#شيء من اللغة: مصطلحات الزمن: العصر والدهر (2)
د. هادي حسن حمّودي
نذهب إلى المعجم فيقول لنا: العصر هو الدهر. ولكن المسلمين يعرفون صلاة العصر لا صلاة الدهر. فالمعنى بينهما مختلف. ونحن ندري أن التنزيل العزيز قال: (هَلْ أَتَى عَلَى الانسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا)(الإنسان 1) فالدهر من قَبْلِ وجود الإنسان أي من قبل الزمن، من الأزل إلى الأبد. لأن الزمن ابتدأ بظهور الإنسان على الأرض، حيث صار يحصي شروق الشمس وغروبها، اليوم والأسبوع والسنة والعقد والقرن.. هذا هو الزمن. ولولا الإنسان لما كان زمن. ولم يكن للإنسان وجود في حين من الدهر. وللدهر سنعود في حلقة أخرى.
ومن عجب أنهم فسروا (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الانسَانَ لَفِي خُسْرٍ)(سورة العصر 1-2) أنه الدهر. واستبعدوا، عموما، أنه ساعة من النهار أو العشي. ولا أدري لماذا هذا الاستبعاد؟ فلو كان المقصود الدهر لكانت الآيتان المذكورتان: والدهرِ. إن الإنسان لفي خسر. ثم لماذا الاستبعاد وقد ذكر القرآن الليل والنهار والأسحار والفجر والصبح والضحى، فلماذا لا يكون العصر بمعناه الواضح، أسوة ببقية أسماء أوقات الليل والنهار؟
ألم يروا العلاقة بين دلالة العصر ومعنى الخسر ومعنى العُسر؟ ألم تُقرأ الآية: (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)(الغاشية 22) بالصاد والسين؟ ألم يضعوا (سينا) تحت الصاد من (أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) (الطور 37)؟ بل إنهم ذكروا الآية بالصاد وفسروها بالسين. ثم ألا يلتفتون إلى الدلالة التي تؤديها هذه الألفاظ المتقاربة المعنى بحكم تقارب الحروف المكونة لها: العصر، الخسر، العسر، الحَسْر الذي منه (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)(سورة مريم 38) والإصر، أيضا: (رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا)(البقرة 286)
فلنوضح ذلك:
الأصل في العَصْر الضغط والضيق والضعف ماديا ومعنويا، فتارة يعصر الالم المريض، فهو يضغط عليه، وتارة يضغط امرؤ على رقبة صاحبه فيعصرها حتى يصرخ من الألم. والاعتصار: أن تصادر من الإنسان مالاً بغُرْم أو بغيره من الوجوه. وتارة يعصر المرء فاكهة معينة بالضغط عليها.
والعصر من النهار خاتمته، وكانه فيها يضعف ثم يؤول إلى النهاية. انت تستيقظ في الفجر تراقب بزوغ الشمس بكل أبهتها وجمالها، ويأتي الصباح فترى الحياة تدب في كل ما حولك، تبتهج وتُسعد خاصة إن كنت في بيئة منكشفة متواصلة مع الطبيعة. ويحدث عكس هذا عصرا، حيث تبدأ الحياة بالذبول والجمود. حتى انشغل أطباء نفسيون كثيرون بدراسة أسباب الكآبة التي تصيب بعض الناس في أواخر النهار.
والعصر من الزمن، عصر يوم يتبع عصر يوم قبله، يوم يتبع يوما، وشهر يتبع شهرا، وعام يتبع عاما. فتطور الاستعمال إلى وصف بعض مراحل التاريخ بالعصر والعصور والأعصر، كأن تقول عصر الدولة العباسية. هذا تعبير مجازي متطور من أصل صحيح، ولكنه ليس الأفصح، فالأفصح أن يكون تعبير (عصر الدولة العباسية) دالا على مرحلة اختناقها وانعصارها، كما يضعف النهار في آخره كأنه يختنق، لتنتقل الحياة إلى جمود وركود بالعكس من الصبيحة والضحى. وقد لا يتضح هذا الشعور لدى بعض سكان مدن الضجيج وانشغالهم بما حولهم.
وقد وردت لفظة العصر وما يشتق منها كثيرا في أشعار العرب، وهذه المشتقات لا تخرج عن أصلها الذي قلناه. ومن ذلك قول امرئ القيس:
ألا انْعِمْ صباحًا أيها الطلَلُ البالي
وهل يَنْعَمَن من كان في العُصُر الخالي
وقول عديّ بن زيد :
أَبلِغِ النُعمانَ عَنّي مَألَكاً/ إِنَّني قَد طالَ حَبسي وَاِنتِظاري
لَو بِغَيرِ الماءِ حَلقي شَرِقٌ/ كَنتُ كَالغَصّانِ بِالماءِ اِعتِصاري
والمُعْتَصَر: الهرم، ومنه قول الشاعر القديم:
أَدْرَكْتُ مُعْتَصَرِي وَأَدْرَكَنِي/ حِلْمِي وَيَسَّرَ قَائِدِي نَعْلِي
والمعصور: اللسان اليابسُ عطشا. وذكرت المعجمات شواهد له.
أما استعمال العصر الذهبي، فهو من التوصيف البعيد عن اللغة والواقع. فليس ثمة عصر ذهبيّ ولا عصر ياقوتيّ. ولا أكون متشائما إذا دعوتك أن تقرأ رسالة بديع الزمان الهمداني صاحب المقامات (تـ 398 هـ) إلى شيخه أحمد بن فارس (تـ 395 هـ) وقد نقلناها نصا في الكتاب المرفقة صورته.
