#شيء من اللغة: النصّ .. الأصل والتطور

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: النصّ .. الأصل والتطور

    #شيء من اللغة: النصّ .. الأصل والتطور
    د. هادي حسن حمّودي




    تعودنا أن نقول: هذا نصّ جميل، وذاك نصّ فصيح, للدلالة على قطعة من المكتوب. وذهب غير واحد من الدارسين العرب إلى القول (المعتاد في معظم الحالات المشابهة) من أنّ مصطلح (النّصّ) بهذا المعنى أُخذ من لفظة (****) الإنكليزية، أو (****e) الفرنسية. فهل هذا صحيح؟
    للجواب نبدأ من قول الخليل في كتاب العين: (نَصَصْتُ الحديثَ إلى فلان نَصًا، أي: رفعتُه، قال (الشاعر):
    ونُصَّ الحديثَ إلى أهلهِ
    فإن الوَثيقَةَ في نَصِّهِ)
    ومعنى هذا أنك تحدد ما تريد رفعه إلى قائله، فهو (نصّ) ولذلك تقول نصصته إلى قائله، ولم تقل (نسبته أو عزوته إليه) لأنك رفعته بدقة وأمانة وبلا أيّ تغيير.
    وفي مجمل اللغة: (النُّصَّةُ: كالقَصَّة من الشَّعَر). وهذا يدلّ على قطعة من شيء، حُدِّدَتْ هنا بالشّعَر. وحُددت في لسان العرب بالمتاع تضع بعضه فوق بعض. وأضاف ابن منظور: (والنصّ: التعيين على شيء ما) أي عموم الأشياء بما فيها الكلمات. ثم زاد: (وقال الفقهاء: نصُّ القرآنِ ونَصُّ السّنّة، أي: ما دلّ ظاهرُ لفظها عليه من الأحكام).
    ومن المعلوم أن المعاني اللغوية تتطور بتطور الحياة واحتياجات الناس للمعاني الجديدة. وينطبق هذا على لفظ (النصّ) كما ينطبق على غيره. ولذلك نلاحظ ميادين دلالية جديدة مؤسسة على أصولها اللغوية الأولى تطوِّر استعمال تلك الأصول من غير أن تلغيها. ومن أمثلة ذلك ما نقله ابن منظور عن الفقهاء.
    وهذا يعني أن مصطلح النص بمعناه المتداول الآن له أصوله القديمة التي أفاد منها الفقهاء منذ القرن الأول للهجرة. إذ لا شك في أنّ هذا الاستعمال لم يأتِ من فراغ بل هو تطوير للجذر (نصّ).
    وعلينا هنا أن ننتبه إلى مسائل مهمة ومتلازمة، منها:
    الأولى: فهم النص الذي قاله الخليل: (نَصَصْتُ الحديثَ إلى فلان نَصًا، أي: رفعتُه). إن الرفع لا يتمّ إلا من الأدنى إلى الأعلى. فالمراد بـ(الحديث) الحديث النبوي. ورفعه نصّا بلا تغيير هو (نص).
    الثانية: فهم النص الذي ذكره ابن فارس في مجمل اللغة وابن منظور في لسان العرب من دلالة الجذر اللغوي على شيء محدد. خصّه مجمل اللغة بالشعر، وعمّمه ابن منظور على المتاع، وصرّح الفقهاء بالنص المتكوّن من الكلمات.
    فلفظة (نصّ) الحديث - وبملاحظة ما مرّ - تعني أن الحديث قد رُفع لقائله حرفيا بلا أدنى تغيير. ولو كان ثمة تغيير فيه فإن الأولى أن يقال نسبَه أو عزاه إلى قائله. ذلك أنّ اللفظة العربية لها معناها المحدد الذي لا ينطبق على معنى لفظة أخرى، برغم ما قيل في موضوع الترادف.
    فهذا الذي رُفع إلى قائله هو (نصّ) وإلا لَما صحّ القول: نصصته إليه. فكيف تنسب، بأمانة، قولا لقائل أو حديثا لمتحدث إذا لم تنسبه (نصّا) إليه بلا أدنى تغيير؟ أما إذا نسبت قولا لقائل، أو حديثا لمتحدث، ولم تنقله بلفظه وبحرفيته، فليس من الدِّقّة اللغوية أن تستعمل (نصصت) بل نسبت أو عزوت أو ما شابه ذلك من مصطلحات. ولذا نرى ابن منظور قد حصر مقولة النص بالفقهاء الذين كانوا أكثر من غيرهم أمانة على النصوص التي يعتمدونها.
    ولذا يمكن أن نستعمل الكلمة بمعنيين:
    * للدلالة على كلمة أو جملة أو فقرة، وأيضا على كتاب برمته بعد تجريده من الحواشي والفهارس.
    * للدلالة على نسبة النص لقائله بأمانة حرفية.
    ويتبين لنا من هذا أن النصّ بمعناه المنتشر هذه الأيام، له أصله اللغوي الموروث، فلا صحة للقول بأنه أُخذ من مضمون مصطلح أجنبي.
    ويتبيّن لنا أيضا أن: (نصصت) دالة على نسبة الحديث أو الشعر أو القول بحرفيته إلى قائله. فإذا لم تكن النسبة حرفية فتقول (عزوت) أو (نسبت). والفرق بين (عزوت) و(نسبت) توضحه دلالة جذر كل منهما.

    المصدر
يعمل...