جدوى الكتابة!

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    جدوى الكتابة!

    جدوى الكتابة!
    د. سيد شعبان




    يحلو لي في أحيان كثيرة أن أدير حوارا مع نفسي؛ أتعالم عليها وأتذاكى متذرعا بقياس أرسطو وحجج المناطقة التي تخلو من عاطفة المحب إلى ذلك البرود والجمود الذي يغطي حياتي سيما والشتاء على الأبواب.
    وجدتني محاصرا بتلك الحقيقة التي جهدت أن أهرب منها: أنت تكتب لتثبت للآخرين مقدرة ما وأنك تمتلك كما لابأس به من حروف الأبجدية؛ تستدعي اعجابا أو تستدر عطفا.
    استلقيت على صفحة المكتب ونحيت القلم بعيدا، احتسيت كوب الشاي وبدأت أفكر في جدوي ما أقوم به؛ تبين لي أنني أقدم نفعا إذ أتلاعب بالمفردات وأصوغ حكاية لهؤلاء الذين يتطلعون لعالم يخلو من حسابات السوق ممن يرون وجها آخر للقمر حيث الشعر والجمال غزلا وطربا، أو أسلو معهم من كد وأواسيهم من جراح؛ فالكتابة دواء نفسي من علة الموات.
    أكتب لأشعر بنسمة الصباح ورفيف أوراق أشجار حديقة أبي ومن ثم أتلمس صورته بين ثمارها متهللا بأنه قدم ما ينفع، تلك الصورة تدفعني لأسطر مقالة وراء أخرى؛ أسابق الزمن في عدو مستمر.
    يرى الكثيرون الكتابة ترفا حيث ينصرف عنها من لا يجد في الورقة والقلم غير حساب وجبر كسر أمواله وعبء ثروته؛ وأنا عاطل من هذا- ولله الحمد- أردد مع المتنبي: فليسعد النطق إن لم يسعد الحال.
    ثم أن تكتب تعادل أن تقاوم؛ وتلك مهمة عسيرة كيف لك ان تجابه كل هؤلاء الباعة في سوق النخاسة العربي؟
    لقد قامروا بكل شيء حتى بات القلم مرتهنا لدى شايلوك يستجدي لقمة العيش، أن تمسك به فأنت متهم وإن تتركه فأنت خائر العزم وقد توصف بالعمالة.
    لقد كان الآخر أكثر وعيا حين جعل القلم ميدانه والفكر ديدنه فدخل علينا من كل باب؛ ومايزال أكثرنا يماري في جدوى المعرفة في عالم يحتكر القوة فيه قراصنة ونحن نقف حيارى مصابين بالدهشة.
    هل كان غسان كنفاني يلهو حين كتب رائعتيه:رجال في الشمس والبحث عن وليد مسعود؟
    كان نجيب محفوظ حين يسرد يقاوم الذبول والعجز والضياع؛ يرصد أداء شخصياته على مسرح الكتابة.
    تبين لي بعد أن الكتابة حياة لكنها تحتاج دفء الشمس ولهيب العاطفة وقدح الحجر وارتطامه بوهج العقل.
    نحن نعاني من رهق الكتابة التي لاتنفع، فالكتابة الجيدة تستدعي قارئا متميزا.
    تأتى معارض الكتاب والمنتديات لتجدها حشوا من كتابات زائفة؛ قليل منها يخاطب العقل والكثير يخايل في سيرك، توارى الكتاب المتميز وحل مكانه تلك الغثائيات، حفلات توقيع تشبه متاجر السلع.
    علينا أن نكتب ما يرتقي بالذائقة التي تهرأت ونكشف زيف الأدعياء الذين غيبوا عقولنا وراء أسلاك شائكة.
يعمل...