الإذاعة
الإذاعة
خواطر

لغتنا العربية وكثرة الصنعة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    لغتنا العربية وكثرة الصنعة

    لغتنا العربية وكثرة الصنعة









    د. رضا العطار





    للقديم حرمة في الشرق أكثر مما له في الغرب، فبلاد الشرق هي بلاد السلف، يحكمونها وهم في قبورهم، بآدابهم وتقاليدهم وشرائعهم، وليس للخلف الحاضر الحق في المعارضة سوى الإذعان، وهذا هو ما نراه على أقصاه في الصين حيث للسلف حرمة تشبه العبادة، ثم نرى هذه الحرمة تضعف بالتدريج إلى أن تصل إلى تخوم أوربا فتكون على أضعفها، وللسلف حرمة عند العرب نرى أثرها في الآداب العربية وهي وإن لم تبلغ عندنا ما بلغته في الصين، فإن أثرها لا يزال بيّنا في تطورنا البطيء الراهن بل في تطور الأمم العربية الماضية التي كانت تقدس سير أسلافها. ولست في حاجة إلى ذكر صنوف الجمود التي طرأت على الحكومة والهيئات الاجتماعية عند الأمم العربية الماضية، وهي ترزخ تحت وطأة الاستعمار طيلة 200 سنة.

    وهنا أورد نموذجا من أدب ذلك الزمان، يقول ابن قتيبة:

    "ليس لمتأخر الشعراء ان يخرج عن مذهب المتقدمين، فيقف على منزا عامر ويبكي عند مشهد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الدائر والرسم الخالد، أو يرحل على حمار أو بغل فيصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذبة الجواري، لأن المتقدمين وردوا على الاراجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والعرار"

    فمن هذه القطعة المقتبسة يدرك القارئ احدى خصائص الأدب العربي وهي نزعته إلى القديم بما يبلغ حد العبادة. ولذلك نجد الآن من أدبائنا من يترك خياله الشخصي ويقترض خيالات القدماء فيضمها إلى قصائده، بل منا من يبدأ مديحه بالتغزل الكاذب بطيف الحبيب على نحو ما كان يفعل قدماء العرب. ثم منا ايضا من يقصر شعره على المقاصد التي قصد اليها العرب من مديح وهجاء ووصف، لايخلو من ذكر العيس والبيد وقد يكون الكاتب قد عاش طول حياته في مدينة لم ير فيها العيس والبيد. ربما كانت هذه الخصلة هي سبب كراهة ادباء العرب لأدب الأغريق، لكن نزعة الجمود عند العرب منعتهم من استنان اية سُنة جديدة، ولذلك بقى الشعر في الدولة الاسلامية المتقدمة والمتاخرة كما كان أيام الجاهلية، على الرغم مما طرأ عليه من ترقيق الحضارة.

    وخصلة أخرى في اللغة العربية هي الاغراق في الصنعة. وهذه الخصلة بحكم ما ذكرناه آنفا من احترام القديم، لا تزال حية بين ادبائنا. فالمنفلوطي لم يبلغ من الشهرة ذلك المدى البعيد الا لجمال صنعته واصراره على دس العبارات القديمة في ثنايا انشائه، والرافعي والمازني كلاهما لا يبالي بشئ بمقدار ما يبالي بالصنعة. ولو كانت هذه الصنعة في توخي الدقة لما كان الاعتراض عليها، فان دقة التعبيرهي في اعتقادي الغاية في اللغة.

    وهي كذلك همْ كل كاتب مخلص يود ان يفضي الى القارئ بحقيقة فكره ويتعمل لهذا الافضاء وقلما يبلغ غرضه، وانما كان القصد من الاغراق في الصنعة وهو لا يزال الى الان قائما على الزينة والبهرجة. وليس من شأن هذه الصنعة ان تزيد الدقة في المعنى او تقربه للقارئ بل هي تؤدي الى نقيض ذلك، اذ تشوش ذهنه بالفاظ لا لزوم لها. هاك ما يقوله العسكري:

    ( ليس الشأن في ايراد المعاني. لأن المعاني يعرفها العربي والقروي والبدوي، وانما هو في جودة اللفظ وصفاته وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه مع صحة السبك والتركيب والخلو من اود النظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى الا ان يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التي تقدمت )
    وقال ايضا: ( المعاني مشتركة بين العقلاء فربما وقع المعنى الجديد للسوقي والنبطي والزنجي وانما تتفاضل الناس في الالفاظ ووصفها وتأليفها ونظمها )

    وقال الآمدي في كتاب الموازنة: ( وليس الشعر عند اهل العلم به الا حسن التأني وقرب المآخذ واختيار الكلام ووضع الالفاظ في مواضعها. وان يورد المعنى باللفظ المعتاد في المستعمل في مثله وان تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافية لمعناه. فان الكلام لا يكسي البهاء والرونق الا اذا كان بهذا الوصف، فان اتفق مع هذا معنى لطيف او حكمة غريبة او ادب حسن وفائق زائد في بهاء الكلام وان لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه واتسع غنى عما سواه )
    ومن هذه الاقتباسات يرى القارئ ان الآمدي وابا هلال العسكري يعنيان باللفظ اكثر من عنايتهما بالمعنى، وقد صار هذا من تقاليد الادب العربي، حتى جاء وقت غمرت فيه الصنعة كل شيء واصبح الادب مجموعة الفاظ عالية الرنين سخيفة المغزى والمعنى.

    فهاتان اذن هما خصلتان، اتسم بهما الادب العربي من قديم ولهما كلتاهما اثر في ادبنا الحديث، فاحدهما تمنع الادب من التجدد وتجعل الاديب يتلفت على الدوام الى الوراء ويستوحي الماضي بدلا من ان ينظر بعين الرجاء الى المستقبل، او بعين الثقة الى نفسه، والاخرى تدفعه الى بعثرة قواه في تحفظ الالفاظ الفخمة والعبارات الجزلة وفي اصطناع اسلوب مقترض غير اسلوبه الشخصي، فيذهب المعنى والمغزى فداء لبهرجة سخيفة يؤذي القارئ والكاتب معا. وتضعف في كل منهما ملكة التفكير الصريح النير.


    ____


    * مقتبس من كتاب البلاغة العصرية واللغة العربية للعلامة سلامه موسى.





    المصدر

يعمل...