هذا إيجاز الخلاصة وللتفصيل موضعه.
د. هادي حسن حمّودي
نذهب إلى المعجم فيقول لنا: العصر هو الدهر. ولكن المسلمين يعرفون صلاة العصر لا صلاة الدهر. فالمعنى بينهما مختلف. ونحن ندري أن التنزيل العزيز قال: (هَلْ أَتَى عَلَى الانسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا)(الإنسان 1) فالدهر من قَبْلِ وجود الإنسان أي من قبل الزمن، من الأزل إلى الأبد. لأن الزمن ابتدأ بظهور الإنسان على الأرض، حيث صار يحصي شروق الشمس وغروبها، اليوم والأسبوع والسنة والعقد والقرن.. هذا هو الزمن. ولولا الإنسان لما كان زمن. ولم يكن للإنسان وجود في حين من الدهر. وللدهر سنعود في حلقة أخرى.
ومن عجب أنهم فسروا (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الانسَانَ لَفِي خُسْرٍ)(سورة العصر 1-2) أنه الدهر. واستبعدوا، عموما، أنه ساعة من النهار أو العشي. ولا أدري لماذا هذا الاستبعاد؟ فلو كان المقصود الدهر لكانت الآيتان المذكورتان: والدهرِ. إن الإنسان لفي خسر. ثم لماذا الاستبعاد وقد ذكر القرآن الليل والنهار والأسحار والفجر والصبح والضحى، فلماذا لا يكون العصر بمعناه الواضح، أسوة ببقية أسماء أوقات الليل والنهار؟
ألم يروا العلاقة بين دلالة العصر ومعنى الخسر ومعنى العُسر؟ ألم تُقرأ الآية: (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)(الغاشية 22) بالصاد والسين؟ ألم يضعوا (سينا) تحت الصاد من (أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) (الطور 37)؟ بل إنهم ذكروا الآية بالصاد وفسروها بالسين. ثم ألا يلتفتون إلى الدلالة التي تؤديها هذه الألفاظ المتقاربة المعنى بحكم تقارب الحروف المكونة لها: العصر، الخسر، العسر، الحَسْر الذي منه (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)(سورة مريم 38) والإصر، أيضا: (رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا)(البقرة 286)
فلنوضح ذلك:
الأصل في العَصْر الضغط والضيق والضعف ماديا ومعنويا، فتارة يعصر الالم المريض، فهو يضغط عليه، وتارة يضغط امرؤ على رقبة صاحبه فيعصرها حتى يصرخ من الألم. والاعتصار: أن تصادر من الإنسان مالاً بغُرْم أو بغيره من الوجوه. وتارة يعصر المرء فاكهة معينة بالضغط عليها.
والعصر من النهار خاتمته، وكانه فيها يضعف ثم يؤول إلى النهاية. انت تستيقظ في الفجر تراقب بزوغ الشمس بكل أبهتها وجمالها، ويأتي الصباح فترى الحياة تدب في كل ما حولك، تبتهج وتُسعد خاصة إن كنت في بيئة منكشفة متواصلة مع الطبيعة. ويحدث عكس هذا عصرا، حيث تبدأ الحياة بالذبول والجمود. حتى انشغل أطباء نفسيون كثيرون بدراسة أسباب الكآبة التي تصيب بعض الناس في أواخر النهار.
والعصر من الزمن، عصر يوم يتبع عصر يوم قبله، يوم يتبع يوما، وشهر يتبع شهرا، وعام يتبع عاما. فتطور الاستعمال إلى وصف بعض مراحل التاريخ بالعصر والعصور والأعصر، كأن تقول عصر الدولة العباسية. هذا تعبير مجازي متطور من أصل صحيح، ولكنه ليس الأفصح، فالأفصح أن يكون تعبير (عصر الدولة العباسية) دالا على مرحلة اختناقها وانعصارها، كما يضعف النهار في آخره كأنه يختنق، لتنتقل الحياة إلى جمود وركود بالعكس من الصبيحة والضحى. وقد لا يتضح هذا الشعور لدى بعض سكان مدن الضجيج وانشغالهم بما حولهم.
وقد وردت لفظة العصر وما يشتق منها كثيرا في أشعار العرب، وهذه المشتقات لا تخرج عن أصلها الذي قلناه. ومن ذلك قول امرئ القيس:
ألا انْعِمْ صباحًا أيها الطلَلُ البالي
وهل يَنْعَمَن من كان في العُصُر الخالي
وقول عديّ بن زيد :
أَبلِغِ النُعمانَ عَنّي مَألَكاً/ إِنَّني قَد طالَ حَبسي وَاِنتِظاري
لَو بِغَيرِ الماءِ حَلقي شَرِقٌ/ كَنتُ كَالغَصّانِ بِالماءِ اِعتِصاري
والمُعْتَصَر: الهرم، ومنه قول الشاعر القديم:
أَدْرَكْتُ مُعْتَصَرِي وَأَدْرَكَنِي/ حِلْمِي وَيَسَّرَ قَائِدِي نَعْلِي
والمعصور: اللسان اليابسُ عطشا. وذكرت المعجمات شواهد له.
أما استعمال العصر الذهبي، فهو من التوصيف البعيد عن اللغة والواقع. فليس ثمة عصر ذهبيّ ولا عصر ياقوتيّ. ولا أكون متشائما إذا دعوتك أن تقرأ رسالة بديع الزمان الهمداني صاحب المقامات (تـ 398 هـ) إلى شيخه أحمد بن فارس (تـ 395 هـ) وقد نقلناها نصا في الكتاب المرفقة صورته.
هذا إيجاز الخلاصة وللتفصيل موضعه.
المصدر
