مِنْ تَغْريدَات الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ=1
جمعها وحققها
الدكتور محمد جمال صقر
1
قُلْتُ: مَا الْوَرَعُ؟
قَالَ: مُجَانَبَةُ مَا كَرِهَ اللَّهُ، جَلَّ، وَعَزَّ! وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!-: "وَرِّعُوا اللِّصَّ، وَلَا تُرَاعُوْهُ"، يَقُولُ: اطْرُدُوهُ، وَجَنِّبُوهُ رِحَالَكُمْ، وَلَا تَرْصُدُوهُ حَتَّى يَقَعَ!
2
إِذَا عَرَضَ لِلْعَبْدِ أَمْرَانِ وَاجِبَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بَدَأَ بِأَوْجَبِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ دُونَهُ فِي الْوُجُوبِ- أَوْ عَرَضَ لَهُ وَاجِبَانِ لِأَحَدِهِمَا وَقْتٌ يَفُوتُ وَالْآخَرُ لَا يَفُوتُ وَقْتُهُ، بَدَأَ بِمَا يَفُوتُ وَقْتُهُ قَبْلَ الْآخَرِ. فَإِنْ كَانَ فِي فَرْضٍ فَعَرَضَ لَهُ فَرْضٌ دُونَهُ، لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ حَتَّى يُتِمَّهُ- فَإِنْ كَانَ فِي فَرْضٍ فَعَرَضَ لَهُ فَرْضٌ أَوْجَبُ مِنْهُ، قَطَعَ مَا هُوَ فِيهِ وَدَخَلَ فِي أَوْجَبِهِمَا. وَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ نَافِلَةٌ وَهُوَ فِي وَاجِبٍ لَمْ يَقْطَعْهُ مِنْ أَجْلِهَا. وَكَذَلِكَ الْفَضْلُ وَالتَّطَوُّعُ يَبْدَأُ بِالْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ كَمَا كَتَبْتُ لَهُ وَعَلَى قَدْرِ الْأَوْقَاتِ.
3
رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ: حُدِّثْنَا أَنَّ عَامَّةَ دُعَاءِ أَهْلِ النَّارِ، "يَا أُفَّ لِلتَّسْوِيفِ"!
4
قَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّم!- أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- إِذَا رَضِيَ عَنْ عَبْدٍ قَالَ:
يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ، فَائْتِنِي بِرُوحِهِ لِأُرِيحَهُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا؛ حَسْبِي مِنْ عَمَلِهِ، قَدْ بَلَوْتُهُ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ.
فَيَنْزِلُ مَلَكُ الْمَوْتِ مَعَهُ خَمْسُمِئَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُمْ قُضْبَانُ الرَّيْحَانِ وَأُصُولُ الزَّعْفَرَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُبَشِّرُ بِبِشَارَةٍ سِوَى بِشَارَةِ صَاحِبِهِ، وَتَقُومُ الْمَلَائِكَةُ صَفَّيْنِ لِخُرُوجِ رُوحِهِ، مَعَهُمُ الرَّيْحَانُ.
فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ صَرَخَ -قَالَ- فَتَقُولُ لَهُ جُنُودُهُ: مَا لَكَ، يَا سِيِّدَنَا!
فَيَقُولُ: أَمَا تَرَوْنَ مَا أُعْطِيَ هَذَا الْعَبْدُ مِنَ الْكَرَامَةِ! أَيْنَ كُنْتُمْ عَنْ هَذَا؟
قَالُوا: قَدْ جَهِدْنَا، فَكَانَ مَعْصُومًا!
5
قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَي!
6
أَوْقَفَنِي خَوْفِي مِنَ الْمَوْتِ عَلَى الْمَوْتِ!
7
هَاجَرَ رَجُلٌ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قَيْسٍ؛ فَسُمِّيَ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ؛ إِذْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَّا لِتُزَوِّجَهُ نَفْسَها!
8
مِنْهُمْ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يُبَجِّلَهُ الْمُلُوكُ وَالسُّلْطَانُ وَالْقُرَّاءُ عَلَى الدِّينِ وَيَنْفُقَ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْفِرَقِ، فَيُبَالِغُ فِي الثِّيَابِ وَالْحِمَارِ الْفَارِهِ وَالدَّابَّةِ الْفَارِهَةِ، يُرِيدُ حَمْدَهُمْ أَجْمَعِينَ؛ فَيَدْنُو مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى جِهَةِ الدِّينِ، وَيَقْضِي الْحَوَائِجَ لِأَهْلِ الدِّينِ وَيُجَالِسُهُمْ تَصَنُّعًا وَتَزَيُّنًا!
