من أخطاء العصر في الكتابَة والكلام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    من أخطاء العصر في الكتابَة والكلام

    من أخطاء العصر في الكتابَة والكلام










    د. عبدالرحمن بودرع






    الذي يُجادلُ في جَدْوى عُلوم الآلَة وقيمَتها في الرفعِ من شأن البُحوث العلميّة، ويَتَّهِمُها بالسطحيّةِ والشّكليّةِ والظّاهريّةِ، إنّما يُجادلُ في عَقيمٍ سَقيمٍ، ويُدافعُ عَن “السّكونيّة” ويَلوذُ بحالِ الهُزالِ ويَستمرئُ البَقاءَ في العُقرِ



    من غَرائب أخطاء الكَتَبَة المعاصرينَ اليومَ : لماذا لا نحتذي الأممَ الأخرى…

    ولكن لا يَلتفتون إلى مَعْنى الاحتذاء بالمُعْجَمَة؛ فالاحتذاءُ الانتعالُ، فكيفَ ننتعلُ الأممَ ؟ ومَعْنى الفعلِ احْتَذى يَحْتَذِي انْتَعلَ يَنتعلُ، أي اتَّخذَ نِعالاً، والفعل يُستعملُ لازماً ومتعدياً، ومنه حديثُ أَبي هريرة رضي الله عنه يَصفُ جَعْفَرَ بْنَ أَبي طالب رَضي الله عنهما: « خَيْرُ من احْتَذَى النِّعالَ » . أمّأ احتذاءُ الأمم فهو اتخاذُها نِعالاً أو مَطايا، وهذا مَعْنى لا يقصدُه المتكلمُ اليومَ لأنّه يُريد مَعْنى الاقتداء الاقتفاءِ والاتباع والسير خَلْفَ المَتْبوعِ، فإنْ قالَ: “حَذا حَذْوَ الأمم” جازَله ذلكَ، أي تَبعَها ووَضَعَ نَعلَه مَكانَ نَعلها في الاقتفاء والاقتداء. أمّا المَعْنى الآخَر وهو احتذاءُ الأمم فَلا يَعني إلاّ الركوبَ والاستغلالَ والامتطاء. ولا يَنتعلُ الأممَ إلا مُستعمرٌ متكبِّرٌ مُسْتَعْلٍ.

    المُشكلةُ الكبرى عند كثير من المُثقفينَ أنَّك عندَما تُنبّه على بعضِ الفَوات وتَستدركُ ما تَراكم من أخطاء وتنبّه على المَزالق التي زلّت فيها أقدامُ الكَتَبَة جهلاً منهم بأفانين اللغة ومناهجها وأساليبها؛ فإنهم يُعاتبونَك ويَزعمون أنّ اللغة لا ساحل لَها وأنها لا يُحيط بها إلا نبيّ ولا يَستقصيها بَشَرٌ سويّ، وأنها كائنٌ حيّ يتطوّرُ … فإنّ الردودَ التي تتلقاها منهم أقربُ إلى الجَدَل والمُناقَشاتِ الفكريّةِ الجانبيّةِ التي تَفقدُ جَدواها وجِذْوَتَها كلّما ابتعَدَت عن عَيْن المُشكلاتِ اللغويّة التي وَقَعَ فيها الكَتَبَةُ، فالمزالقُ اللغويةُ بكل اختصار، لا تَحتاج إلى فلسَفَةٍ وتَدويلٍ فكريّ وتَدويرٍ تَداوليّ، ولكنّها تحتاجُ إلى البحث عن البَدَل الصحيح والاستغناء عن الأساليبِ المُصطنَعَة. والبَدَلُ الصحيحُ كامنٌ في المصادر والشواهد ورصيد الأمة من المعرفَة ولكنّ العبرَة في مَن سَيَبْحَثُ عَنها، والعبرة في الهمم، فالعربيّةُ لا يَكفي أن يُقالَ فيها عندَما يُخْرَجُ عن جادّة القياس إنها تتطورُ فهي أضخَم من مجرّد هذا القَولِ لأنها لَم تُسْتَوْعَبْ بعدُ حَتى يُعلَّلَ الخُروجُ عنها والقُصورُ عن الالتزامِ بها بالتطور…



    كلُّ كلمةٍ عربيةٍ تُعدُّ في ذاتها ذاكرةً دلاليةً، تنطوي في جَوفها على مَعانٍ ودلالاتٍ وشواهدَ…ولَو أحصيتَ عددَ ما استعملَها المتكلمونَ والكتّابُ والشعراءُ ، منذُ أن وُلدَت إلى ما اأفْضَتْ لَمَا انتهيْتَ إلى حقيقَة العَددِ.
    وكلَّما مَرّ عليها حينٌ من الدّهر تعرَّضَ مَعناها لبعض التغيُّر بالمَجاز أو تَناسي الأصل أو النقل، الذي يطرأ جرّاءَ المناسباتِ والأحوال والظّروف الطّارئَةِ. فَيَعْرِضُ لها من النوازل الدلالية بقدرِ المناسَبات والأقضيةِ الاجتماعية والفكرية والتداولية التي استُعمِلَت فيها.



