اللغة العربية وأشكال أقوام مع الزمكان!
بشير عمريغالبا ما ينصرف اهتمام البحاثة والناظرين في أزمة الثقافة العربية إلى محورية الموروث الديني فيها، بوصفه العائق الابستمولوجي الحائل دوما دون انخراط هذا الفضاء العربي الاسلامي الكبير في اللحظة الحداثية التي تتقلب فيها أفئدة وأبصار البشرية في حين تكتفي فيها الحالة العربية بالتوجس أحيانا والانبهار، ونادرا ما تولى اللغة العربية لا بحسبانها حمالة النص المقدس أي القرآن الكريم، بل لكونها عامل أساسي في حركة التاريخ، الأهمية التي تستحقها في مسعى تفكيك عناصر الأزمة الثقافية هاته التي من كثرة تركبها وتعقدها استعصى على السواد الأعظم من المشتغلين عليها إدراك مبتدأ التفكير فيها من منتهاه، واليوم على ضوء ما يصاحب التطور الوظيفي للدولة وسط عجز فلسفي وفكري كبيريين أحاطا بالعلوم السياسية واحتبسا مجرى نهارها، تعمق جرح اللغة العربية وبلغ حد العظم لكن الألم من ذلك يعيشه ويستصرخه هذا الانسان العربي الكادح في غربة ذاته وسط غبار تاريخي من صراعات الذوات والمصالح تستعمل فيها ألسنة النار والدولار كما نيرن الالسنة.
واتقاء لتفرعات قد تتحيد بنا على جادة وجوهر الاشكال السياسي للغة العربية في فضائها الطبيعي تاريخيا وجغرافيا، كان لا بد من عدم الايغال في الرجوع القهقرى في الزمن إلى حيث ولدت اللغة في مناطقها المترامية الأطراف بمصاحبة الرسالة الدينية، وكيف حقق بها الاسلام النهضة العلمية والحضارية عبر جسر الترجمة، أو لتناولها من زوايا التصنيفات الالسنية وتلاقيها أو تلافيها مع اللغات التي تشترك معها في العائلة وكل ما يعلق بهذا التصور، ارتأينا فحص واقعها من خلال أطراف الاشكال التي نتجت عن صراعات التاريخ يوم كانت حضارتها (العربية) غائبة عن مشهد التشكل الحداثي لهذا العالم !
أول ما قد يتجلى للرائي في ملامح جرح اللغة العربية النازف اليوم هو أن هاته الأخيرة بعدما كانت تعيش أزمة زمان، من الغيبوبة على صناعة التاريخ، صارت تعيش أزمة مكان، اسباحه الفكر الذي سيطر على التاريخ، وقسمه بما يتيح له ترسيخ هيمنته الاستعمارية التي بدأها بامتلاكه لخارطة المكان بعد إذ امتلك خارطة الزمان وهي المعرفة والعلوم ومنها علوم الجغرافيا التي سيثريها بتصنيفات فرعية من جغرافية السياسة والاقتصاد ووغيرها من التصنيفات الدقيقة لعلومه.
غياب اللغة العربية عن صناعة التاريخ وانتاج المعرفة والعلوم حصر حضورها في المكان، والمكان لم يُستثنى من معاول الدراسة البحث في مختلف صنوف العلوم والمعرفة التي كانت تتكاثر بشكل دؤوب مفاتيحا من الجيولوجيا إلى الانثروبولجيا، ومثلما أخذت تستخرج منه (المكان) المعادن أخذت تستخرج منه اشلاء الانسان القديم ورميمه لتغدو تلك الأرمة برمزياتها حقل صراعات ثقافية ودينية واثنية كما هو الشأن في فلسطين المحتلة مع ما يسمى بالهيكل وشرعية الدولة اليهودية من خلال الرميم القديم، وكما هو الحال مع الأقليات الألسنية القديمة التي نهضت في مقابل نهضة الأفغاني ومحمد عبدو بداية القرن الفتائت ثم صحت مع الصحوة الدينية في نهايته.
ظهور الدولة الوطنية التي صاغها وأقرها الاستعمار، وتنامي نخب الفكر والعلوم على نسق الحداثة فرض رؤى متضاربة بشأن الاشكال اللغوي، بين متحلل من اللغة العربية بحسبانها غير قادرة على مواكبة وتيرة التطور وتركها للفضاء العمومي الصغير، وبين متحلل في اللغة زاعما أنها ليست فقط قادرة على المواكبة الكاملة للعصر بل هي ململة بذاتها بالمعرفة وعلوم العصر، في مواجهة أقليات إثنية وثقافية تمحو هكذا بجرة قلم وشطحة لسان كل الماضي الحضاري الطويل وتعتبر أن العربية دخيلة وعليها أن تخرج من زمان ومكان ليسا بخاصتها!