9
قُلْتُ: فَمَا عَلَامَةُ الْمُرَائِي فِي نَفْسِهِ؟
قَالَ: يُحِبُّ الْحَمْدَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَيَكْرَهُ الذَّمَّ؛ فَيَدَعُ الطَّاعَةَ مِنْ أَجْلِ الذَّمِّ، وَإِذَا عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْ عَلِمَ عِلْمًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إِلَّا اللَّهُ، لَمْ تَقْنَعْ نَفْسُهُ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ بِعِلْمِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَنَظَرِهِ وَسَمْعِهِ وَحْدَهُ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ الطَّلَبُ لِعِلْمِ غَيْرِهِ، يَهْتَمُّ لِذَلِكَ! فَإِنْ اطَّلَعُوا عَلَيْهِ ارْتَاحَ قَلْبُهُ لِذَلِكَ، وَسُرَّ بِحَمْدِهِمْ! وَأَخَفُّ النَّاسِ عَلَيْهِ مَنْ حَمِدَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَأَثْقَلُهُمْ مَنْ تَرَكَ حَمْدَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ! وَلَا تَسْخُو نَفْسُهُ بِإِتْيَانِ طَاعِةٍ لِلَّهِ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ؛ فَإِنْ أَرَادَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ ثَقُلّ عَلَيْهَا، وَلَمْ تُطَاوِعْهُ عَلَيْهِ! وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ عَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ فِي أَيَّامِ بَابَكَ وَهُوَ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لِنَفْسِهِ: أَتُحِبِّينَ أَنْ تَقْتُلِي بَابَكَ وَلَا يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ؟ فَأَبَتْ وَقَالَتْ: مِثْلُ بَابَكَ يُقْتَلُ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ!
10
قُلْتُ: وَبِمَاذَا يَكُونُ سُرُورُهُ؟
قَالَ: (...) يُسَرُّ أَيْضًا إِذَا سَتَرَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَلَيْهِ الْقَبِيحَ، وَأَظْهَرَ الْجَمِيلَ- رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى سَتْرِ الْآخِرَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "مَا سَتَرَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ".
11
الْإِيمَانُ قَائِدٌ، وَالْعَمَلُ سَائِقٌ، وَالنَّفْسُ حَرُونٌ؛ فَإِنْ فَتَرَ قَائِدُهَا صَدَفَتْ عَنِ الطَّرِيقِ، وَإِنْ فَتَرَ سَائِقُهَا حَرِنَتْ عَلَى قَائِدِهَا، فَإِذَا اسْتَقَامَ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ مَضَتِ النَّفْسُ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.
12
أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ وَالْأَعْمَشُ أَنْ يَمُرَّا فِي طَرِيقٍ،
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَقُولُونَ أَعْمَشُ وَأَعْوَرُ!
فَقَالَ الْأَعْمَشُ: مَا عَلَيْنَا أَنْ نُؤْجَرَ وَيَأْثَمُونَ!
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَسْلَمَ وَيَسْلَمُونَ!
13
أَمَّا الْغَزْوُ فَذَلِكَ عَمَلٌ ظَاهِرٌ؛ فَالْمُسَارَعَةُ فِيهِ لِلْقُدْوَةِ بِهِ أَفْضَلُ إِذَا قَوِيَ الْعَزْمُ، أَنْ يَشُدَّ الرَّجُلُ قَبْلَ الْقَوْمِ لِيَحُضَّ عَلَى الْقِتَالِ وَيَبْعَثَ مَنْ مَعَهُ عَلَى الشَّدِّ؛ فَذَلِكَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ سِرٍّ إِلَى عَلَانِيَةٍ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ عَلَانِيَةٍ إِلَى عَلَانِيَةٍ.
14
مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ سَأَلْتَهَا لَمْ تُعَنْ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا. وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ سَأَلَنَاهُ.
15
إِنْ تَغَيَّرْتَ عَنِ الْحَالَةِ الْأُولَى تَصَنُّعًا لِاطِّلَاعِهِمْ، فَاسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَاحْذَرْ عَلَى ذَلِكَ مَقْتَهُ وَالْفَضِيحَةَ غَدًا أَنْ يُهْتَكَ سِتْرُكَ عِنْدَ مَنْ يَظُنُّ بِكَ الصِّدْقَ وَالْإِخْلَاصَ!
