الشمقمقية : شرح مختصر من شرح الشيخ الحسني ( 6)
نواصل اختصارنا لشرح الشيخ عبد الله كنون الحسني - رحم الله والديّ ورحمه - لأرجوزة (الشمقمقية) يواصل الناظم لوم سائق الإبل :
37 - ودع يسوق بعضها بعضا فقد *** دنا ولوجها بوعر ضيق
((أي اتركها تسوق نفسها بنفسها فقد قاربت أن تدخل في طريق ضيق لا يمكن سلوكها به إلا متتابعة يقدم بعضها بعضا،أما أنت فسوقك العنيف يحرجها ويحملها على التدافع والتزاحم في هذا المسلك الوعر فتعطب وتهلك،وهذا من الناظم استدراج للحادي ليترتب عليه قوله : ))
38 - ولتتخذني رائدا فإنني *** ذو خبرة بمبهمات الطرق
((الرائد،هو الذي يرسل في طلب الكلأ،أي ولتجعلني رسولك ودليلك أرتاد لك المراعي الخصبة،فإنني على خبرة بمبهمات الطرق،أي خفياتها ويستلزم ذلك علمه بواضحاتها بالأولى))
39 - إن غَرِثت علفتها ولو بما *** جمعته من ذهب ووَرِق
40 - أو صديت أو ردتها من أَدمعي *** نهر الأُبلة ونهر جلق
((غرث: جاع،والذهب معروف،والورق الدراهم الفضية المضروبة،وصدى،كعطش وزنا ومعنى،وأوردتها أي أحضرتها المورد،ونهر الأبلة بالبصرة،وجلق دمشق الشام،ونهرها بردى،وهما معا من أنزه الأماكن. وهذا من الناظم غاية الرعاية ومنتهى الكفاية،إذ أنه تكفل للحادي بأنه لا يقتصر على الريادة فحسب،بل يقوم بعلف الإبل ولو كلفه ذلك إنفاق ما جمعه من مال،ويوردها ولو كان بما لا ينال،والعذر له فإنه ليس هو المتكلم،ولكنه لسان الهوى يعبر ويترجم،والإبل ليست هي المقصودة بالذات ولا مما يستحق هذا الالتفات،ولكن السر في السكن لا في المسكن،وكما قال المجنون :
وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا))
41 - رفقا بها شفيعها هوادج *** غدت سماء كل بدر مشرق
42 - من كل غيداء عَرُوب بضة *** رعبوبة عيطاء ذات رونق
43 - خريدة ممشوقة رقراقة *** وهنانة بهنانة المعتنق
(( هذا انتقال من غرض إلى غرض،وقد مهد له الناظم فأحسن،فلما تخلص إليه لم يكن ثقيلا على السمع،ولا نابيا عن الطبع،والغرض المنتقل منه ذكر رحيل الأحبة،ووصف الإبل التي حملوا عليها،والبيد التي تعسفوها،ولوم الحادي على جده في السير ليلا ونهارا،حتى أضر بالإبل ضررا بليغا،وتذكره من يحمل فوقها من النساء اللاتي لا طاقة لهن بذلك السير العنيف،وإظهاره شديد العطف على هذه الإبل حتى تبرع بالريادة لها والقيام عليها أحسن قيام،وهذه الفنون من الكلام هي ما يعبر عنه الأدباء بالنسيب،والغرض المنتقل إليه التغزل بصفات محبوبه،وذكر ما هو عليه من فنون المحاسن وضروب المفاتن فقوله "رفقا بها شفيعها هوادج"هو من الكناية عن الحال باسم المحل إذا قلنا أنه يتشفع إليه بتلك السيدات اللاتي داخل الهوادج،أو الكلام على حقيقته،وإنما صانهن عن التشفع بهن قصدا،لأنه يرى أن قدرهن أرفع من التوسل به إلى الحادي،وفي البيت استعارة وتشبيه،فإنه لما استعار البدور المشرقة للنساء شبه الهوادج بالسماء،وقوله "من كل غيداء"بيان لكل بدر،والغيداء تقدم تفسيرها،والعروب : الحسنة الجميلة،والبضة : الرخصة البدن،الناعمة،والرعبوبة : البيضاء المنعمة،والعيطاء : طويلة العنق وهو مما يمتدح به،ويكنون عنها ببعيدة مهوى القرط. ذات رونق : أي صاحبة حسن ورواء،والخريدة : البكر التي لم تمس،ويقال لؤلؤة خريدة لم تثقب،والممسودة : المجدولة الخلق الممشوقة القد،والرقراقة : المتلألئة البراقة،والوهنانة : الكسلى عن العمل تنعما،وبهنانة المعتنق : طيبته لينته.)).