فاللغة العربية إذن، هي رهينة اغتراب عقل وطني صيغ وعائه ووعيه على قانون ونهج منظومة دخيلة تتحكم في التاريخ بقوة أشيائها ومعارفها، إلى درجة أنه صعب على المتدبرين في الاشكال صياغة السؤال الحقيق بفهم المشكلة هل الوطن هو من يعاني من أزمة اللغة أم اللغة هي من تهاني من أزمة وطن؟ :
كل التيارات الفكرية والسياسية والثقافية حددت مواقفها بصرف النظر عن موضوعية ومقدرتها على الاجابة عن ذلك السؤال، وهو ما لم يسهم في حسم اشكال الانفصام الحاصل فيما بين التاريخ والجغرافيا، الزمان والمكان داخل هاته البنية الوجودية المسماة الدولة القطرية أو الدولة الوطنية، الذي طرحته اللغة العربية.
فالقوميون العرب الذين يقصون الدين من ريادة المد الزمكاني الذي تحقق للغة العربية، يريدون أن يرثوا هذا الفضاء الفتوحاتي بلا أساسه الشرعي الأول أي رسالة، فيغدو بذلك الخلود لرسالة القومية العربية وفق منطق البعث العفلقي، وهو ما يجمعهم وينفرهم معا مع الاسلاميين الذين ينافحون عن اللغة العربية لكن ليس على حساب رسالة الاسلام، بينما العلمانيون بدورهم انشقوا نصفين وثلاث فمنهم ما يقبل بـ”العربية العارية” بلا لباس قديم ومنهم ما رفضها جملة وتفصيلا، كونها متوقفة في دياجير الماضي، وطبعا الاقليات الالسنية ترفض خروجها من المساجد إلى فضاءات التدول الثقافي والعمومي وإذا ما أصرت على الخروج يحق لهم وقتها هدم المساجد حتى، كما يتصور المتطرفون من أمثال من ينتهكون حرمة شهر الصيام بدعوى ترسيخ ثقافة التسامح (التماسح)!
حالة من الانطحان هي إذن، داخل السؤال التاريخي للمكان الزمان العربي نجمت عن تدخل عنيف في لحظة سبات الذات من الاستعمار خلخل به كل النظم القديمة التي حالما قامت قومة أهل الكف لم تدر كم من الومن نامت ولا بأي ورق ألسني يمكنها أن تلج أسواق ومسارح ومخابر التاريخ، وظلت على أبواب كهفها حائرة.
إن اللغة العربية التي هي ليست بخاصة قوم وإلا لما استكان واسترخى الحضر والصحارى على دعمها بأموال النفط كما يدعم الاستعمار لغته في كل مساحات خطوه وخطيئته الاستدمارية الرهيبة في التاريخ، تعيش – اللغة العربية – إشكالا ليس يقف عن محددوية انطراحها في فضاءات المعرفة والعلوم، ولا في عمق اشكالها البنيوي الذاتي المتعلق بتعقيداتها النحوية والمفرداتية كما يروج له بمبالغة من خصومها، وإنما تعيش أزمة وعي ذاتي ممن يتحملونها في أسواق الحضارة ولا يحسنون تسويقها لا لشيء سوى لأنهم لم يفهموا تلك الاسواق ولا نظمها وابجديات ما هو معروض فيها.
فالتيارات الدينية لها فهم قديم للغة لا يستجيب ولا يجيب عن اسئلة العقل المعاصر، وظهر ذلك جليا في الخطاب الثقافي لهاته التيارات سياسيا وفكريا المطنب في الاسترابة من الابداع خارج النسق المروث، سواء في الأدب أو الفنون وكل معارف الجمال، فهو ينبني على خلاصات تراثية صيرها تدفق وتراكم العلوم بتراكم السؤال المعرفي وتعمقه إلى عموميات لا تفي بالغرض.
أما التيارت القومية والعلمانية فهي إذ تجتزئ اللغة من جسدها التاريخي، فإنها تتصادم في مشروع الانبساط الالسني بين قومي ينزع عنه العلماني شرعية التمدد المكاني بالانتصار للدولة القطرية كنتاج لحداثة مهيمنة ومستنيرة، وأقلوي ألساني ينبعث من رماده ورميمه لا يؤمن بوجود اللغة العربية بمكانه ويمتد في خياله المكاني هو الآخر مرتدا عليها إلى تخومها كما يزعم حملة رسالة الأمازيغ القومية من خلال الحدود التي تبدأ من متنفس الأطلس البحري إلى صحارى مصر الفرعونية.
حالة من الانسداد في الخيال الحضاري سكن العقل العربي أعجزه عن فك طلاسم الزمان بالمكان وشاكلة تشكلهما ليفهم أزمته اللسانية، وطغى بذلك مشروع الاستبداد السلطوي السياسي على اعتبار انه حِلٌ من هكذا اشكالات تاريخية، يعبث بالمجتمع (الوطن) كيفما ما يشاء وبأي لغة كانت.
المصدر