16
كَانَ مِنْ دُعَاءِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!- "اللَّهُمَّ، أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَحْسُنَ فِي لَامِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَتِي، وَتَقْبُحَ لِكَ فِيمَا أَخْلُو سَرِيرَتِي، وَأُحَافِظَ عَلَى رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي، وَأُضَيِّعَ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي، أُبْدِي لِلنَّاسِ حُسْنَ أَثَرِي، وَأُفْضِي إِلَيْكَ بِأَسْوَأِ عَمَلِي تَقَرُّبًا إِلَى النَّاسِ بِحَسَنَاتِي، وَفِرَارًا مِنْهُمْ إِلَيْكَ بِسَيِّئَاتِي- فَيَحُلَّ بِي مَقْتُكَ، وَيَجِبَ عَلَيَّ غَضَبُكَ! أَعِذْنِي مِنْ ذَلِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ"!
17
رُوِيَ أَنَّ ابْنَ السَّمَّاكِ قَالَ لِجَارِيَةٍ لَهُ: مَا لِي إِذَا أَتَيْتُ بَغْدَادَ تَفَتَّحَتْ لِيَ الْحِكْمَةُ؟ قَالَتْ لَهُ جَارِيَتُهُ: يَشْحَذُ لِسَانَكَ الطَّمَعُ!
وَصَدَقَتْ؛ إِنَّ الْعَبْدَ يُكْثِرُ الْكَلَامَ بِالْخَيْرِ عِنْدَ الْغَنِيِّ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ عِنْدَ الْفَقِيرِ، يَهِيجُهُ الطَّمَعُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ تَعْظِيمُهُ لِلدُّنْيَا- وَكَذَلِكَ يُظْهِرُ الْخُشُوعَ وَغَيْرَهُ مِنَ الطَّاعَاتِ!
18
كَذَلِكَ الْخُرُوجُ فِي الْحَوَائِجِ (...) فَإِنْ كَانَتْ حَاجَةً لِلدُّنْيَا لَا غَنَاءَ بِهِ عَنْهَا مِنَ الْغِذَاءِ لَهُ أَوْ لِعِيَالِهِ، فَهُوَ يَقُومُ هَذَا الْمَقَامَ؛ إِذَا عَلِمَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَذْهَبُ لِتَكَثُّرٍ أَوْ لِرِيَاءٍ أَوْ لِافْتِخَارٍ مَا ذَهَبَ، وَلَآثَرَ التَّرْكَ لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِمَا يُسْخِطُ رَبَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَلَوْلَا طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَالْعُذْرُ فِي عِيَالِهِ وَنَفْسِهِ، مَا ذَهَبَ مُتَوَكِّلًا عَلَى رَبِّه، عَزَّ، وَجَلَّ! إنَّهُ لَا يَخْذُلُهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ لِلَذَّةِ نَفْسِهِ، رَجَوْتُ أَلَّا يَخْذُلَهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بَلْ لَا يَخْذُلُهُ، وَيُعِينُهُ، وَيَعْصِمُهُ.
19
قُلْتُ: إِنَّهُمْ إِخْوَانٌ فِي اللَّهِ، عَزَّ، وَجَلَّ!
قَالَ: هَذَا اسْمٌ قَدْ يَسْتَعِيرُهُ الْكَاذِبُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ حَقِيقَةٍ!
إِنَّ أَدْنَى مَا يَسْتَحِقُّ الْأُخُوَّةَ فِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بَلِ الْمَحَبَّةَ -فَإِنَّهَا دُونَهَا- مَنْ تَسْلَمُ مَعَهُ دُونَ أَنْ تَغْتَمَّ مَعَهُ. وَمَنْ لا تَسْلَمُ مَعَهُ فَهُوَ عَدُوٌّ لَكَ فِي دِينِكَ، وَإِنْ سَمَّيْتَهُ صَدِيقًا وَصَاحِبًا وَأَخًا فِي اللَّهِ، عَزَّ، وَجَلَّ! فَكَيْفَ يَكُونُ صَاحِبًا وَأَخًا فِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَنْ تَتَعَرَّضُ بِمُجَالَسَتِهِ وَمُحَادَثَتِهِ لِغَضَبِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- لِأَنَّكَ لَا تَسْلَمُ مَعَهُ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِمَا يَكْرَهُ اللَّهُ، عَزَّ، وَجَلَّ!
وَقَدْ سَمِعْتَ حَدِيثَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَرَى أَنَّهَا تَبْلُغُ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا بَلَغَتْ؛ فَيَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ"؛ فَمَنْ أَعْدَى لَكَ مِمَّنْ يُعَرِّضُكَ بِمُحَادَثَتِهِ لِأَنْ تَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ يَغْضَبُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَلَيْكَ مِنْهُ!
