الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

85-عالم ورأي- د.علي مدكور،ورأيه في أثر النهوض بالعربية على الإبداع والتذوق والمعرفة:

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.مصطفى يوسف
    عضو نشيط
    • Oct 2016
    • 7757

    #1

    85-عالم ورأي- د.علي مدكور،ورأيه في أثر النهوض بالعربية على الإبداع والتذوق والمعرفة:

    سلسلة (عالم ورأي)
    تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

    85-الدكتور علي مدكور-أستاذ التربية بجامعة القاهرة والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة (يرحمه الله)، ورأيه في أسباب النهوض باللغة العربية على الإبداع والتذوق وبناء مجتمع المعرفة:
    تُجمع بحوثُ علم النفس على تأكيد العلاقة الوثقى بين اللغة والإبداع، وعلى أن اللغة الأم هي المصدر الرئيس للتفكير الأصيل والإبداع؛ إذ إن الفكر الأصيل لا ينمو في الأمة إلا إذا كانت تعلم بلغتها وتكتب وتؤلف بها.
    إن تعاضد قوى النفس الداخلية في تحصيل المعرفة يكون أقوى من مجرد تعاضد قواها الخارجية، وتفسير ذلك أن "القوى اللغوية" و"النفسية" قوة واحدة في واقع الحال، ومن شأنها إن تآلفت أن تنتقل بالهدف المعرفي من مجرد التقبل والجمع إلى النقد والفرز، ومن مجرد التكديس وتخزين المعلومات إلى إعادة صياغتها في نسق معرفي ينشط قوى العقل، ويمتزج بالخيال الفعال الذي يكون –حينئذ– قادرًا على الإبداع والابتكار.
    إن هناك فوارق بين المعلومات، والمعرفة والحكمة في استخدام المعرفة، ونحن نحتاج إلى الانتقال من مرحلة "التحصيل المعلوماتي" واجترار المعرفة التي أنتجها الآخرون إلى "إنتاج المعرفة" واستخدامها بحكمة، وهذا مرهون بأن يتوحد لساننا مع خيالنا ووجداننا وجناننا.
    فاللغة كائن حي تنطبق عليه –إلى حد كبير– قوانين النمو من حيث الميلاد والطفولة، والشباب، والكهولة والشيخوخة، واللغة التي يعزلها أصحابها عن العلم يكون مصيرها الضعف والاضمحلال.
    غاية ما يمكن الوصول إليه من تعليم العلوم بغير العربية، أن نصل إلى المعلومات لا إلى المعرفة والحكمة، إلى القشور لا إلى اللب، وإلى العرض لا إلى الجوهر.
    إن التعليم باللغة العربية الصحيحة يؤدي إلى تحقيق التذوق، الذي هو "حصول ملكة البلاغة للسان" على حد تعبير ابن خلدون– فالتذوق يحصل من خلال ممارسة المتعلم للكلام العربي الفصيح وتكراره على المسامع، والتفطن لخواص تراكيبه، واكتساب القدرة على التذوق إنما يكون بمخالطة النصوص الجميلة من الكلام العربي: شعره ونثره ومداومة ذلك، وممارسته حتى يصير ملكة متقررة في العقل واللسان.
    إن عزل اللغة عن علوم التقانة هو عزل للمجتمع عن هذه العلوم، وهذا ما تفعله الكليات العلمية في جامعاتنا هذه الأيام، فالتنمية الإنسانية الشاملة تتوقف إلى أبعد الحدود على ما لأفراد المجتمع من قدرات علمية، ومهارات فنية، وطاقات تكنولوجية، فرهان التنمية مرتبط اليوم بمدى السيطرة على هذه المجالات الحيوية، ولكن أنَّى لأفراد المجتمع السيطرة على هذه المجالات وهي حبيسة مراجع لا يستطيعون قراءتها، وتدرس لأبنائهم بلغات لا يفهمون منها إلا القليل؟!
    يلخص لنا الدكتور يعقوب الشراح القصة قائلًا: "يبدو أن مشكلة التعليم بغير اللغة العربية إنما تهدف إلى محاربة اللغة العربية، والاتكال على ما ينتجه الغرب في العلوم والطب والمعرفة بلغاتهم، هروبًا من الاعتماد على الذات، والتفكير في الجديد، والتراجع في الإبداع والإنتاج والاستهلاك الثقافي والعلمي المستورد، الذي يماثل استهلاك أية سلعة تجارية أو غذائية مستوردة، وما علينا إلا أن نستعملها بطريقة مفرطة ونحن في حالة استرخاء دون بذل أي فكرة أو جهد؛ وبذلك ندخل في دائرة مجتمعات فقدان المغزى.
    إن العقبات أمام لغتنا لا توجد على أرضنا ولا في سمائنا، إلا لأننا أقمناها أولًا في نفوسنا، أو كما يسميها التقرير الياباني- عن أهداف اليابان في القرن الحادي والعشرين-تُخوم الداخل" فقد تَخفى على الكثيرين حقيقةُ أن الحدود التي تحد من حركاتنا وتطلعاتنا وقدراتنا على الفعل والإنجاز، هي في أغلب الأحيان حدود قائمة بالداخل، وليست نتيجة وجود عوائق أو قيود غريبة عنا، وكما أن السياج الذي يحوطنا ويحد من حركاتنا قائم في الذات – فقد أقمناه بأنفسنا لأنفسنا– فكذلك تكون القدرة على تخطي الحدود وكسر القيود كامنة بالداخل أيضًا.
    فإذا اتجهنا صوب أنفسنا، وقمنا باستنهاض قدراتنا وقوانا الكامنة، فسيمكننا رفعَ الحواجز، وفتحَ حدود المعرفة، والإنجاز صوب آفاق لا نهائية، حيث لا يكون لقدراتنا على الفعل والإنجاز حدود قصوى.
    المصدر: اللغة العربية وتحديات النهوض، بحث مقدم إلى مؤتمر: اللغة العربية وتحديات البقاء، ص 125-127.
    إعداد: د.مصطفى يوسف


يعمل...