سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

96-الأستاذ الدكتور محمد محمد داود– أستاذ علم اللغة بكلية الآداب جامعة قناة السويس، ورأيه في: الطريق إلى إنقاذ اللغة:
اللغة لصيقة بالإنسان من المهد إلى اللحد، إنها أشبه ما تكون بالرُّوح؛ إنها رُوح جماعية، وطاقة فاعلة تبعث الحياة في المجتمعات والأمم بما تحمله من معارف وعلوم، فاللغة وعاء الثقافة والعلم والدين، إننا نعيش باللغة، وفي مرآتها تنعكس دواخلنا، وكما هي وعاء ثقافتنا، فهي سجل تاريخنا، وبها نفكر ونتواصل.
ولكن الذي ينبغي تأكيده- هنا- هو أن أهمية اللغة لا تنحصر في التواصل بين الناطقين بها، أو أنها وعاء للفكر العقائدي والثقافي، أو أنها آلية تفكير وإبداع فحسب، وإنما هي – أيضًا – هوية تختزل ماضي الأُمة بموروثها الحضاري والسيادي، وتقترن بأبنائها: تُجسِّد حاضرها من خلال العلاقة الجدلية بين هوان أبنائها وضعفها وقوة أهلها وقوتها، فاللغة الحية تحيا في ظل قوم أقوياء لهم إسهام في العلم والإبداع، وهي– أيضًا– تشير إلى ماهية الغد كيف يكون؟ وإلى أين يتجه؟
وتحتفظ اللغة– على تتابع العصور وتنوع الحضارات– بقيمتها المتفردة؛ فهي تُمثل المظهر المادي للوجود الحقيقي للإنسان، فحين يَفْنَى الأفراد، وتندثر الجماعات لا يبقى منها ذو قيمة إلا ما حفظته اللغة.
لقد ربط "محمود درويش" في جداريته بين ضياع اللغة والموت، فهو يرى "أن الموت هو موت اللغة وعدم القدرة على النطق، حين كتب على ورقة الطبيب: لقد فقدت اللغة؛ أي: لم يبق مني شيء".
ولكن في ظل العولمة وهذه التحديات التي تُهدد وجود كثير من اللغات، كيف يمكن إنقاذ اللغة ودعم وجودها في موقع التأثير في مجالات الحياة المختلفة؟!
إن المهمة لم تعد سهلة في زمن العولمة الذي لم يعد يُسمع فيه إلا صوت القوىِّ! ذلك القوي الذي يسعى سعيًا حثيثًا إلى فرض نمطه السلوكي والرمزي على الأُمم الأخرى.. ذلك القوي الذي يحارب من أجل إزاحة الحواجز اللسانية وتوحيد اللغات، وإقصاء أية لغة لا تُعضِّدها قوة ديموجرافية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية، وعلمية، وعسكرية هائلة، وبكل أسف تنجح مساعيه في إزاحة كثير من اللغات!!
ولما كانت اللغة ترتبط بأهلها قوةً وضعفًا، فقد تختفي حينًا من الزمان؛ لضعف أهلها وهوانهم، لكن سرعان ما تعود وتُبعث من جديد حين يتوفَّر لها قرار سياسي لتمكينها، وقرار اقتصادي داعم لها ولنشرها، وقرار علمي للتخطيط اللغوي على علم وبصيرة، ثم ترجمة هذه القرارات إلى تشريعات لتفعيل بعث اللغة وإنقاذها.
والشواهد على ذلك كثيرة، من أبرزها: عودة اللغة العبرية، فاللغة العبرية بُعِثت بجهود الباحثين وأصحاب القرار بعد سبعة عشر قرنًا من تقلص وظائفها، ومن ثم اختفاؤها وانطماس معالمها، وهي اليوم حية على مستوى الخطاب التداولي والعلمي والأدبي، وأصبحت اللغة الأم لمجتمع لم تكن اللغة الأم لآبائه ولا أجداده.
إن كلمة الفصل في إنقاذ اللغة ودعمها يرجع إلى أبناء اللغة ودورهم الثقافي والحضاري بين الشعوب الأخرى؛ فاللغة لا يمكن النهوض بها ما لم ينهَض أهلها؛ وذلك من كل الجوانب الأساسية لنمو وتطوُّر وتقدُّم الإنسان في الجانب الاجتماعي، والتعليمي، والاقتصادي، ومن ثَمَّ الثقافي الفكري له؛ فالعلاقة جدلية بين النهوض بالإنسان والنهوض باللغة.
خلاصة القول أنه يكاد يُجمع اللغويون على أن النهوض باللغة يتطلب حزمة من الإجراءات؛ هي:
1- رؤية بوصفها جزءًا من الثقافة (قرار علمي داعم).
2- تمسُّك أهل اللغة بلغتهم واعتزازهم بها (قرار علمي وسياسي داعم).
3- حصول اللغة المهدَّدة على شرعية حقيقية ووضع مؤثِّر في أعين الجماعة المهيمنة (قرار سياسي مُمكِّن).
4- اقتصاد قوي (قرار اقتصادي داعم).
5- وجود قوي في النظام التعليمي (قرار علمي وسياسي واقتصادي).
6- الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية (قرار علمي واقتصادي).
المصدر: اللغة كيف تحيا؟.. ومتى تموت؟ محمد محمد داود، دار نهضة مصر للنشر، القاهرة، 2016م، ط 1، ص 167- 169.
