#شيء من اللغة: فلندعْ عالَمَ الغيبِ لعالِمِ الغيب
د. هادي حسن حمودي
بعد نشر حلقةٍ ناقشت (انتقل فلان إلى مثواه الأخير) كتب لي أحد المولَعين بتصنيع القيود، وإقامة السدود، حتى لا يصل العابد إلى معرفة كلام المعبود، قائلا: لقد جعل الله المثوى في النار لا في الجنة، فإن زعمكم بجواز قولة: (وجعل الجنة مثواه) يكذّب ما أنزله الله على رسوله (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) وقد قال الإمام الطبري: (ومأواهم النار ثم ذمه فقال : وبئس مثوى الظالمين)... الى آخره.
جوابي:
هون عليك يا أخا العرب. ما كذّبنا بشيء مما أنزله الله على رسوله، ولن نفعل ذلك، فارفق بنفسك أمام ربك.
أبدأ بما سبق أن قلتُه بأن القرآن يقرّب صور الآخرة للناس بناء على مداركهم، في إطار مهمته الدينية. فهم ليسوا بحاجة إلى معرفة أسماء مخترعات ومكتشفات ستظهر فيما بعد. ولو ذكرت لهم لما فهموها. وكذلك الشأن مع مصطلحات الآخرة. ذلك أن دلالات مصطلحات الغيب غير دلالات مصطلحات الحضور. فلنقرأ الآية: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وتوضيحها في الحديث عن الجنة أن فيها (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ونحن نرى حولنا الفاكهة التي ذكرها القرآن والماء غير الآسن واللبن الذي لم يتغير طعمه، إلى آخر صور نعيم الجنة، وكذلك النار والحريق والسلاسل والأغلال وغيرها. فلا بد أن تكون دلالات تلك الأخروية غير دلالات هذه الدنيوية.
ولذا دعوتُ إلى أنْ ندعَ عالَم الغيب لعالِم الغيب.
وعلى الرغم من ذلك سأجيب اعتراض المعترِض المذكور.
ذكرنا في الحلقة السابقة أن اللغويين قالوا: إن (ث و ى) تدل على الإقامة. ثوى في بلد كذا: أقام به. وأنشدوا للحارث اليشكري:
آذنتنا بِبَيْنِها أسماءُ/ ربّ ثاوٍ يُملّ منه الثَّواءُ
فأسماء ظنت أن طول ثوائها بينهم قد يسبب لهم الضجر، فأعلنتهم بفراقها لهم.
والمَثوى: المنزل، ومحلّ الإقامة. سواء كانت الإقامة سعيدة أم لا. واستُعير المثوى للقبر فالمدفون ثاوٍ فيه، أي راقد فيه.
والمأوى: مكان يأوي إليه كل شيء، يغادره ويعود إليه. ويدلّ على التجمع والإشفاق. وقال الخليل: أوى الرجل إلى منزله وآوى غيره (بالألف الممدودة)، واستشهد بالآيتين: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ). والمأوى مكانٌ كلّ شيءٍ يأوي إليه ليلا أو نهارا. وأويتُ فلانا إذا أشفقت عليه.
فاللفظتان تؤديان معنى الإقامة، في أي مكان كانت الإقامة. على فرق بينهما ذي شعبتين:
الأولى: دلالة المأوى على الشفقة والعطف (في الدنيا) وهو ما ذكره الخليل وابن فارس. أما في الآخرة، فثمة نوعان من المأوى، النوع المذكور، ونوع يفقد صفة الشفقة، وهو خاص بجهنم.
الثانية: اختلافهما في دلالة الزمن (وهو مصطلح دنيوي). فاللغة تستعمله إن كانت الإقامة لفترة قصيرة، كما لو آويت صاحبك لأيام قليلة. فإذا حوّل المأوى إلى مثوى بغير رغبتك، فما عليك إلا التخلص منه. ولذلك لا نقول أوى فلان إلى قبره (إلا باستعارة بعيدة) ولكن ثوى في قبره، قال كعب بن زهير:
فمن للقوافي شانَها من يحوكها
إذا ما ثوى كعبٌ وفوَّز جرولُ؟ (هما شاعران).
نصل إلى قول الطبري ونذكره بتمامه: (ومأواهم النار ثم ذمه (الله) فقال: وبئس مثوى الظالمين. والمثوى: المكان الذي يقام فيه.. والمأوى: كل مكان يرجع إليه شيءٌ ليلا أو نهارا). ومعناه: إن مأواهم جهنم وإذا كان معنى المأوى يحتمل قصر المدة، فإن طولها سيحوله إلى مثوى. فقِصَرُ مُدّة العذابِ طُولٌ، وطُولُ مدّته خلودٌ في الجحيم.
وقوله: (والمأوى: كل مكان يرجع إليه شيءٌ ليلا أو نهارا) هو المعنى الدنيوي الذي ذكره اللغويون، لأن سكنة الجحيم لا يغادرونها ليلا ولا نهارا.
وبتوفر الشعبتين المذكورتين قبل سطور، يغدو مأوى الجنة مثوَىً، ومثواها مأوَىً.
وفقنا الله وإياكم إلى الجنة مأوَىً ومثوَىً، وإلى السبل المؤدية إليها.