    فُلانٌ لا خَلاقَ لَه:

    يُطلقُ هذا التعبيرُ اليومَ ويُرادُ به الخُلُقُ، أي فلانُ لا خُلُقَ لَه؛ والحقيقةُ أنّه لا عَلاقَةَ تجمعُ بين الخَلاق والخُلُق إلاّ الجذر المعجميّ، أمّا الدلالَتان فمُتباعدَتان؛ فالخُلُقُ هيئةُ الإِنسانِ الباطنةُ وهي نفْسه وأَوصافها ومعانيها المختصةُ بِها… أمّا الخَلاقُ فهو الحَظُّ والنصيبُ من الدّين



    فُلانٌ خَلوقٌ وفُلانَة خَلوقَةٌ

    لا علاقةَ للخَلوقِ بالخُلُق، كَما يُزعَمُ اليومَ؛ فالخَلُوقُ اسمٌ وليسَ صفةً، وهو ضَربٌ من الطيِّب أو الزَّعْفَران، قال الشاعرُ:

    قد عَلِمَتْ إنْ لم أَجِدْ مُعِينا *** لتَخْلِطَنَّ بالخَلُوقِ طِينَا

    يَعني الشاعرُ أنّ زَوجتَه قَد علمَت إنْ لم يَجدْ هو مَن يُعينُه على سَقْيِ الإبل أنها ستقومُ فتستقي مَعَه، فإذا استَقَتْ مَعَه وَقَعَ الطينُ على خَلُوق يَدَيْها. فاكتَفَى الشاعرُ بذِكرِ المُسبَّب الذي هو اختلاط الطّين بالخَلوق عن السَّبب الذي هو الاستقاء معه.

    فإذا قُلتَ: هذا طالبٌ خَلوقٌ فلا مَعنى له، وكأنك أخبرتَ عن الطالب بأنه طِيبٌ أي عِطرٌ أو زَعفَرانٌ. فإذا قُلتَ دَع المَعْنى كذلك، ولنفترضْ أنّه مُرادٌ على هذا النّحو، على الكنايَة، قُلنا: إنّك لمّا أطلقتَ هذا التعبيرَ لم تُطلقْه على إرادَة إخراج الطِّيب من مَعْنى المَشموم إلى معنى الخُلُق القَويم.



    رأي في كلمة شائعَة

    عندما تسمَعُ أحداً يقولُ: سأكونُ متواجدا في الموعد، أو سنكون متواجدينَ في القاعَة، وهذه السلعة متواجدة بكثرة في السوق، وهذا العنصر متواجد في الطبيعَة، فإنّ هذا من الأساليب الغريبَة التي طَغى استعماله؛ لأنّ التواجُدَ لا يوجَدُ أصلاً في لغة العرب، فلا مَعنى فيها لوَجْدٍ ولا وُجود ولا وجْدان، فمن أي طينة جاءَت؟

    وما مَنَعَه أن يقولَ بإيجاز: سأكون في الموعد، أو سنحضر الحفل أو سنكون في القاعَة ؟
    أعلم أن هذا الاعتراضَ يُزعج مُستعملي التواجُد فيعترضون بشدة، ويَشرَعون في البحث عن المسوِّغات لتجويز ما لا يوجَد والبحث له عن علل ومحسِّنات

    نعم سيعترض مُعترِض ويقول: أجازَه معجم المعاني الإلكتروني:

    تواجدَ يتواجد ، تواجُدًا ، فهو مُتواجِد

    تَوَاجَدَ فلانٌ : أَرى من نفسه الوَجْدَ

    تَوَاجَدَ الجماعةُ : اجتمع بعضها إلى بعض

    تواجَد الأصدقاءُ : وُجدوا مع بعضِهم

    والجواب أن مثل هذه المَعاجم ليسَت لغويةً بل هي معاجم سيّارَةٌ غيرُ موثقة وليسَت مما يُعتَمَد عليه في معرفة دلالات الكلمات المعجمية ولا معرفة صيغها الصرفية، ولا تُعدُّ صورةً من صور تطوُّر العربية كَما يُزعَم.



    الارْتِقاءُ والرُّقِيّ

    اِرْتَقى يَرتَقي ارتقاءً: أَصْعَدَ يُصْعِدُ إِصْعاداً فهو مُرْتَقٍ أي مُصْعِدٌ. وارْتَقَى السُّلَّمَ صَعدَه وعَرَجَ فيه، وارْتَقَى في النخلَة: تقمَّمَها أي بلغَ قمَّتَها. ولعلَّ في فعل “ارْتَقَى” مَعْنى الاتّخاذ والجَعْل: ارتَقَى جَعَلَ لنفسِه رُقيّاً أو اتَّخَذَ لنفسِه مَرْقىً.

    ويُقالُ اليومَ : الارْتقاءُ باللغة العربية للبُلوغ بها إلى مَصافِّ اللغات العالَميّة، والأَوْلى : رُقِيُّ اللغة العربية بخدمَتها، أو تَرْقِيَةُ العربية أو رَفْعُها إلى مَصافِّ اللغات. والسَّببُ في التفاضُل بين العبارات أنّ الارتقاءَ باللغة فيه مَعنى الاتخاذ والجَعْل والتَّوسُّل؛ أي اتخاذ اللغة مَرْقاةً وسُلَّماً لبُلوغِ المَراقي، وفيه مَعْنى ارتقاء الذّاتِ مَع اتخاذِ اللغةِ العربيةِ واسطةً لذلك؛ فالبؤرَةُ مُتجهةٌ إلى الذّاتِ فهي المَعنيّةُ بالترقية، أمّا اللغة فهي الوسيلَةُ إلى ذلك، وهذا نَقيضُ القصد الذي أُطلِقَت من أجله العبارَةُ المُعاصرةُ، وفيه التفاتٌ من اللغة التي هي المُرادُ إلى الذّاتِ التي ليسَت بمُرادٍ.





    المصدر

يعمل...