الجملة بين التمدد والانكماش وسقوط مصطلح نحو النص
أ.د. مفرح سعفان
من أهم ما تتميز به الجملة في النحو العربي أنها كائن مرن ،
يتمتع بالمرونة المطلقة. فهي تقبل الانكماش ، كما تقبل التمدد .
وهي في هذا وذاك ليس لها حد أقصى ، وليس لها نهاية ، بل تنطلق انطلاقا لانهائيا لاحد له.
فمن حيث الانكماش نجد الجملة - في كثير من الأحيان- يمكن أن تقع موقع الاسم المفرد ، مثلما نلاحظ في جميع الجمل التي يكون لها محل من الإعراب، مثل جملة الخبر ، وجملة النعت ، وجملة الحال ، والواقعة مفعولا به ، والواقعة مضافا إليه ، وغيرها ؛ لأنه من
الثابت في علم النحو أن الجملة
لا يكون لها محل من الإعراب
إلا إذا أمكن أن تقع موقع الاسم
المفرد ، أو تحل محله .
وفي أحيان أخرى نجد الجملة
- في النحو العربي - قد تقع موقع الجزء من الاسم المفرد،
مثلما نلاحظ في حالة جملة الصلة ؛ لأنه من المعلوم أن
الاسم الموصول وجملة الصلة
كليهما يقومان مقام الاسم المفرد ، ومن ثم كانت جملة
الصلة وحدها تقوم مقام جزء من اسم ، ولذلك لم يكن لها
محل من الإعراب ، لأن الجزء
من الاسم ليس له إعراب.
وقد يمتد الانكماش إلى أكثر من ذلك فيقع ماهو أكبر من الكل موقع ماهو أصغر من الجزء ، وذلك في حالة وقوع
أسلوب الشرط صلة لموصول.
كما في مثل قوله سبحانه :
" الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة " .
فهنا قد وقع ما هو أكبر من الجملة ( وهو أداة الشرط
وجملة الشرط وجملة جواب الشرط ) موقع جملة الصلة ، التي تقوم - في النحو أصلا - مقام جزء من اسم .
هذا ومن حيث التمدد ، فقد تتمدد الجملة عن طريق قابلية بعض العناصر النحوية للتعدد تعددا لانهائيا ، كما نلاحظ في تعدد الخبر ، وتعدد النعت ،
وتعدد الحال .
فمن تعدد الخبر - على سبيل المثال - قوله تعالى :
" وهو الغفور الودود . ذو العرش المجيد . فعال لما يريد "
فهنا خمسة أخبار للمبتدأ (هو).
ومن تعدد جملة الخبر قوله تعالى: " الرحمن . علم القرآن.
خلق الإنسان . علمه البيان ".
فجملة ( علم القرآن) خبر أول
للمبتدأ( الرحمن ) .
وجملة( خلق الإنسان ) خبر ثان ، وجملة ( علمه البيان )
خبر ثالث .
ومن تعدد النعت قوله سبحانه:
" وقال رجل مؤمن ، من آل فرعون ، يكتم إيمانه أتقتلون رجلا ..."
فمؤمن نعت أول مرفوع ، للفاعل( رجل ) ، وشبه الجملة ( من آل فرعون) نعت ثان ، وجملة ( يكتم إيمانه ) نعت ثالث له .
ومن تعدد الحال قوله سبحانه :
" وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ، كأن لم يسمعها ،
كأن في أذنيه وقرا ".
فمستكبرا حال أولى ، من الضمير المستتر في ( ولى )،
وجملة(كأن لم يسمعها) حال ثانية ، وجملة ( كأن في أذنيه
وقرا ) حال ثالثة .
وقد تتمدد الجملة باستعمال التوابع الإعرابية المعروفة ، وبخاصة العطف بحروف العطف المختلفة .