وَحَدِيثَ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيَضْحَكَ بِهِ الْقَوْمُ! وَيْلٌ لَهُ! وَيْلٌ لَهُ"!
وَحَدِيثَ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فِي الرَّفَاهِيَةِ -قَالَ: يَعْنِي فِي الْمَجْلِسِ- لِيَضْحَكَ بِهِ الْقَوْمُ؛ فَتُرْدِيهِ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"، أَيْ يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ؛ فَمَنْ أَعْدَى لَكَ مِمَّنْ كَانَ سَبَبُ هَذَا مِنْهُ وَبِهِ!
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ لَا يَرْضَى مِنْكَ إِلَّا بِالتَّصَنُّعِ، وَلَا تَمْتَنِعُ نَفْسُكَ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لَا يَرْضَى مِنْكَ إِلَّا بِتَصَنُّعٍ. وَكَذَلِكَ أَنْ تَغْضَبَ لِغَضَبِهِ وَتُصَارِمَ مَنْ صَارَمَ، جَارَ أَوْ عَدَلَ فِي صَرْمِهِ وَغَضَبِهِ. وَهذَا يَكُونُ فِي الْفَرْطِ، وَلَكِنَّ الْمُحَادَثَةَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
فَهَذَا عَدُوٌّ لَكَ لَا أَخٌ لَكَ فِي اللَّهِ، عَزَّ، وَجَلَّ!
أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْحَى إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ!-: يَا مُوسَى، كُنْ يَقْظَانَ مُرْتَادًا لِنَفْسِكَ أَخْدَانًا، فَكُلُّ خِدْنٍ لَا يُواتِيكَ عَلَى مَسَرَّتِي فَلَا تَصْحَبْهُ؛ فَإِنَّهُ لَكَ عَدُوٌّ، وَهُوَ يُقَسِّي عَلَيْكَ قَلْبَكَ"؛ فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ لَكَ عَدُوٌّ، وَإِنْ سَمَّيْتَهُ أَخًا فِي اللَّهِ وَصَاحِبًا، فَوَضَعْتَ عَلَيْهِ اسْمًا لَا يَسْتَحِقُّهُ وَيَسْتَحِقُّ ضِدَّهُ وَهِيَ الْعَدَاوَةُ!
وَكَيْفَ يَكُونُ أَخًا فِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْ صَاحِبًا فِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَنْ يُعْصَى اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- به، وَمِنْ أَجْلِهِ! فَمَنْ أَشَدُّ لَكَ ضَرَرًا فِي دِينِكَ مِمَّنْ كَانَ سَبَبُ مَعْصِيَتِكَ بِهِ!
أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "مَثَلُ صَاحِبِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْكِيرِ -يَعْنِي الْحَدَّادَ- إِنْ لَمْ يَحْرِقْكَ بِشَرَرِهِ يَعْبَقْ بِكَ من رِيحِهِ"! وَكَذَلِكَ هُوَ كَمَا قَالَ، إِنْ لَمْ تَعْصِ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَعَهُ، لَمْ تَعْدَمْ مَعَهُ قَسْوَةَ قَلْبِكَ وَلَهْوَهُ وَاشْتِغَالَهُ.
فَلَيْسَ مَنْ كَانَ لَكَ هَكَذَا بِأَخٍ، وَلَكِنْ هُوَ لَكَ عَدُوٌّ، وَهُوَ أَضَرُّ عَلَيْكَ فِي دِينِكَ مِمَّنْ تُعَادِي.
20
قَالَ الشَّعْبِيُّ: نِصْفُ عَقْلِكَ مَعَ أَخِيكَ.
وَصَدَقَ -رَحِمَهُ اللَّهُ!- لِأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَ عَقْلَكَ بِمَا كُنْتَ عَنْهُ غَافِلًا، كُنْتَ كَأَنَّ عَقْلَكَ كَانَ مَعَهُ فَرَدَّهُ عَلَيْكَ، وَكَأَنَّ عَقْلَكَ كُلَّهُ كَانَ مَعَهُ فَرَدَّهُ عَلَيْكَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، فَأَمَّا في جَمِيعِ أَحْوَالِكُمَا فَكَانَ نِصْفُ عَقْلِكَ مَعَهُ، لِأَنَّكَ تَفْطَنُ لِمَا يَغْفُلُ أَخُوكَ عَنْهُ فَتُنَبِّهُهُ وَتَغْفُلُ أَنْتَ عَنْهُ فَيُنَبِّهُكَ؛ فَأَنْتَ تَعْبُدُ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بِعَقْلَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا، وَتَعْرِفُ عُيُوبَ نَفْسِكَ بِعَقْلِكَ وَعَقْلِ أَخِيكَ!
