استخدام المفرد بمعنى الجمع

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    استخدام المفرد بمعنى الجمع

    استخدام المفرد بمعنى الجمع
    د. مصطفى رجب




    هناك مزايا تتفرد بها اللغة العربية ، يجيء فيها الاستخدام اللغوي مخالفاً للقياس ، ومع ذلك فإن الذوق لا ينبو عنه ، ولا يرفضه بل يستسيغه ويقبله بلا تردد . فمن هذا الباب يرد استخدام المفرد معنياً به الجمع ، أو يرد الجمع معنياً به المفرد ، وهناك ثلاثة أوضاع للمفرد الذي يطلق ويراد به الجمع هي :
    1- أن يكون المفرد معرفاً .
    2- أن يكون المفرد نكرة .
    3- أن يكون المفرد مضافاً .
    وقد ورد من ذلك في القرآن الكريم شيء كثير ، فمما جاء على الوضع الأول قوله تعالى { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فقد أطلق لفظ " الدبر " هنا وهو معرفة وأريد به الجمع ، والمقصود ويولون الأدبار .
    ومن ذلك قوله تعالى { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا } والمقصود : الغرفات أو الغرف ، جمعاً لغرفة بدليل ورودها مجموعة في آيات أخرى { لهم غرف من فوقها غرف مبنية } .
    ومن هذا النوع أيضاً قوله تعالى { وجاء ربك والمَلَك صفاً صفاً } والمقصود : والملائكة بدليل قوله تعالى في آية أخرى { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } . وقوله تعالى { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } والمقصود : الأطفال .
    ومن أمثلة ما جاء على الوضع الثاني : أي يكون اللفظ المستخدم نكرة ويقصد به الجمع قوله تعالى { إن المتقين في جنات ونَهَر } والمقصود : وأنهار بدليل قوله تعالى في آية أخرى وصفاً للجنة { فيها أنهار من ماء غير آسن } ، ومن ذلك قوله تعالى { واجعلنا للمتقين إماماً } والمقصود : أئمة ، وقوله تعالى { ثم نخرجكم طفلاً } والمقصود : أطفالاً . وقوله تعالى { وحسن أولئك رفيقاً } بمعنى رفقاء.
    ومما جاء على الوضع الثالث : أي أن يكون اللفظ مضافاً ويقصد به الجمع قوله تعالى { إن هؤلاء ضيفي } أي ضيوفي ، وقوله تعالى { أو صديقكم } عطفاً على ما ذكره من البيوت التي لا جناح على المؤمنين أن يأكلوا فيها ، والمقصود : أصدقائكم ، وقد ورد في الشعر العربي القديم استخدام المفرد مقصوداً به الجمع فمن ذلك قول علقمة بن عبدة :
    بها جِيَفُ الحسرى فأما عظامها
    فبِيضٌ وأما جلدُها فصليب
    والمقصود : وأما جلودها فصليبة .
    وقول عقيل بن علقمة المري :
    وكان بنو فزارة شرَّ عمٍّ
    وكنتُ لهم كشرِّ بني الأخينا
    يعني كانوا شر أعمام . وكنت ُ لهم شرَّ ابن أخ .
    وما يجوز في الألفاظ من استخدام للمفرد معنياً به الجمع ، قد ينسحب على الضمائر كذلك . فمن ذلك قوله تعالى { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجرٍ من زقوم ، فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم } فالضمير المجرور بمن في قوله { منها } عائد على شجر . والشجر – كما يقول أبو حيان صاحب البحر المحيط – اسم جنس يؤنث ويذكر . غير أن هذا التخريج ليس كافياً لمجيء الضمير التالي المتصل بعلى { عليه } مذكراً ، في حين جاء الضمير المتصل بمن { منها } مؤنثاً .
    ولعل ما ذهب إليه ابن عطية من أن الضمير في { عليه } عائد على المأكول أو الأكل من أفضل التأويلات المقنعة لهذا التركيب .
    ومن ورود ضمير المفرد مقصوداً به الجمع ، كذلك قوله تعالى { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ، ولكم فيها جَمَالٌ حين ترُيحون وحين تسرحون ، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس } فالضمير المستتر في الفعل { تحمل } مفرد مؤنث جيء به من باب معاملة الجمع غير العاقل معاملة المفرد المؤنث ، وهو شائع في لغة العرب فلك أن تقول : هذه الكتب ، فتستخدم اسم الإشارة المخصص للمفرد المؤنث مع جمع غير العاقل ، وقد يستخدم اللفظ المفرد معنياً به الجمع ثم يعود عليه ضمير الجماعة كما قلنا آنفاً ، ويكون المعنى مقبولاً سهل الإدراك وغير قابل للتأويل كما هو الحال في آية شجر الزقوم السابقة ، فمن ذلك قوله تعالى في معرض حكاية قصة سيدنا داود عليه السلام { وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ، إذ دخلوا على داود ففزع منهم . قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق } فجاءت هنا كلمة الخصم بمعنى الخصوم ، وإليها يعود ضمير الجماعة " الواو " في الأفعال التالية لها " تسوروا " ، " دخلوا " ، " قالوا " .
    وهكذا نجد أن من أبواب الاتساع والمرونة في لغة العرب أن يأتي المفرد ويراد به الجمع . كما قد يأتي الجمع ويراد به المفرد وله حديث آخر .

    المفرد
يعمل...