وعلى سبيل المثال ففي آية الدين - التي هي أطول آية في القرآن الكريم - تكررت واو العطف خمس عشرة مرة عطفا على الجملة الابتدائية الأولى فيها ، وهي: " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه..... "
لتجعل من هذه الآية الكريمة الطويلة جملة نحوية واحدة.
وبناء على جميع ما سبق نرى أن تمدد الجملة لا يقف عند حد ، فلا نهاية له ؛ ومن ثم
فالجملة - في الحقيقة -
لانهائية .
وعليه فإن القول بأن الجملة
هي مجرد مسند ومسند إليه ،
وأن الجملة شيء والنص شيء آخر ، وأن نحو الجملة شيء ونحو النص شيء آخر ،
هي - فيما أرى - أقوال تحتاج إلى إعادة نظر .
ذلك أن الجملة بما يتاح لها من وسائل التمدد المختلفة هي كائن لا نهائي ، أو لانهائية ، إذ يمكن أن تتمدد تمددا لا نهائيا، ويمكن أن يتألف منها نص لا نهاية له .
فالنص - في حقيقته - ليس
إلا جملة وامتدادها .
فالجملة الابتدائية هي بمثابة القاطرة التى يمكن أن تجر وراءها ما لا حصر له من الجمل التابعة لها في الإعراب ، أو التابعة في المعنى دون الإعراب ، وهي الجمل التي ليس لها محل من الإعراب ، من جمل استئنافية وتفسيرية واعتراضية وغيرها.
ومن ثم فالجملة والنص - عندى - وجهان لعملة واحدة .
فالجملة من منظور النقد نص ،
والنص من منظور النحو جملة .
وكما لا يجوز أن نزعم أن ثمة
نقدا للجملة ونقدا آخر للنص ؛ لأن المنظور النقدي واحد ، والرؤية النقدية واحدة ، فكذلك لا يجوز - فيما أرى - أن نزعم أن ثمة نحوا للجملة ، ونحوا آخر للنص ؛ وذلك لأن المنظور النحوي واحد ، والرؤية النحوية واحدة .
هذا وبالله التوفيق .
أ.د. مفرح سعفان
من أهم ما تتميز به الجملة في النحو العربي أنها كائن مرن ،
يتمتع بالمرونة المطلقة. فهي تقبل الانكماش ، كما تقبل التمدد .
وهي في هذا وذاك ليس لها حد أقصى ، وليس لها نهاية ، بل تنطلق انطلاقا لانهائيا لاحد له.
فمن حيث الانكماش نجد الجملة - في كثير من الأحيان- يمكن أن تقع موقع الاسم المفرد ، مثلما نلاحظ في جميع الجمل التي يكون لها محل من الإعراب، مثل جملة الخبر ، وجملة النعت ، وجملة الحال ، والواقعة مفعولا به ، والواقعة مضافا إليه ، وغيرها ؛ لأنه من
الثابت في علم النحو أن الجملة
لا يكون لها محل من الإعراب
إلا إذا أمكن أن تقع موقع الاسم
المفرد ، أو تحل محله .
وفي أحيان أخرى نجد الجملة
- في النحو العربي - قد تقع موقع الجزء من الاسم المفرد،
مثلما نلاحظ في حالة جملة الصلة ؛ لأنه من المعلوم أن
الاسم الموصول وجملة الصلة
كليهما يقومان مقام الاسم المفرد ، ومن ثم كانت جملة
الصلة وحدها تقوم مقام جزء من اسم ، ولذلك لم يكن لها
محل من الإعراب ، لأن الجزء
من الاسم ليس له إعراب.
وقد يمتد الانكماش إلى أكثر من ذلك فيقع ماهو أكبر من الكل موقع ماهو أصغر من الجزء ، وذلك في حالة وقوع
أسلوب الشرط صلة لموصول.
كما في مثل قوله سبحانه :
" الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة " .
فهنا قد وقع ما هو أكبر من الجملة ( وهو أداة الشرط
وجملة الشرط وجملة جواب الشرط ) موقع جملة الصلة ، التي تقوم - في النحو أصلا - مقام جزء من اسم .
