#شيء من اللغة: مَحَضْتُكَ النُّصْحَ

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: مَحَضْتُكَ النُّصْحَ

    #شيء من اللغة: مَحَضْتُكَ النُّصْحَ
    د. هادي حسن حمّودي




    الصديق الجزائري الدكتور (عمر شيخة) وهو أول من اتّخذ من (كتاب الماء للصحاري) موضوع رسالته للدكتوراة، أراد التدقيق في معاني مجموعة من الألفاظ، ومنها لفظة (محض). ندرسها الآن، وله فضل إثارة بحثها.
    وقبل البدء أقول: كلما مرّتْ بي هذه الكلمة، أو مررتُ بها، تذكرت قصيدة اليازجي التي أوّلها:
    دَعْ يومَ أمسِ وخُذْ في شأنِ يومِ غَدِ
    واعْددْ لِنفسِك فيهَ أفضَلَ العُدَدِ
    واقنَعْ بما قَسَمَ اللهُ الكريمُ ولا
    تَبسُطْ يَديَكَ لنَيلِ الرِّزقِ من أحَدِ
    وفيها يقول:
    أعدَى العُداةِ صَديقٌ في الرَّخاءِ فإنْ
    طَلَبْتَهُ في أوانِ الضِّيقِ لم تَجِدِ
    وأوثَقُ العهدِ ما بينَ الصِّحابِ لِمَنْ
    عاقَدتَ قلباً بقلبٍ، لا يَداً بيَدِ
    (مَحَضْتُك النُّصحَ) عن خُبرٍ وتجرِبةٍ
    واللهُ سُبحانَهُ الهادي إلى الرَشَدِ
    مَحَضْتُك النُّصْحَ، أي: أخلصتُه لك، وخصصتك به.
    وعند المعجميين القدماء أنّ أصل اللفظ من اللبن المحض، أي الخالص الذي لم يُخلط بماء. ثم توسّع الاستعمال به إلى النسب، فقالوا: فلان ذو نسب محضٍ، أي: خالص لا تشوبه شائبة. وللأنثى: هي محضة النسب. كما توسّع إلى النصيحة كأن تكتب لصاحبك: كلماتي لك نصيحة محضة.
    ولا تلتفت إلى من حكم بخطأ التأنيث في (محضة). فهؤلاء المسارعون إلى التخطئة لا يحتكمون إلى دلالة النصوص، إضافة إلى أن تأنيثها قد ورد في المعجمات ومنها (العين).
    وقالوا: مَحَضْتُهُ النُّصْحَ، وأمْحَضْتُه النّصحَ. وأنكر بعض المسارعين إلى التخطئة كلمة (أمْحَضْتُه) متابعة لأحد اللغويين، وارتضاها غيرهم متابعة للغويّ آخر. وما هكذا تؤخذ اللغة. فالمتابعة وحدها، خاصة مع ما نعرفه من خلافات القدماء، لا تنقل الخطأ إلى الصواب، ولا الصواب إلى الخطأ. فعلينا، إضافة إلى المأثور المروي، أن ننظر في أشياء أخرى ترجح هذا، وتضع من ذاك، أو تصل إلى قرار يختلف عنهما. ولا شك في أن (أمحضته) صحيحة، كما تقول: أعلمته الخبر. ولك أن تقول: محّضته النصيحة، وهذا أبلغ في معنى خلوص النصيحة من أي شائبة. وكذا في كل ما من شأنه أن تصيبه شائبة، فرب ناصح لا يريد لك الخير، فنصيحته ليست مَحْضَة، بل مَشوْبة بأكدار. كما يكون الذهب مَحْضًا، ومَشُوْبًا، والفضة مَحْضَة، ومَشُوْبَة. وكذلك الصديق الذي ذكره اليازجي في قصيدته المذكورة.

    المصدر
يعمل...