شيء من اللغة: جاء في القرآن الكريم (صوم) و(صيام) فهل من فرق بينهما؟
د. هادي حسن حمودي
د. هادي حسن حمودي
جاء في القرآن الكريم (صوم) و(صيام) فهل من فرق بينهما؟
#قرآن_لغة_صوم_صيام
بالتأكيد، وإلا لما اختلف اللفظان. ففي اللغة العربية جذر لغوي هو (ص. و. م) الدالّ على الشدّة ولذلك أطلق على استواء الشّمس عند انتصاف النّهار، فيُحْدِث استواؤها من الحرارة ما يجعل الطّبيعة، بما فيها الإنسان، راكدة خاثرة، ومن معانِي الصَّوم أيضا، ركود الرّيح في القيظ. ومنه: الصوم والصيام.
نبدأ بالصوم: ورد في التنزيل العزيز في آية واحدة، من قصة مريم: (فكُلِي واشربي وقَرّي عينا فإمّا تَرَيِنَّ من البشَر أحدا فقولي إنِي نَذَرْتُ للرَّحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا). ونظرا لذكر الأكل والشرب فنستبعد التفسير القائل بأنها كانت صائمة عن الطعام والشراب والكلام.
أما قول من قال إن الصوم، هنا، معناه قول الحق، فقد أساء إلى مريم نفسها. إذ كيف يمكن أن تكون قد نذرت أنها لا تقول الحق، فلذلك لا تكلمهم؟ هل أدرك القائل بهذا التفسير ما معناه؟
وأما أقوال من زعموا أن أصله (نذرت للرحمن صمتا) و(إنها كانت تُقرأ صمتا في الحرف الأول) و(نذرت للرحمن صوما وصمتا) كما جاء في عدد من تفاسير القدماء، فلا ضرورة لمناقشتها لأن لا دليل على صوابها. ويبدو أن قائليها أرادوا تصحيح ما تصوروه خطأ، فجانبهم الصواب من أكثر من ناحية:
الناحية الأولى: بالرغم من أن النص القرآني ثابت لا مجال لتغييره، فلن أعتبر هذا سببا لتخطئة من قال (نذرت للرحمن صمتا) لأنك قد تجابهني بقراءات غيرت من ألفاظ القرآن ما غيرت. لذا سأقول لك إن الخطأ يتأتى من أن الصمت ليس نذرا. فالنذور محددة معروفة. والجذر (ن ذ ر) له حقله الدلالي، لغة وشرعا، وسبق أن تحدثنا عنه في حلقة من هذه السلسلة. فليس لك أن تقول نذرت للرحمن أن أصرخ أو أن أضحك وما أشبه ذلك. لكن لك أن تقول نذرت صوما أو صياما أو تبرعا بمال.. إلخ. وقد أُمرت مريم أن تعلن صومها عن مجادلتهم.
الثانية: إن الصمت ليس كالصوم. الصمت لا شدة فيه. فهو انقطاع عن الكلام فحسب. وها نحن الآن حين يضجر أحدنا من جدال مع صاحب له، يقول: سأسكت عن جوابك، ولا أجادلك. ولم تكن هذه حالة مريم إذ كان عليها أن تبين براءتها أمامهم. فكان لفظ الصوم الدالّ على الشّدّة تعبيرا عن معاناتها الشديدة التي تتوضح في قولها: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا). هذا على الرغم من ثقتها بنقائها فكيف، مع هذه الحالة المعقدة والمعاناة الشديدة تقول إنها نذرت الصمت؟ فهل سيتقبلون صمتها؟ لكنها إن أخبرتهم أنها نذرت الصوم، فسيضطرون إلى انتظار انتهاء صومها أو من يجيب أسئلتهم.
هذه النقاط كانت ردا مختصرا على أقوال تصور قائلوها أن في النص خطأ عليهم تعديله.
ولكن لا خطأ في الآية، لا من حيث اللفظ ولا من حيث الدلالة. كيف؟
مما لا شك فيه أنها لم تكن تستطيع الدفاع عن نفسها. وأي برهان على صدقها تقدمه لهم؟ لا شيء. فلم يبق أمامها إلا أن تعلن صومها ثم تشير إلى وليدها فيخاطبهم. بمعنى أنها لن تجادلهم ويكفي ما سيقوله وليدها لهم.
هذه الحالة المعبر عنها بهذه الكلمات الكثيرة أوجزها القرآن الكريم بعبارة بليغة أدت المراد تماما. فلا خطأ فيها من حيث الجمع بين ما قالته ونذرها للصوم عن الكلام، بمعنى الصوم عن مجادلتهم وعن بيان براءتها مما قد يرموها به. وها نحن الآن وعلى أبواب رمضان نجد مدونين ينسحبون من صفحات التواجه معللين انسحابهم بقولهم إنهم يفعلون ذلك مظنة أن يصدر منهم تعليق يسبب إساءة لآخر. علما أن حديثهم عن صيام رمضان لا عن الصوم، وعن احتمال صدور قول قد يسيء لآخر، وهو مجرد احتمال يمكن توقيه، لا عن اتهام يسلطه قومها عليها إن لم تثبت لهم براءتها؟ فكان هذا طريقا لإثبات براءتها بمعجزة من وليدها.
المصدر