هذا ومن حيث التمدد ، فقد تتمدد الجملة عن طريق قابلية بعض العناصر النحوية للتعدد تعددا لانهائيا ، كما نلاحظ في تعدد الخبر ، وتعدد النعت ،
وتعدد الحال .
فمن تعدد الخبر - على سبيل المثال - قوله تعالى :
" وهو الغفور الودود . ذو العرش المجيد . فعال لما يريد "
فهنا خمسة أخبار للمبتدأ (هو).
ومن تعدد جملة الخبر قوله تعالى: " الرحمن . علم القرآن.
خلق الإنسان . علمه البيان ".
فجملة ( علم القرآن) خبر أول
للمبتدأ( الرحمن ) .
وجملة( خلق الإنسان ) خبر ثان ، وجملة ( علمه البيان )
خبر ثالث .
ومن تعدد النعت قوله سبحانه:
" وقال رجل مؤمن ، من آل فرعون ، يكتم إيمانه أتقتلون رجلا ..."
فمؤمن نعت أول مرفوع ، للفاعل( رجل ) ، وشبه الجملة ( من آل فرعون) نعت ثان ، وجملة ( يكتم إيمانه ) نعت ثالث له .
ومن تعدد الحال قوله سبحانه :
" وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ، كأن لم يسمعها ،
كأن في أذنيه وقرا ".
فمستكبرا حال أولى ، من الضمير المستتر في ( ولى )،
وجملة(كأن لم يسمعها) حال ثانية ، وجملة ( كأن في أذنيه
وقرا ) حال ثالثة .
وقد تتمدد الجملة باستعمال التوابع الإعرابية المعروفة ، وبخاصة العطف بحروف العطف المختلفة .
وعلى سبيل المثال ففي آية الدين - التي هي أطول آية في القرآن الكريم - تكررت واو العطف خمس عشرة مرة عطفا على الجملة الابتدائية الأولى فيها ، وهي: " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه..... "
لتجعل من هذه الآية الكريمة الطويلة جملة نحوية واحدة.
وبناء على جميع ما سبق نرى أن تمدد الجملة لا يقف عند حد ، فلا نهاية له ؛ ومن ثم
فالجملة - في الحقيقة -
لانهائية .
وعليه فإن القول بأن الجملة
هي مجرد مسند ومسند إليه ،
وأن الجملة شيء والنص شيء آخر ، وأن نحو الجملة شيء ونحو النص شيء آخر ،
هي - فيما أرى - أقوال تحتاج إلى إعادة نظر .
ذلك أن الجملة بما يتاح لها من وسائل التمدد المختلفة هي كائن لا نهائي ، أو لانهائية ، إذ يمكن أن تتمدد تمددا لا نهائيا، ويمكن أن يتألف منها نص لا نهاية له .
فالنص - في حقيقته - ليس
إلا جملة وامتدادها .
فالجملة الابتدائية هي بمثابة القاطرة التى يمكن أن تجر وراءها ما لا حصر له من الجمل التابعة لها في الإعراب ، أو التابعة في المعنى دون الإعراب ، وهي الجمل التي ليس لها محل من الإعراب ، من جمل استئنافية وتفسيرية واعتراضية وغيرها.
ومن ثم فالجملة والنص - عندى - وجهان لعملة واحدة .
فالجملة من منظور النقد نص ،
والنص من منظور النحو جملة .
وكما لا يجوز أن نزعم أن ثمة
نقدا للجملة ونقدا آخر للنص ؛ لأن المنظور النقدي واحد ، والرؤية النقدية واحدة ، فكذلك لا يجوز - فيما أرى - أن نزعم أن ثمة نحوا للجملة ، ونحوا آخر للنص ؛ وذلك لأن المنظور النحوي واحد ، والرؤية النحوية واحدة .
هذا وبالله التوفيق .
