#شيء من اللغة: المأوى والمثوى

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: المأوى والمثوى

    #شيء من اللغة: المأوى والمثوى
    د. هادي حسن حمودي





    قرأت أستاذة متابعة من سلطنة عمان أن لي رأيا في المأوى والمثوى، لم تجده في صفحتي رغبت أن تطلع عليه.
    #قرآن_لغة_مأوى_مثوى
    نعم سبق أن نشرت عن هذا الموضوع مرتين، الأولى في (الزمان) 1998م. (وهذا التاريخ ذكرني به، متفضلا، المحرر: عبد الرحيم كريم الذي كان يعمل في الجريدة المذكورة) والثانية في الأخبار 2019م إثر رسالة أرسلها لي صديق عزيز عبّر فيها عن قلقه من نص قرأه.
    جاء فيه: (حين يموت أحد يقول البعض (؟) رحمه الله وجعل الجنة مثواه. وهذه الكلمة خاصة بأهل النار (ثم نقل المنبّه آيات رآها دالة على ذلك، وأضاف): أما (انتقل الى مثواه الأخير) فهو كفر أو كفر لفظي على الأقل لأن القبر ليس هو المثوى الأخير ... وأن هذه الكلمة كفر وإلحاد ثم تقلّدت من المسلمين في غفلة شديدة غريبة..).
    وطلب الصديق العزيز رأيا.
    ** جوابي:
    أحمدُ للصديق العزيز أنه لم يذكر في رسالته اسما. فعلى الرغم من أننا حين ننقد نصا لا ننقد شخصا، فإن بعض الناس يعتبر ذاك النقد انتقاصا منه وإساءة له ولمَنْ يأخذ عنهم، سواء كانوا من القدماء أم من المعاصرين. خاصة مع الخطأ الذي وقع به المنبّه بإدخال الألف واللام على (بعض) وقوله (ثم تقلدّت من المسلمين).
    إن تكفير من قال (مثواه الأخير) أو تخطئة (الجنة مثواه)، فيهما جرأة غير محمودة، ولا ترضاها كلمة المثوى، ذاتها، لأنها لا تتحمل ما رآه من معانٍ. وتفضل معي:
    الجذر (ث و ى) دالّ على الإقامة، ومنه تطورت المعاني الأخرى. وسيعرف هذا المعنى كل من شدا شيئا من الشعر، وعرف رائعة الحارث بن حلزّة اليشكري:
    آذَنَـتْـنا بِـبَـيْـنِها أسماءُ
    رُبّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
    فقد أنبأتهم أسماء أنها ستفارقهم لأن طول الإقامة معهم ربّما يسبب لهم الملل منها. ولو كان الثواء في سوء من الحال لرحب ببينها، ولَما ذكره.
    والمَثوى: المنزل، ومحلّ الإقامة. وأثْوَيْتُ: أقمتُ. وإذا أكرهت غيرك على الإقامة في مكان ما، قلتَ: أثْوَيْتُهُ. واستُعير المثوى للقبر فكأنّ الميت مقيم فيه. وجاء المثوى في التنزيل العزيز لبيان أن النار ستكون محل إقامة لمن يستحقها، كما في الآية: (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ). وليس معنى ذلك أنك لا تستطيع استعمالها في سياقات أخرى. ذلك أنّ لفظة (مثوى) دالة على الإقامة في أيّ مكان، كانت. وليست محددة بجهنم أو نار السعير. وإلا، كيف نفهم الآية (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)؟ فالمثوى هنا وُصِفَ بالحُسن. فهي، إذن، كأية لفظة أخرى تتلوّن دلالتها بألوان السياق لأنها جزء منه. ولا بأس في أن نذكّر بالكتاب النبويّ إلى أهل نجران: (وعلى أهل نجران مَثْوَى رُسُلي) أي مسكنهم مدة إقامتهم هناك.
    وتأتي (مأوى) لأهل الجحيم أيضا، كما في: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) وفي: (فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا).
    هم قد حكموا على أن (مثوى) خاصة بأهل الجحيم، وبناء على هذا فإن ورود (مأوى) مع أهل الجحيم، كما في الآيتين السابقتين ستكون خاصة بهم أيضا. وهذا خطأ، بأدلة قرآنية، منها: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ /فَآوَاكُمْ/ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ)؟ وقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) أي هيّأ لك المأوى؟
    ثم إن المقصود بـ(مثواه الأخير) مرقده الأخير في هذه الدنيا، من غير إنكار للقيامة. فلكلّ امرئ في الدنيا مثوى، أي بيت، أو محلّ إقامة، يخرج منه ويعود إليه. أمّا حين يموت فقبره مثواه الأخير من دنياه، فلا إلى الدنيا يخرج منه ولا إليه منها يعود.
    ومن جهة أخرى، يجب الانتباه إلى الفرق بين الأخير والآخِر بكسر الخاء. فاللغة العربية ابتكرت للفرق بينهما تعبير (أخيرا وليس آخِرا). والفرق بين الأخير والآخِر واضح لمن يعرف شيئا من هذه اللغة، وأساليب التعبير بها.
    فلا كفر ولا إلحاد ولا خطأ في التعبيرين.. فاطمئن أخي العزيز.

    المصدر
يعمل...