د. هادي حسن حمودي
بعد نشر حلقةٍ ناقشت (انتقل فلان إلى مثواه الأخير) كتب لي أحد المولَعين بتصنيع القيود، وإقامة السدود، حتى لا يصل العابد إلى معرفة كلام المعبود، قائلا: لقد جعل الله المثوى في النار لا في الجنة، فإن زعمكم بجواز قولة: (وجعل الجنة مثواه) يكذّب ما أنزله الله على رسوله (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) وقد قال الإمام الطبري: (ومأواهم النار ثم ذمه فقال : وبئس مثوى الظالمين)... الى آخره.
جوابي:
هون عليك يا أخا العرب. ما كذّبنا بشيء مما أنزله الله على رسوله، ولن نفعل ذلك، فارفق بنفسك أمام ربك.
أبدأ بما سبق أن قلتُه بأن القرآن يقرّب صور الآخرة للناس بناء على مداركهم، في إطار مهمته الدينية. فهم ليسوا بحاجة إلى معرفة أسماء مخترعات ومكتشفات ستظهر فيما بعد. ولو ذكرت لهم لما فهموها. وكذلك الشأن مع مصطلحات الآخرة. ذلك أن دلالات مصطلحات الغيب غير دلالات مصطلحات الحضور. فلنقرأ الآية: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وتوضيحها في الحديث عن الجنة أن فيها (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ونحن نرى حولنا الفاكهة التي ذكرها القرآن والماء غير الآسن واللبن الذي لم يتغير طعمه، إلى آخر صور نعيم الجنة، وكذلك النار والحريق والسلاسل والأغلال وغيرها. فلا بد أن تكون دلالات تلك الأخروية غير دلالات هذه الدنيوية.
ولذا دعوتُ إلى أنْ ندعَ عالَم الغيب لعالِم الغيب.
وعلى الرغم من ذلك سأجيب اعتراض المعترِض المذكور.
ذكرنا في الحلقة السابقة أن اللغويين قالوا: إن (ث و ى) تدل على الإقامة. ثوى في بلد كذا: أقام به. وأنشدوا للحارث اليشكري:
آذنتنا بِبَيْنِها أسماءُ/ ربّ ثاوٍ يُملّ منه الثَّواءُ
فأسماء ظنت أن طول ثوائها بينهم قد يسبب لهم الضجر، فأعلنتهم بفراقها لهم.
والمَثوى: المنزل، ومحلّ الإقامة. سواء كانت الإقامة سعيدة أم لا. واستُعير المثوى للقبر فالمدفون ثاوٍ فيه، أي راقد فيه.
والمأوى: مكان يأوي إليه كل شيء، يغادره ويعود إليه. ويدلّ على التجمع والإشفاق. وقال الخليل: أوى الرجل إلى منزله وآوى غيره (بالألف الممدودة)، واستشهد بالآيتين: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ). والمأوى مكانٌ كلّ شيءٍ يأوي إليه ليلا أو نهارا. وأويتُ فلانا إذا أشفقت عليه.
فاللفظتان تؤديان معنى الإقامة، في أي مكان كانت الإقامة. على فرق بينهما ذي شعبتين:
الأولى: دلالة المأوى على الشفقة والعطف (في الدنيا) وهو ما ذكره الخليل وابن فارس. أما في الآخرة، فثمة نوعان من المأوى، النوع المذكور، ونوع يفقد صفة الشفقة، وهو خاص بجهنم.
الثانية: اختلافهما في دلالة الزمن (وهو مصطلح دنيوي). فاللغة تستعمله إن كانت الإقامة لفترة قصيرة، كما لو آويت صاحبك لأيام قليلة. فإذا حوّل المأوى إلى مثوى بغير رغبتك، فما عليك إلا التخلص منه. ولذلك لا نقول أوى فلان إلى قبره (إلا باستعارة بعيدة) ولكن ثوى في قبره، قال كعب بن زهير:
فمن للقوافي شانَها من يحوكها
إذا ما ثوى كعبٌ وفوَّز جرولُ؟ (هما شاعران).
نصل إلى قول الطبري ونذكره بتمامه: (ومأواهم النار ثم ذمه (الله) فقال: وبئس مثوى الظالمين. والمثوى: المكان الذي يقام فيه.. والمأوى: كل مكان يرجع إليه شيءٌ ليلا أو نهارا). ومعناه: إن مأواهم جهنم وإذا كان معنى المأوى يحتمل قصر المدة، فإن طولها سيحوله إلى مثوى. فقِصَرُ مُدّة العذابِ طُولٌ، وطُولُ مدّته خلودٌ في الجحيم.
وقوله: (والمأوى: كل مكان يرجع إليه شيءٌ ليلا أو نهارا) هو المعنى الدنيوي الذي ذكره اللغويون، لأن سكنة الجحيم لا يغادرونها ليلا ولا نهارا.
وبتوفر الشعبتين المذكورتين قبل سطور، يغدو مأوى الجنة مثوَىً، ومثواها مأوَىً.
وفقنا الله وإياكم إلى الجنة مأوَىً ومثوَىً، وإلى السبل المؤدية إليها.
المصدر
