شيء من اللغة: الصيام
د. هادي حسن حمودي
د. هادي حسن حمودي
ذاك هو الصَّوم، تكليف بالامتناع عن سلوك محدد لفترة قصيرة محددة، وجيء بلفظ الصوم لبيان شدة معاناة السيدة مريم وعجزها عن إقناع القوم بنقائها، ثم إثبات ذلك عن طريق ابنها المسيح.
أما الصِّيام فأوسع دلالة من الصَّوم، وله قواعد وشروط محددة. فتركيب كلمة الصوم فيه انغلاق صوتي واضح، ومبالغة يؤديها (الواو) مما تحدثنا عنه في حلقة سابقة. أما لفظ الصيام فأكثر انفتاحا صوتيا يتوشج مع انفتاح دلاليّ، يحقق ذلك مجيء الياء والألف. ويمكن الرجوع إلى مقدمة كتاب العين لمعرفة طبيعتهما.
ومن الواضح أنّ النّاس، كانوا وما زالوا، يخلطون بين مفهومَي الصَّوم والصِّيام، ولكن كلاّ منهما يختلف عن الآخر اختلافا بيّنا، بحسب لغة التّنزيل العزيز نفسه، ولا أظن أحدا يستطيع أن يفسر آية الصوم (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) بـ(.... فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ // صِيامًا // فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا). وعلى الرغم من استحالة ذلك خلط الناس بين المصطلحين، فوضعوا الصوم مكان الصيام، بل انّ من اللغويين القدماء من جعل هذا بمعنَى ذاك، وذاك بمعنَى هذا. وتابعهم مَنْ جاء بعدهم. ونرى أنّه نتيجة لذلك، وقع في بعض رواية الحديث النّبويّ شيء منه، خاصة ما روي منه بالمعنى لا باللفظ.
ومن البديهي أنك حين تقول: صوم رمضان، سنفهم عنك ما تقول. ولكن المستوى الأعلى من الفصاحة أن تقول: صيام رمضان. وتلك هي لغة التنزيل العزيز.
ومن جهة أخرى ثمة من يرى أن الصّيام يقتصر على الامتناع عن المفطّرات نهارا. ولكني لا أستطيع الاقتناع أن الصيام يقتصر على ذلك. بمعنى أن (صائما) ممتنعا عن المفطرات جميعا، ولكنه لا يتردد عن العدوان على هذا وتسقيط ذاك وأكل أموال الناس بالباطل.. إلى آخر ما يندرج تحت مصطلح الشر والمنكر، ثم نعده صائما يتقبل الله صيامه (!!).
وحسب الذي أستشفه من آيات العبادات في القرآن الكريم، أن أهدافها رفض الشر كله، والأخذ بالخير كلّه وفي الصيام يضاف إليها تجنّب المفطرات المحددة في نهاراته. وأما في ليالي رمضان فقد أبيح لك ما منع عنك في نهاراته، ولكن تلك الليالي هي امتداد للنهارات، فليس من المعقول أن تصوم نهارا، وحين يأتي الليل لا تتوانى عن ارتكاب الجرائم والعدوان مثلا.
وإذا كان من المفروض على المرء أن يتمسّك بصفات الخير والمعروف في جميع أشهر السّنة، فهو صائم عن الشّرّ حقّاً وحقيقة. فاذا توشّج ذلك مع الإمساك عن الطعام والشّراب وسائر ما مُنِعَه الإنسان في أيّام رمضان نهارا وليلا، تحقّق الصيام كاملا. ولكنّ الإمساك عن المفطّرات وحدها لا يكفي ليُضفي على لفظة الإمساك معنَى لفظة الصيام. فغاية الصيام التقوى (يا أيّها الذين آمنوا كُتبَ عليكمُ الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون) فأيّ تقوى إذا كان المرء يجوع ويعطش نهارا ويرتكب الجرائم ليلا، بل أي تقوى إذا ارتكبها نهارا أيضا؟!
ولله عاقبة الأمور.
المصدر