جمعها وحققها
الدكتور محمد جمال صقر
1
قُلْتُ: مَا الْوَرَعُ؟
قَالَ: مُجَانَبَةُ مَا كَرِهَ اللَّهُ، جَلَّ، وَعَزَّ! وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!-: "وَرِّعُوا اللِّصَّ، وَلَا تُرَاعُوْهُ"، يَقُولُ: اطْرُدُوهُ، وَجَنِّبُوهُ رِحَالَكُمْ، وَلَا تَرْصُدُوهُ حَتَّى يَقَعَ!
2
إِذَا عَرَضَ لِلْعَبْدِ أَمْرَانِ وَاجِبَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بَدَأَ بِأَوْجَبِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ دُونَهُ فِي الْوُجُوبِ- أَوْ عَرَضَ لَهُ وَاجِبَانِ لِأَحَدِهِمَا وَقْتٌ يَفُوتُ وَالْآخَرُ لَا يَفُوتُ وَقْتُهُ، بَدَأَ بِمَا يَفُوتُ وَقْتُهُ قَبْلَ الْآخَرِ. فَإِنْ كَانَ فِي فَرْضٍ فَعَرَضَ لَهُ فَرْضٌ دُونَهُ، لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ حَتَّى يُتِمَّهُ- فَإِنْ كَانَ فِي فَرْضٍ فَعَرَضَ لَهُ فَرْضٌ أَوْجَبُ مِنْهُ، قَطَعَ مَا هُوَ فِيهِ وَدَخَلَ فِي أَوْجَبِهِمَا. وَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ نَافِلَةٌ وَهُوَ فِي وَاجِبٍ لَمْ يَقْطَعْهُ مِنْ أَجْلِهَا. وَكَذَلِكَ الْفَضْلُ وَالتَّطَوُّعُ يَبْدَأُ بِالْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ كَمَا كَتَبْتُ لَهُ وَعَلَى قَدْرِ الْأَوْقَاتِ.
3
رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ: حُدِّثْنَا أَنَّ عَامَّةَ دُعَاءِ أَهْلِ النَّارِ، "يَا أُفَّ لِلتَّسْوِيفِ"!
4
قَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّم!- أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- إِذَا رَضِيَ عَنْ عَبْدٍ قَالَ:
يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ، فَائْتِنِي بِرُوحِهِ لِأُرِيحَهُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا؛ حَسْبِي مِنْ عَمَلِهِ، قَدْ بَلَوْتُهُ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ.
فَيَنْزِلُ مَلَكُ الْمَوْتِ مَعَهُ خَمْسُمِئَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُمْ قُضْبَانُ الرَّيْحَانِ وَأُصُولُ الزَّعْفَرَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُبَشِّرُ بِبِشَارَةٍ سِوَى بِشَارَةِ صَاحِبِهِ، وَتَقُومُ الْمَلَائِكَةُ صَفَّيْنِ لِخُرُوجِ رُوحِهِ، مَعَهُمُ الرَّيْحَانُ.
فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ صَرَخَ -قَالَ- فَتَقُولُ لَهُ جُنُودُهُ: مَا لَكَ، يَا سِيِّدَنَا!
فَيَقُولُ: أَمَا تَرَوْنَ مَا أُعْطِيَ هَذَا الْعَبْدُ مِنَ الْكَرَامَةِ! أَيْنَ كُنْتُمْ عَنْ هَذَا؟
قَالُوا: قَدْ جَهِدْنَا، فَكَانَ مَعْصُومًا!
5
قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَي!
6
أَوْقَفَنِي خَوْفِي مِنَ الْمَوْتِ عَلَى الْمَوْتِ!
7
هَاجَرَ رَجُلٌ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قَيْسٍ؛ فَسُمِّيَ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ؛ إِذْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَّا لِتُزَوِّجَهُ نَفْسَها!
8
مِنْهُمْ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يُبَجِّلَهُ الْمُلُوكُ وَالسُّلْطَانُ وَالْقُرَّاءُ عَلَى الدِّينِ وَيَنْفُقَ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْفِرَقِ، فَيُبَالِغُ فِي الثِّيَابِ وَالْحِمَارِ الْفَارِهِ وَالدَّابَّةِ الْفَارِهَةِ، يُرِيدُ حَمْدَهُمْ أَجْمَعِينَ؛ فَيَدْنُو مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى جِهَةِ الدِّينِ، وَيَقْضِي الْحَوَائِجَ لِأَهْلِ الدِّينِ وَيُجَالِسُهُمْ تَصَنُّعًا وَتَزَيُّنًا!