44 - وقل لربات الهوادج انجليــــــــن آمنات فزع وفرق
45 - فإنني أشجع من ربيعة *** حامي الظعينة لدى وقت اللقي
((ربات الهوادج،صاحباتها،وهن النساء اللاتي وصفهن في الأبيات قبل،وانجلين : ابرزن،واظهرن،وآمنات،حال من فاعل انجلين،والفزع : الذعر ،والفرق : الخوف : أي وقل أيها الحادي لصاحبات الهوادج،ينجلين غير متخوفات أن يدنو منهن أحد،فإنني عند اللقاء في الحرب أشجع من ربيعة حامي الظعينة : أي المرأة،وأراد به الجنس،إذ هو مثل الجمع،ولفظه : أحمى من مجير الظعن وهو ربيعة بن مكدم الكناني،وكان من خبره : أن نبيشة بن حبيب السلمي خرج غازيا فلقي ظعنا من كنانة بالكديد،فأراد أن يحتويها فمانعه ربيعة بن مكدم في فوارس وكان غلاما له ذؤابة فشد عليه نبيشة فطعنه،فأتى ربيعة أمه فعصبته واستسقاها،فقالت : اذهب فقاتل القوم فإن الماء أمامك،فرجع وكر على القوم فكشفهم ورجع إلى الظعن وقال : إني لمائت وسأقف بفرسي على العقبة،وأتكئ على رمحي،فإن فاضت نفسي كان الرمح عمادي،فالنجاء النجاء،فوقف ساعة حتى نزفه الدم،ففاظ أي مات وطال وقوفه فاشتبهوا أمره،فرموا فرسه فقمص وخر ربيعة على وجهه،فطلبوا الظعن فلم يلحقوهن. قال أبو عمرو بن العلاء : ما نعلم قتيلا حمى ظعائن غير ربيعة بن مكدم.))
إلى اللقاء في الحلقة القادمة ... إذا أذن الله.
أبو أِشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني
نواصل اختصارنا لشرح الشيخ عبد الله كنون الحسني - رحم الله والديّ ورحمه - لأرجوزة (الشمقمقية) يواصل الناظم لوم سائق الإبل :
37 - ودع يسوق بعضها بعضا فقد *** دنا ولوجها بوعر ضيق
((أي اتركها تسوق نفسها بنفسها فقد قاربت أن تدخل في طريق ضيق لا يمكن سلوكها به إلا متتابعة يقدم بعضها بعضا،أما أنت فسوقك العنيف يحرجها ويحملها على التدافع والتزاحم في هذا المسلك الوعر فتعطب وتهلك،وهذا من الناظم استدراج للحادي ليترتب عليه قوله : ))
38 - ولتتخذني رائدا فإنني *** ذو خبرة بمبهمات الطرق
((الرائد،هو الذي يرسل في طلب الكلأ،أي ولتجعلني رسولك ودليلك أرتاد لك المراعي الخصبة،فإنني على خبرة بمبهمات الطرق،أي خفياتها ويستلزم ذلك علمه بواضحاتها بالأولى))
39 - إن غَرِثت علفتها ولو بما *** جمعته من ذهب ووَرِق
40 - أو صديت أو ردتها من أَدمعي *** نهر الأُبلة ونهر جلق
((غرث: جاع،والذهب معروف،والورق الدراهم الفضية المضروبة،وصدى،كعطش وزنا ومعنى،وأوردتها أي أحضرتها المورد،ونهر الأبلة بالبصرة،وجلق دمشق الشام،ونهرها بردى،وهما معا من أنزه الأماكن. وهذا من الناظم غاية الرعاية ومنتهى الكفاية،إذ أنه تكفل للحادي بأنه لا يقتصر على الريادة فحسب،بل يقوم بعلف الإبل ولو كلفه ذلك إنفاق ما جمعه من مال،ويوردها ولو كان بما لا ينال،والعذر له فإنه ليس هو المتكلم،ولكنه لسان الهوى يعبر ويترجم،والإبل ليست هي المقصودة بالذات ولا مما يستحق هذا الالتفات،ولكن السر في السكن لا في المسكن،وكما قال المجنون :
وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا))
41 - رفقا بها شفيعها هوادج *** غدت سماء كل بدر مشرق
