديره: اجترأ على خطابنا، أو فطن لمجادلتنا، أو قال: كيت وكيت، ثم ابتدأ الخطاب، فقال: يجادلنا في قوم لوط» أي أن جملة يجادلنا استئنافية.
ذلك وجه أول، أما الوجه الثاني فهو أن يجادلنا حالية، أي في محل حال.
وأما الوجه الثالث فهو أن «لمّا تردّ المضارع إلى معنى الماضي، كما ترد إنْ الماضي إلى معنى الاستقبال».
وأما الوجه الرابع فهو أن معنى العبارة هو أخذ يجادلنا، أو أقبل يجادلنا. وهو يطرح الوجه الأول في صيغة توكيدية، على حين أنه يعرض الوجوه الثلاثة الباقية بصيغة التمريض: قيل، وكأنه يقول بالوجه الأول وحده ويذكر الوجوه الأخرى على سبيل الاستيعاب.
ومن بعد ابن هشام قال الجلالان في تفسيرهما بدلالة يجادل على الحال موحيين أن صاحب الحال هو اسم الفعل الناقص أخذ.
ولم يفت ابن هشام أن يشير إلى شيء آخر مهم، وهو أن ابن مالك يقرر أن جواب لما قد يكون جملة اسمية مقرونة بإذا الفجائية أو بالفاء، ويستشهد بالآيتين الكريمتين :«فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ» (العنكبوت، الآية 65) و «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» (لقمان، الآية 32) وقد جاء جواب لمّا مقترناً بإذا في آيات كثيرة، وهذا يفسح لتقدير الآية موضوع بحثنا تقديراً أكثر إقناعاً هو: إذا هو يجادلنا في قوم لوط، فتكون جملة يجادلنا في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو دل عليه السياق. وأيا يكن التقدير فاستعمال لمّا في هذه الآية استثنائي لا يحسن أن يقاس عليه، بل تكفي الإشارة إليه.
والجديد الذي لم يتطرق إليه النحويون، في ما نعلم، أن فعل «لما» قد يكون ماضياً متضمنا معنى المضارع، ونجد ذلك في آيتين أخريين. تقول الآية الأولى :«وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ» (الشورى، الآية 44)، ومعناها: وترى الظالمين حين يرون العذاب يقولون ...؛ وتقول الثانية :« وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» (القلم، الآية 51)، ومعناها: وإن الذين كفروا ليكادون يزلقونك بأبصارهم حين يسمعون الذكر... وسبب ذلك أن الكلام بدئ بفعل مضارع فتساوق سائره مع بدايته فغلب المضارع لفظاً في جواب لما، ومعنى في فعلها. لكن هذاالاستعمال قرآني استثنائي أيضاَ، يصح القياس عليه، لكنه قلما يرد في كلام الكتاب.
والخلاصة أن لمّا الظرفية تقتضي في الغالب جملتين فعليتين فعلاهما ماضيان أولهما فعل لمّا وثانيهما جوابها. وقد يكون الجواب جملة اسمية مقرونة بإذا الفجائية، فلا يخرج الأمر عن الماضوية، لأن إذا الفجائية بعد فعل ماض تتضمن معنى فعل فاجأ، فقول الآية الكريمة :« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ» (النساء، الآية 77) يعني : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ فاجأوا الناس بأن فَرِيقاً مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أو ما هو قريب من هذا المعنى. وقد تكون الجملة الإسمية مقرونة بالفاء، فتحتمل أيضاً معنى الفعل الماضي، وذلك قليل، وأقل منه مجيء جواب لمّا، مضارعاً، فيؤول بالماضي أو بما يدل عليه أي بالجملة الاسمية المقرونة بإذا الفجائية الواقعة بعد ماض. وبالمقابل قد يدل الفعل الماضي بعد لمّا على المضارعة إذا وقع في جملة مبدوءة بفعل مضارع.
د. مصطفى الجوزو
كتب أحد أصدقائنا اللغويين منشورًا تحت عنوان :«آيات قرآنية خالفت قواعد النحو»، مفترضًا أن عنوانه هذا عجيب أو مرفوض. ولا أكاد أشك في أن استدراكه دليل على أنه وضع ذلك العنوان تشويقًا لا كشفًا لحقيقة كانت خافية على المهتمين باللغة؛ فهو يعلم أن القرآن أسبق من قواعد النحو، بل أنه هو والشعر القديم أهم مصادر النحويين. لذلك لا يصح أن يقال إن بعض آيات القرآن خالفت قواعد النحو، وكأن القرآن الكريم أنزل بعد نشوء علم النحو وجرى في استعمالاته على ما قررته، إلا في آيات محدودة.
والمسألة التي يطرحها صديقنا تتصل بالآية الرابعة والسبعين من سورة هود وتقول :«فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ»، حيث جاء جواب الظرف لمّا، أي فعل يجادل، مضارعاً خلافاً للقاعدة التي تقول إن هذا الظرف لا يدخل إلا على جملتين فعليتين فعلاهما ماضيان، وهي قاعدة يكاد القرآن الكريم يؤيدها في مواضع كثيرة.
وقد يخيل إلى بعضهم أن كتب النحو أغفلت هذا الاستعمال القرآني الاستثنائي، لكن الحقيقة أنهم شغلوا به شغلهم بغيره، وإن بقدر أقل؛ فابن هشام يشير في مغني اللبيب إلى أن جواب لمّا، أي الفعل الثاني، قد يجيء في رأي ابن عصفور مضارعاً، ويستشهد لذلك بهذه الآية نفسها لكنه يؤوِّل فعل يجادلنا بجادلنا، أي يجعله بمعنى الماضي، ويذكر تأويلين آخرين للآية أولهما أن الواو في جاءته البشرى زائدة، أي أن المراد: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى، لكنه لم يعين محل يجادلنا من الإعراب؛ وثانيهما أن جواب «لمّا» محذوف تقديره أَقَبَلَ (يجادلنا).
فهو يلخص بذلك آراء سابقيه من كبار النحاة والمفسرين، كالأخفش والكسائي اللذين ذهبا إلى أن فعل يجادل في الآية مضارع جُعل في موضع الماضي، كما جُعل الماضي مكان المضارع في الشرط؛ والفراء الذي ذهب إلى أن هذا الفعل في محل حالٍ، مقدِّراً الجملة بـ: أقبلَ يجادلنا، أي أن صاحب الحال فاعل لفعل محذوف تقديره أقبلَ؛ وكالطبريّ الذي أوحى أن صاحب الحال هو اسم للفعل الناقص ظلّ المحذوف مؤكداً أن «الْعَرَب لَا تَكَاد تَتَلَقَّى لَمَّا إِذَا وَلِيَهَا فِعْل مَاضٍ إِلَّا بِمَاضٍ، يَقُولُونَ: لَمَّا قَامَ قُمْت، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ: لَمَّا قَامَ أَقُوم. وَقَدْ يَجُوز فِيمَا كَانَ مِنْ الْفِعْل لَهُ تَطَاوُل مِثْل الْجِدَال وَالْخُصُومَة وَالْقِتَال، فَيَقُولُونَ فِي ذَلِكَ: لَمَّا لَقِيته أُقَاتِلهُ» وهو رأي يحتاج، في رأينا، إلى دليل؛ وكالزمخشري الذي أشار، في ما نقله عنه صديقنا الكريم نفسه، إلى الوجوه كلها وزيادة، فقرر أن جواب لما «محذوف تقديره: اجترأ على خطابنا، أو فطن لمجادلتنا، أو قال: كيت وكيت، ثم ابتدأ الخطاب، فقال: يجادلنا في قوم لوط» أي أن جملة يجادلنا استئنافية.
ذلك وجه أول، أما الوجه الثاني فهو أن يجادلنا حالية، أي في محل حال.
وأما الوجه الثالث فهو أن «لمّا تردّ المضارع إلى معنى الماضي، كما ترد إنْ الماضي إلى معنى الاستقبال».
وأما الوجه الرابع فهو أن معنى العبارة هو أخذ يجادلنا، أو أقبل يجادلنا. وهو يطرح الوجه الأول في صيغة توكيدية، على حين أنه يعرض الوجوه الثلاثة الباقية بصيغة التمريض: قيل، وكأنه يقول بالوجه الأول وحده ويذكر الوجوه الأخرى على سبيل الاستيعاب.
ومن بعد ابن هشام قال الجلالان في تفسيرهما بدلالة يجادل على الحال موحيين أن صاحب الحال هو اسم الفعل الناقص أخذ.
ولم يفت ابن هشام أن يشير إلى شيء آخر مهم، وهو أن ابن مالك يقرر أن جواب لما قد يكون جملة اسمية مقرونة بإذا الفجائية أو بالفاء، ويستشهد بالآيتين الكريمتين :«فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ» (العنكبوت، الآية 65) و «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» (لقمان، الآية 32) وقد جاء جواب لمّا مقترناً بإذا في آيات كثيرة، وهذا يفسح لتقدير الآية موضوع بحثنا تقديراً أكثر إقناعاً هو: إذا هو يجادلنا في قوم لوط، فتكون جملة يجادلنا في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو دل عليه السياق. وأيا يكن التقدير فاستعمال لمّا في هذه الآية استثنائي لا يحسن أن يقاس عليه، بل تكفي الإشارة إليه.
والجديد الذي لم يتطرق إليه النحويون، في ما نعلم، أن فعل «لما» قد يكون ماضياً متضمنا معنى المضارع، ونجد ذلك في آيتين أخريين. تقول الآية الأولى :«وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ» (الشورى، الآية 44)، ومعناها: وترى الظالمين حين يرون العذاب يقولون ...؛ وتقول الثانية :« وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» (القلم، الآية 51)، ومعناها: وإن الذين كفروا ليكادون يزلقونك بأبصارهم حين يسمعون الذكر... وسبب ذلك أن الكلام بدئ بفعل مضارع فتساوق سائره مع بدايته فغلب المضارع لفظاً في جواب لما، ومعنى في فعلها. لكن هذاالاستعمال قرآني استثنائي أيضاَ، يصح القياس عليه، لكنه قلما يرد في كلام الكتاب.
والخلاصة أن لمّا الظرفية تقتضي في الغالب جملتين فعليتين فعلاهما ماضيان أولهما فعل لمّا وثانيهما جوابها. وقد يكون الجواب جملة اسمية مقرونة بإذا الفجائية، فلا يخرج الأمر عن الماضوية، لأن إذا الفجائية بعد فعل ماض تتضمن معنى فعل فاجأ، فقول الآية الكريمة :« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ» (النساء، الآية 77) يعني : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ فاجأوا الناس بأن فَرِيقاً مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أو ما هو قريب من هذا المعنى. وقد تكون الجملة الإسمية مقرونة بالفاء، فتحتمل أيضاً معنى الفعل الماضي، وذلك قليل، وأقل منه مجيء جواب لمّا، مضارعاً، فيؤول بالماضي أو بما يدل عليه أي بالجملة الاسمية المقرونة بإذا الفجائية الواقعة بعد ماض. وبالمقابل قد يدل الفعل الماضي بعد لمّا على المضارعة إذا وقع في جملة مبدوءة بفعل مضارع.
المصدر