9
قُلْتُ: فَمَا عَلَامَةُ الْمُرَائِي فِي نَفْسِهِ؟
قَالَ: يُحِبُّ الْحَمْدَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَيَكْرَهُ الذَّمَّ؛ فَيَدَعُ الطَّاعَةَ مِنْ أَجْلِ الذَّمِّ، وَإِذَا عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْ عَلِمَ عِلْمًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إِلَّا اللَّهُ، لَمْ تَقْنَعْ نَفْسُهُ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ بِعِلْمِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَنَظَرِهِ وَسَمْعِهِ وَحْدَهُ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ الطَّلَبُ لِعِلْمِ غَيْرِهِ، يَهْتَمُّ لِذَلِكَ! فَإِنْ اطَّلَعُوا عَلَيْهِ ارْتَاحَ قَلْبُهُ لِذَلِكَ، وَسُرَّ بِحَمْدِهِمْ! وَأَخَفُّ النَّاسِ عَلَيْهِ مَنْ حَمِدَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَأَثْقَلُهُمْ مَنْ تَرَكَ حَمْدَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ! وَلَا تَسْخُو نَفْسُهُ بِإِتْيَانِ طَاعِةٍ لِلَّهِ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ؛ فَإِنْ أَرَادَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ ثَقُلّ عَلَيْهَا، وَلَمْ تُطَاوِعْهُ عَلَيْهِ! وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ عَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ فِي أَيَّامِ بَابَكَ وَهُوَ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لِنَفْسِهِ: أَتُحِبِّينَ أَنْ تَقْتُلِي بَابَكَ وَلَا يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ؟ فَأَبَتْ وَقَالَتْ: مِثْلُ بَابَكَ يُقْتَلُ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ!
10
قُلْتُ: وَبِمَاذَا يَكُونُ سُرُورُهُ؟
قَالَ: (...) يُسَرُّ أَيْضًا إِذَا سَتَرَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَلَيْهِ الْقَبِيحَ، وَأَظْهَرَ الْجَمِيلَ- رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى سَتْرِ الْآخِرَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "مَا سَتَرَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ".
11
الْإِيمَانُ قَائِدٌ، وَالْعَمَلُ سَائِقٌ، وَالنَّفْسُ حَرُونٌ؛ فَإِنْ فَتَرَ قَائِدُهَا صَدَفَتْ عَنِ الطَّرِيقِ، وَإِنْ فَتَرَ سَائِقُهَا حَرِنَتْ عَلَى قَائِدِهَا، فَإِذَا اسْتَقَامَ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ مَضَتِ النَّفْسُ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.
12
أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ وَالْأَعْمَشُ أَنْ يَمُرَّا فِي طَرِيقٍ،
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَقُولُونَ أَعْمَشُ وَأَعْوَرُ!
فَقَالَ الْأَعْمَشُ: مَا عَلَيْنَا أَنْ نُؤْجَرَ وَيَأْثَمُونَ!
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَسْلَمَ وَيَسْلَمُونَ!
13
أَمَّا الْغَزْوُ فَذَلِكَ عَمَلٌ ظَاهِرٌ؛ فَالْمُسَارَعَةُ فِيهِ لِلْقُدْوَةِ بِهِ أَفْضَلُ إِذَا قَوِيَ الْعَزْمُ، أَنْ يَشُدَّ الرَّجُلُ قَبْلَ الْقَوْمِ لِيَحُضَّ عَلَى الْقِتَالِ وَيَبْعَثَ مَنْ مَعَهُ عَلَى الشَّدِّ؛ فَذَلِكَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ سِرٍّ إِلَى عَلَانِيَةٍ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ عَلَانِيَةٍ إِلَى عَلَانِيَةٍ.
14
مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ سَأَلْتَهَا لَمْ تُعَنْ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا. وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ سَأَلَنَاهُ.
15
إِنْ تَغَيَّرْتَ عَنِ الْحَالَةِ الْأُولَى تَصَنُّعًا لِاطِّلَاعِهِمْ، فَاسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَاحْذَرْ عَلَى ذَلِكَ مَقْتَهُ وَالْفَضِيحَةَ غَدًا أَنْ يُهْتَكَ سِتْرُكَ عِنْدَ مَنْ يَظُنُّ بِكَ الصِّدْقَ وَالْإِخْلَاصَ!
