#شيء من اللغة: العرب والصحراء

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: العرب والصحراء

    #شيء من اللغة: العرب والصحراء
    د. هادي حسن حمّودي





    إلحاقا بحلقة سابقة عن الفروق بين الصحراء والبيداء والفلاة، وخطأ ربط ظهور العرب بظهور الصحراء أو الجمال.. أقول:
    مر في حلقات سابقة الحديث عن أن الجزيرة العربية كانت جنة خضراء قبل التصحر. وإذا كنا نستطيع بالموازنة والمقارنة أن نرجح حقبة معينة لبداية التصحر، فإنّ من العسير جدا جدا تحديد تأريخ لظهور الصحراء في بقية أرجاء الأرض. فلم يضع علماء تاريخ الأرض إلا تخمينات لا تصل إلى مستوى العلم ولا إلى درجة مقنعة من الترجيح. فكل ما قالوه مجموعة من افتراضات لا دليل عليها حتى صار تصديقها كتصديق أن حكايات ألف ليلة وليلة حكايات علمية. فقد قالوا، مثلا: إنها كتلة تجمعت خارج المنظومة الشمسية ثم اندمجت مع تلك المنظومة. من غير أن يقدموا دليلا واحدا يثبت ذلك، متناسين أن هذا التصور يناقض قوانين الجاذبية المنظّمة لمسار المجموعة الشمسية، بل للمجرّة كلها، مما قرروه بأنفسهم، ويناقض قوانين أخرى عديدة آمنوا بها. وهذا هو شأنهم في كثير من قضايا التاريخ، سواء كان تاريخ الأرض، أم تاريخ الأمم والشعوب، أم تاريخ اللغات.. ثم أصابتهم جرأة القول بأن العرب لم يظهروا إلا حين ظهرت الصحراء وفيها الجمال، وكان ذلك قبل الميلاد بكذا من القرون. وبنى بعضهم على هذا القول أن الأفراس والأحصنة قد تطورت إلى النوق والجمال بفعل البيئة (فتأمل).
    ومن جهة أخرى فإنهم يتفقون على أن الأرض كانت محوطة بالمياه وأن القارات الحالية كانت متصلة فيما بينها، ثم انزاحت بسبب حدوث عوامل فرضت ذلك الانزياح، الذي عُرف علميا بانزياح القارات. وهم في هذا يلتقون مع ما يمكن أن يُستنتَج من أوصاف الطوفان في القرآن، فهو فيه قد غطى الأرض كلها بما فيها الجبال. هنا بعض ما ورد في التنزيل العزيز من وصف له: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ.. وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). (فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ). (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الارْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) أمواج كالجبال فلا جبل يلجأ له ابن نوح وغيره، ومياه من الأرض ومن السماء وتنور يفور... وغير ذلك من أوصاف ترسم تغييرا هائلا في الأرض إثر انتهاء الطوفان.
    فليس أمامنا إلا الخضوع لمنطق الأشياء، مما نتبينه في التطور اللغوي ذي العلاقة بتطور البيئة ذاتها. وهذا يعني أن ننظر في معاني الجذر (ص ح ر) لنحاول أن نعرف أي معنى سبق الآخر بناء على التغير البيئي الذي يستلزم ألفاظا جديدة تعبر عن ذلك التغير وظواهره.
    أول ما يواجهنا في الجذر (ص ح ر) معنى اللون، فالصُّحْرَة هي درجة من درجات اللون الأصفر، فثمة درجات مختلفة من الصفرة. فصُفرة في وقت غروب الشمس ممتزجة بالحمرة، وأخرى في أوراق الشجر، وثالثة في لون قشر الليمون، وصُفرة مختلفة في وجوه بعض المرضى. وفي لسان العرب: الأصحر: قريب من الأصهب. ووصفت المرأة الصهباء بأنها صحراء.
    ومن قبل التصحر كانت الألوان، وكانت تسمياتها، ومنها اللون الأصفر وتدرجاته.
    فكلمة الصّحرة لم تظهر بنشوء الصحراء. بمعنى أن الإنسان لم ير الصحراء أولا ثم اشتق من كلمة الصحراء كلمة الصُحرة الدالة على درجة من درجات اللون الأصفر. بل العكس هو الصحيح.
    ولم ترد كلمة صحراء في القرآن، ولكن ورد فيه اللون (إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا) (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) (فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا).
    وندر ورودها في الشعر الجاهلي. وفسرها بعض اللغويين بأنها الأرض المستوية، وفسرها آخرون بالفضاء الواسع. ولقد أتعبت كلمة الصحراء النحويين والصرفيين في اشتقاقها وجمعها وأصل همزتها.
    وفي المقابل فإن الدلائل العلمية المبتدئة من الأحافير والآثار والممتدة إلى اللغات التي هي الوجه الحقيقي لتواريخ الأمم والشعوب، تؤكد أن لا صحة لربط ظهور العرب بظهور الصحراء أو الجمال.

    المصدر
يعمل...