إعداد: د. مصطفى يوسف
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

96-الأستاذ الدكتور محمد محمد داود– أستاذ علم اللغة بكلية الآداب جامعة قناة السويس، ورأيه في: الطريق إلى إنقاذ اللغة:
اللغة لصيقة بالإنسان من المهد إلى اللحد، إنها أشبه ما تكون بالرُّوح؛ إنها رُوح جماعية، وطاقة فاعلة تبعث الحياة في المجتمعات والأمم بما تحمله من معارف وعلوم، فاللغة وعاء الثقافة والعلم والدين، إننا نعيش باللغة، وفي مرآتها تنعكس دواخلنا، وكما هي وعاء ثقافتنا، فهي سجل تاريخنا، وبها نفكر ونتواصل.
ولكن الذي ينبغي تأكيده- هنا- هو أن أهمية اللغة لا تنحصر في التواصل بين الناطقين بها، أو أنها وعاء للفكر العقائدي والثقافي، أو أنها آلية تفكير وإبداع فحسب، وإنما هي – أيضًا – هوية تختزل ماضي الأُمة بموروثها الحضاري والسيادي، وتقترن بأبنائها: تُجسِّد حاضرها من خلال العلاقة الجدلية بين هوان أبنائها وضعفها وقوة أهلها وقوتها، فاللغة الحية تحيا في ظل قوم أقوياء لهم إسهام في العلم والإبداع، وهي– أيضًا– تشير إلى ماهية الغد كيف يكون؟ وإلى أين يتجه؟
وتحتفظ اللغة– على تتابع العصور وتنوع الحضارات– بقيمتها المتفردة؛ فهي تُمثل المظهر المادي للوجود الحقيقي للإنسان، فحين يَفْنَى الأفراد، وتندثر الجماعات لا يبقى منها ذو قيمة إلا ما حفظته اللغة.
لقد ربط "محمود درويش" في جداريته بين ضياع اللغة والموت، فهو يرى "أن الموت هو موت اللغة وعدم القدرة على النطق، حين كتب على ورقة الطبيب: لقد فقدت اللغة؛ أي: لم يبق مني شيء".
ولكن في ظل العولمة وهذه التحديات التي تُهدد وجود كثير من اللغات، كيف يمكن إنقاذ اللغة ودعم وجودها في موقع التأثير في مجالات الحياة المختلفة؟!
إن المهمة لم تعد سهلة في زمن العولمة الذي لم يعد يُسمع فيه إلا صوت القوىِّ! ذلك القوي الذي يسعى سعيًا حثيثًا إلى فرض نمطه السلوكي والرمزي على الأُمم الأخرى.. ذلك القوي الذي يحارب من أجل إزاحة الحواجز اللسانية وتوحيد اللغات، وإقصاء أية لغة لا تُعضِّدها قوة ديموجرافية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية، وعلمية، وعسكرية هائلة، وبكل أسف تنجح مساعيه في إزاحة كثير من اللغات!!
ولما كانت اللغة ترتبط بأهلها قوةً وضعفًا، فقد تختفي حينًا من الزمان؛ لضعف أهلها وهوانهم، لكن سرعان ما تعود وتُبعث من جديد حين يتوفَّر لها قرار سياسي لتمكينها، وقرار اقتصادي داعم لها ولنشرها، وقرار علمي للتخطيط اللغوي على علم وبصيرة، ثم ترجمة هذه القرارات إلى تشريعات لتفعيل بعث اللغة وإنقاذها.
والشواهد على ذلك كثيرة، من أبرزها: عودة اللغة العبرية، فاللغة العبرية بُعِثت بجهود الباحثين وأصحاب القرار بعد سبعة عشر قرنًا من تقلص وظائفها، ومن ثم اختفاؤها وانطماس معالمها، وهي اليوم حية على مستوى الخطاب التداولي والعلمي والأدبي، وأصبحت اللغة الأم لمجتمع لم تكن اللغة الأم لآبائه ولا أجداده.
إن كلمة الفصل في إنقاذ اللغة ودعمها يرجع إلى أبناء اللغة ودورهم الثقافي والحضاري بين الشعوب الأخرى؛ فاللغة لا يمكن النهوض بها ما لم ينهَض أهلها؛ وذلك من كل الجوانب الأساسية لنمو وتطوُّر وتقدُّم الإنسان في الجانب الاجتماعي، والتعليمي، والاقتصادي، ومن ثَمَّ الثقافي الفكري له؛ فالعلاقة جدلية بين النهوض بالإنسان والنهوض باللغة.
خلاصة القول أنه يكاد يُجمع اللغويون على أن النهوض باللغة يتطلب حزمة من الإجراءات؛ هي:
1- رؤية بوصفها جزءًا من الثقافة (قرار علمي داعم).
2- تمسُّك أهل اللغة بلغتهم واعتزازهم بها (قرار علمي وسياسي داعم).
3- حصول اللغة المهدَّدة على شرعية حقيقية ووضع مؤثِّر في أعين الجماعة المهيمنة (قرار سياسي مُمكِّن).
4- اقتصاد قوي (قرار اقتصادي داعم).
5- وجود قوي في النظام التعليمي (قرار علمي وسياسي واقتصادي).
6- الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية (قرار علمي واقتصادي).
المصدر: اللغة كيف تحيا؟.. ومتى تموت؟ محمد محمد داود، دار نهضة مصر للنشر، القاهرة، 2016م، ط 1، ص 167- 169.
إعداد: د. مصطفى يوسف