42 - من كل غيداء عَرُوب بضة *** رعبوبة عيطاء ذات رونق
43 - خريدة ممشوقة رقراقة *** وهنانة بهنانة المعتنق
(( هذا انتقال من غرض إلى غرض،وقد مهد له الناظم فأحسن،فلما تخلص إليه لم يكن ثقيلا على السمع،ولا نابيا عن الطبع،والغرض المنتقل منه ذكر رحيل الأحبة،ووصف الإبل التي حملوا عليها،والبيد التي تعسفوها،ولوم الحادي على جده في السير ليلا ونهارا،حتى أضر بالإبل ضررا بليغا،وتذكره من يحمل فوقها من النساء اللاتي لا طاقة لهن بذلك السير العنيف،وإظهاره شديد العطف على هذه الإبل حتى تبرع بالريادة لها والقيام عليها أحسن قيام،وهذه الفنون من الكلام هي ما يعبر عنه الأدباء بالنسيب،والغرض المنتقل إليه التغزل بصفات محبوبه،وذكر ما هو عليه من فنون المحاسن وضروب المفاتن فقوله "رفقا بها شفيعها هوادج"هو من الكناية عن الحال باسم المحل إذا قلنا أنه يتشفع إليه بتلك السيدات اللاتي داخل الهوادج،أو الكلام على حقيقته،وإنما صانهن عن التشفع بهن قصدا،لأنه يرى أن قدرهن أرفع من التوسل به إلى الحادي،وفي البيت استعارة وتشبيه،فإنه لما استعار البدور المشرقة للنساء شبه الهوادج بالسماء،وقوله "من كل غيداء"بيان لكل بدر،والغيداء تقدم تفسيرها،والعروب : الحسنة الجميلة،والبضة : الرخصة البدن،الناعمة،والرعبوبة : البيضاء المنعمة،والعيطاء : طويلة العنق وهو مما يمتدح به،ويكنون عنها ببعيدة مهوى القرط. ذات رونق : أي صاحبة حسن ورواء،والخريدة : البكر التي لم تمس،ويقال لؤلؤة خريدة لم تثقب،والممسودة : المجدولة الخلق الممشوقة القد،والرقراقة : المتلألئة البراقة،والوهنانة : الكسلى عن العمل تنعما،وبهنانة المعتنق : طيبته لينته.)).
44 - وقل لربات الهوادج انجليــــــــن آمنات فزع وفرق
45 - فإنني أشجع من ربيعة *** حامي الظعينة لدى وقت اللقي
((ربات الهوادج،صاحباتها،وهن النساء اللاتي وصفهن في الأبيات قبل،وانجلين : ابرزن،واظهرن،وآمنات،حال من فاعل انجلين،والفزع : الذعر ،والفرق : الخوف : أي وقل أيها الحادي لصاحبات الهوادج،ينجلين غير متخوفات أن يدنو منهن أحد،فإنني عند اللقاء في الحرب أشجع من ربيعة حامي الظعينة : أي المرأة،وأراد به الجنس،إذ هو مثل الجمع،ولفظه : أحمى من مجير الظعن وهو ربيعة بن مكدم الكناني،وكان من خبره : أن نبيشة بن حبيب السلمي خرج غازيا فلقي ظعنا من كنانة بالكديد،فأراد أن يحتويها فمانعه ربيعة بن مكدم في فوارس وكان غلاما له ذؤابة فشد عليه نبيشة فطعنه،فأتى ربيعة أمه فعصبته واستسقاها،فقالت : اذهب فقاتل القوم فإن الماء أمامك،فرجع وكر على القوم فكشفهم ورجع إلى الظعن وقال : إني لمائت وسأقف بفرسي على العقبة،وأتكئ على رمحي،فإن فاضت نفسي كان الرمح عمادي،فالنجاء النجاء،فوقف ساعة حتى نزفه الدم،ففاظ أي مات وطال وقوفه فاشتبهوا أمره،فرموا فرسه فقمص وخر ربيعة على وجهه،فطلبوا الظعن فلم يلحقوهن. قال أبو عمرو بن العلاء : ما نعلم قتيلا حمى ظعائن غير ربيعة بن مكدم.))
إلى اللقاء في الحلقة القادمة ... إذا أذن الله.
أبو أِشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني
