اللغة العربية والابتكار..رؤية نحو المستقبل

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    اللغة العربية والابتكار..رؤية نحو المستقبل

    اللغة العربية والابتكار..رؤية نحو المستقبل
    د. شعبان بدير




    لم تكن اللغة العربية في عصر من العصور عاجزة عن مواكبة ركب التقدم الحضاري والإنساني، بل إنها أثبتت في عصور الازدهار العربي والإسلامي أنها قادرة على حمل العلوم والثقافات على اختلاف أنواعها وألوانها، ولم يثبت عليها يوما أنها عجزت عن استيعاب كل العلوم التي ترجِمَت إليها من شتى لغات العالم. فلماذا تُتّهم اليوم أنها غير قادرة على مُجاراة عصر التقدم التكنولوجي بشتّى أنواعه، وأنها ليست اللغة المُؤهّلة التي يستند عليها العرب في سعيهم نحو المستقبل المستند على الإبداع والابتكار؟ وهل اللغة بالفعل هي التي تخلق الابتكار؟! أم أن أهل اللغة أنفسهم هم المبتكرون الذين يعيدون إليها حياتها ويُعلون من قدرها بتقدّمهم وإبداعهم؟
    وللإجابة عن هذه الأسئلة لابد لنا أن نعي أن اللغة هي وسيلة التفكير ووعاء الإبداع والابتكار، وليست صانعته في الأساس؛ لأن التقدّم يصنعه أبناء اللغة بجدهم وعلمهم وابتكاراتهم التي يواكبون بها كل جديد في عصرهم، بل إن اللغة ذاتها –كما ذهب جبران خليل جبران في كتابه مستقبل اللغة العربية- مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمّة، أو ذاتها العامّة، فإذا هجعت قوّة الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها.
    فمستقبل اللغة العربية إذاً يتوقف على مستقبل الفكر المبدع عند المتحدثين بها، فإن نهضوا بفكرهم وإبداعهم، نهضت اللغة وانتعشت بل سادت كل اللغات؛ لأنها ستصير اللغة المعبرة عن كل جديد في عالم المخترعات والمكتشفات والتكنولوجيا المعاصرة، بل ستجبر أهل اللغات الأخرى على تعلُّم اللغة العربية حتى يواكبوا كل جديد يبدعه أبناؤها، والتاريخ زاخر بالعديد من الشواهد على ذلك؛ فقد مرّ على اللغة العربية عصور كانت لها الغلبة والقوة التي اقتبستها من قوة أبنائها وعزتهم، فعندما انتشر الإسلام وقويت شوكة العرب أقبل الناس من كل صوب وحدب يتعلمون العربية الفصيحة، وينهلون من علومها حتى صار منهم العلماء في علوم العربية ذاتها كالنحو والعروض والبلاغة والتفسير والحديث، وصارت تلك العلوم هي مصدر المنهج العلمي بأدواته ومبادئه التي استعان بها فرانسيس بيكون لوضع أسس المنهج العلمي الحديث في أوروبا.
    وعندما كانت الدولة الإسلامية في أوج قوّتها في عصر هارون الرشيد، كان للعلماء العرب الكلمة العليا في شتّى ميادين العلوم، يؤلفون بالعربية الفصيحة في مجالات الطب والهندسة والرياضيات والفلسفة والموسيقا، وما زالت كتبهم إلى اليوم رائدة في مجالاتها تثبت أن اللغة العربية لغة متكاملة ناضجة لا تدانيها أي لغة من لغات العالم الحديث في خصائصها وقدراتها التي يضق المجال عن ذكرها.
    وعندما أسس هارون الرشيد بيت الحكمة وأتى بالمترجمين الذين يترجمون كتب الحضارات الأخرى إلى العربية الفصيحة التي استوعبت كل هذه العلوم والفلسفات قديمها وحديثها، ولم تشك يوما ضعفا أو عجزا عن احتوائها بل أضافت إليها ما يثريها ويعزز من مكانتها وشهرتها.
    وفي عصر محمد علي باشا في مصر أنشأ الرجل أوّل مدرسة طبيّة في الوطن العربي عام 1827، تترجم فيها المحاضرات إلى اللغة العربية، مما شجّع على الشروع في البحث العلمي والتأليف الطّبي باللغة العربية.
    ويأتي الدور الرائد الذي تقوم به الحكومة الإماراتية في هذه الآونة ممثلاً في المبادرات التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لتمكين اللغة العربية والاستفادة من إشعاع نورها الغني العامر بقدرة عجيبة على الاستيعاب برحابة لمستجدات العصر كافة، مهما كانت أدواتها.
    إننا بدلا من أن نهمل لغتنا ونطمس معالمها، ونبحث لنا عن لغة بديلة نراها –في زعمنا- قادرة على ولوج العالم الحديث بعلومه وتقدمه، علينا أن نبحث عن الوسائل التي تعيد اللغة العربية إلى عرشها بعودة أبنائها إلى النهضة الحقيقة القائمة على التعليم المتميز الذي يبني العقول ويمدها بمداد التقدم المبني على استراتيجيات صحيحة وواعية يتحولون بها إلى منتجين حقيقيين وليسوا مجرد مستهلكين أو مقتبسين لنتاج غيرهم.
    إن السعي باللغة العربية نحو الابتكار يجب أن ينطلق من مشروع علمي عربي كبير يشمل كل التخصصات العلمية والمعرفية التي تأخذ بيد الأمة العربية نحو الرقي والخلق والمزاحمة الحقيقية في كافة المجالات العلمية على مستوى العالم، وأن تبذل الجهود من كافة الهيئات المعنية باللغة العربية من أجل نشرها وتسهيل سبل تعليمها للمتحدثين بالعربية أو بغيرها من اللغات باستخدام كافة المهارات والوسائل التقنية وأن تجتهد الحركة المعجمية في بذل جهودها الحثيثة من أجل استيعاب كل جديد في المخترعات والمكتشفات الحديثة مثلما يحدث مع اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وأن تساهم الهيئات الحكومية والخاصة في الإنفاق على مشروع عربي كبير من أجل النهوض باللغة العربية ونشرها في ربوع المعمورة، عن طريق المؤسسات التعليمية والهيئات الإعلامية، ورصد المكافآت والجوائز من أجل تشجيع الإبداع في كافة علوم العربية واستراتيجيات تعليمها.

    المصدر
يعمل...