16
كَانَ مِنْ دُعَاءِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!- "اللَّهُمَّ، أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَحْسُنَ فِي لَامِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَتِي، وَتَقْبُحَ لِكَ فِيمَا أَخْلُو سَرِيرَتِي، وَأُحَافِظَ عَلَى رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي، وَأُضَيِّعَ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي، أُبْدِي لِلنَّاسِ حُسْنَ أَثَرِي، وَأُفْضِي إِلَيْكَ بِأَسْوَأِ عَمَلِي تَقَرُّبًا إِلَى النَّاسِ بِحَسَنَاتِي، وَفِرَارًا مِنْهُمْ إِلَيْكَ بِسَيِّئَاتِي- فَيَحُلَّ بِي مَقْتُكَ، وَيَجِبَ عَلَيَّ غَضَبُكَ! أَعِذْنِي مِنْ ذَلِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ"!
17
رُوِيَ أَنَّ ابْنَ السَّمَّاكِ قَالَ لِجَارِيَةٍ لَهُ: مَا لِي إِذَا أَتَيْتُ بَغْدَادَ تَفَتَّحَتْ لِيَ الْحِكْمَةُ؟ قَالَتْ لَهُ جَارِيَتُهُ: يَشْحَذُ لِسَانَكَ الطَّمَعُ!
وَصَدَقَتْ؛ إِنَّ الْعَبْدَ يُكْثِرُ الْكَلَامَ بِالْخَيْرِ عِنْدَ الْغَنِيِّ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ عِنْدَ الْفَقِيرِ، يَهِيجُهُ الطَّمَعُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ تَعْظِيمُهُ لِلدُّنْيَا- وَكَذَلِكَ يُظْهِرُ الْخُشُوعَ وَغَيْرَهُ مِنَ الطَّاعَاتِ!
18
كَذَلِكَ الْخُرُوجُ فِي الْحَوَائِجِ (...) فَإِنْ كَانَتْ حَاجَةً لِلدُّنْيَا لَا غَنَاءَ بِهِ عَنْهَا مِنَ الْغِذَاءِ لَهُ أَوْ لِعِيَالِهِ، فَهُوَ يَقُومُ هَذَا الْمَقَامَ؛ إِذَا عَلِمَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَذْهَبُ لِتَكَثُّرٍ أَوْ لِرِيَاءٍ أَوْ لِافْتِخَارٍ مَا ذَهَبَ، وَلَآثَرَ التَّرْكَ لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِمَا يُسْخِطُ رَبَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَلَوْلَا طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَالْعُذْرُ فِي عِيَالِهِ وَنَفْسِهِ، مَا ذَهَبَ مُتَوَكِّلًا عَلَى رَبِّه، عَزَّ، وَجَلَّ! إنَّهُ لَا يَخْذُلُهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ لِلَذَّةِ نَفْسِهِ، رَجَوْتُ أَلَّا يَخْذُلَهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بَلْ لَا يَخْذُلُهُ، وَيُعِينُهُ، وَيَعْصِمُهُ.
19
قُلْتُ: إِنَّهُمْ إِخْوَانٌ فِي اللَّهِ، عَزَّ، وَجَلَّ!
قَالَ: هَذَا اسْمٌ قَدْ يَسْتَعِيرُهُ الْكَاذِبُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ حَقِيقَةٍ!
إِنَّ أَدْنَى مَا يَسْتَحِقُّ الْأُخُوَّةَ فِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بَلِ الْمَحَبَّةَ -فَإِنَّهَا دُونَهَا- مَنْ تَسْلَمُ مَعَهُ دُونَ أَنْ تَغْتَمَّ مَعَهُ. وَمَنْ لا تَسْلَمُ مَعَهُ فَهُوَ عَدُوٌّ لَكَ فِي دِينِكَ، وَإِنْ سَمَّيْتَهُ صَدِيقًا وَصَاحِبًا وَأَخًا فِي اللَّهِ، عَزَّ، وَجَلَّ! فَكَيْفَ يَكُونُ صَاحِبًا وَأَخًا فِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَنْ تَتَعَرَّضُ بِمُجَالَسَتِهِ وَمُحَادَثَتِهِ لِغَضَبِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- لِأَنَّكَ لَا تَسْلَمُ مَعَهُ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِمَا يَكْرَهُ اللَّهُ، عَزَّ، وَجَلَّ!
وَقَدْ سَمِعْتَ حَدِيثَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَرَى أَنَّهَا تَبْلُغُ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا بَلَغَتْ؛ فَيَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ"؛ فَمَنْ أَعْدَى لَكَ مِمَّنْ يُعَرِّضُكَ بِمُحَادَثَتِهِ لِأَنْ تَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ يَغْضَبُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَلَيْكَ مِنْهُ!
وَحَدِيثَ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيَضْحَكَ بِهِ الْقَوْمُ! وَيْلٌ لَهُ! وَيْلٌ لَهُ"!
وَحَدِيثَ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فِي الرَّفَاهِيَةِ -قَالَ: يَعْنِي فِي الْمَجْلِسِ- لِيَضْحَكَ بِهِ الْقَوْمُ؛ فَتُرْدِيهِ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"، أَيْ يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ؛ فَمَنْ أَعْدَى لَكَ مِمَّنْ كَانَ سَبَبُ هَذَا مِنْهُ وَبِهِ!
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ لَا يَرْضَى مِنْكَ إِلَّا بِالتَّصَنُّعِ، وَلَا تَمْتَنِعُ نَفْسُكَ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لَا يَرْضَى مِنْكَ إِلَّا بِتَصَنُّعٍ. وَكَذَلِكَ أَنْ تَغْضَبَ لِغَضَبِهِ وَتُصَارِمَ مَنْ صَارَمَ، جَارَ أَوْ عَدَلَ فِي صَرْمِهِ وَغَضَبِهِ. وَهذَا يَكُونُ فِي الْفَرْطِ، وَلَكِنَّ الْمُحَادَثَةَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
فَهَذَا عَدُوٌّ لَكَ لَا أَخٌ لَكَ فِي اللَّهِ، عَزَّ، وَجَلَّ!
أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْحَى إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ!-: يَا مُوسَى، كُنْ يَقْظَانَ مُرْتَادًا لِنَفْسِكَ أَخْدَانًا، فَكُلُّ خِدْنٍ لَا يُواتِيكَ عَلَى مَسَرَّتِي فَلَا تَصْحَبْهُ؛ فَإِنَّهُ لَكَ عَدُوٌّ، وَهُوَ يُقَسِّي عَلَيْكَ قَلْبَكَ"؛ فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ لَكَ عَدُوٌّ، وَإِنْ سَمَّيْتَهُ أَخًا فِي اللَّهِ وَصَاحِبًا، فَوَضَعْتَ عَلَيْهِ اسْمًا لَا يَسْتَحِقُّهُ وَيَسْتَحِقُّ ضِدَّهُ وَهِيَ الْعَدَاوَةُ!
وَكَيْفَ يَكُونُ أَخًا فِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْ صَاحِبًا فِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَنْ يُعْصَى اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- به، وَمِنْ أَجْلِهِ! فَمَنْ أَشَدُّ لَكَ ضَرَرًا فِي دِينِكَ مِمَّنْ كَانَ سَبَبُ مَعْصِيَتِكَ بِهِ!
أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "مَثَلُ صَاحِبِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْكِيرِ -يَعْنِي الْحَدَّادَ- إِنْ لَمْ يَحْرِقْكَ بِشَرَرِهِ يَعْبَقْ بِكَ من رِيحِهِ"! وَكَذَلِكَ هُوَ كَمَا قَالَ، إِنْ لَمْ تَعْصِ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَعَهُ، لَمْ تَعْدَمْ مَعَهُ قَسْوَةَ قَلْبِكَ وَلَهْوَهُ وَاشْتِغَالَهُ.
فَلَيْسَ مَنْ كَانَ لَكَ هَكَذَا بِأَخٍ، وَلَكِنْ هُوَ لَكَ عَدُوٌّ، وَهُوَ أَضَرُّ عَلَيْكَ فِي دِينِكَ مِمَّنْ تُعَادِي.
20
قَالَ الشَّعْبِيُّ: نِصْفُ عَقْلِكَ مَعَ أَخِيكَ.
وَصَدَقَ -رَحِمَهُ اللَّهُ!- لِأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَ عَقْلَكَ بِمَا كُنْتَ عَنْهُ غَافِلًا، كُنْتَ كَأَنَّ عَقْلَكَ كَانَ مَعَهُ فَرَدَّهُ عَلَيْكَ، وَكَأَنَّ عَقْلَكَ كُلَّهُ كَانَ مَعَهُ فَرَدَّهُ عَلَيْكَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، فَأَمَّا في جَمِيعِ أَحْوَالِكُمَا فَكَانَ نِصْفُ عَقْلِكَ مَعَهُ، لِأَنَّكَ تَفْطَنُ لِمَا يَغْفُلُ أَخُوكَ عَنْهُ فَتُنَبِّهُهُ وَتَغْفُلُ أَنْتَ عَنْهُ فَيُنَبِّهُكَ؛ فَأَنْتَ تَعْبُدُ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بِعَقْلَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا، وَتَعْرِفُ عُيُوبَ نَفْسِكَ بِعَقْلِكَ وَعَقْلِ أَخِيكَ!
