#مستفعلن_في_الخفيف
د.عمر خَلُّوف
د.عمر خَلُّوف
في منشورنا السابق حول #الثقل_في_البحر_الخفيف، قلنا:
يَحسُنُ هذا الوزنُ في الطبعِ السليم، والذائقةِ الحساسة، بزحافِ (مستفعلن) إلى: (متفعلن)، تخلُّصاً من توالي 3 أسباب خفيفة في حشوه، (ويعمّ هذا الزحاف ما يقرب من 90% من شعر الخفيف، حتى إن بعض العَروضيين جعلَهُ أصلاً للوزن)، كقول المتنبّي:
ليسَ إلاّ(كَ يا عَلِيْـ)يُ هُمامٌ**سيفُهُ دو(نَ عِرضِهِ) مسلولُ
كيفَ لا تأ(مَنُ العِرا)قُ ومِصْرٌ**وسَرايا(كَ دُونَها) والخُيولُ
وتقبلُ الذائقةُ مجيءَ (مستفعلن) سالمةً، إذا وافقت بدايتُها كلمةً منفصلةً عن (فاعلاتن) قبلها، كقول المعرّي:
(غَيرُ مُجْدٍ) [في مِلَّتي] واعتقادي ** نَوحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ
(وَشَبيهٌ) [صَوتُ النّعِيْـ]ـيِ إذا قِيـ**ـسَ بِصَوتِ الـبَشيرِ في كلِّ نادي
أو كانَ الاتصالُ بينهما واقعاً على (ال) التعريف، كقول المعرّي:
وَدَفِينٍ عَلى بَقايا دَفِينٍ **(في طَويلِ الْـ) أزْمانِ وَالآبادِ
في حين، يزدادُ الإيقاعُ ثِقَلاً وكَراهةً، وشعوراً بالكسر، عندما تنقسمُ كلمةٌ بين (فاعلاتن) و(مستفعلن)، وهي حالة نادرة في شعر الأوائل،كقول المعرّي:
(عَلِّموهُنْ) (نَ الغَزْلَ وَالنْ) نَسْجَ وَالرَّدْ ** نَ وَخَلّوا كِتابَةً وَقِراءَةْ
فهم يقفونَ -سليقةً- على (فاعلاتن) بكلمةٍ تامّة غالباً، أو على (ال) التعريف من الكلمة التي تبتدئُ بها (مستفعلن) بعدها.
***
وكانَ لأستاذنا د.علي يونس رأي آخر، عندما افترضَ أنّ (مستفعلن) لا تُستَساغُ إلاّ إذا وافقَ أوّلُها مقطعاً صوتياً مفتوحاً، أو كانت مسبوقةً بمقطعٍ مفتوح.
ودَعا الدكتور عليّ المهتمّين بالشعر والعَروض إلى التحقّقِ من فرضِه، باستقراءِ نماذجَ من الشعر المنظومِ على البحر الخفيف.
ونظراً إلى أنه أثارَ المسألةَ على ما تعرّضَ له (د.طه حسين) من شعر المتنبي، فلقد رأيتُ أن أستقرئَ المسألةَ في شعر المتنبّي ذاته، وهو مَن هو في إمامة الشعر، معتمداً على ديوانه: (العَرفِ الطيّب، في شرحِ ديوان أبي الطيّب)، لليازجي، المطبعة الأدبية ببيروت، عام 1305هـ.
فأقولُ، وبالله التوفيق:
*لقد تضمّنَ ديوانُ المتنبّي (24) قصيدة، وقطعة، ونتفة، على ميزان الخفيف، كانَ أطولُها (45) بيتاً، وأقصرُها بيتان، فكانَ مجموعُ الأبياتِ فيها: (485) بيتاً، في (970) شطراً.
*جاءَت فيها (مستفعلن) تامّةً، ليسَ فيها بيتٌ مُستَكرَهُ الإيقاع، ولا ثقيلُ الوزن: (109) مرّات، بمعدّل (11.24%)، وهيَ نسبةٌ مُعتبَرةٌ إحصائياً، لا يصحُّ إهمالُها، واعتمادُ (متفعلن) بدل (مستفعلن) في وزن الخفيف، كما دعَا لذلك بعض العَروضيين!
*واستقلّت (مستفعلن) بالأعجاز (69 مرّة)، وفي الصدور (26 مرّة)، في حين عمّت الشطرين (7 مرّات) فحسب.
*وقد حافظَ المتنبي في هذه المواضعِ جميعِها على استقلال (فاعلاتن) بكلمةٍ ينتهي عندها وزنها، إلاّ ما كانَ الاتصالُ بما بعده واقعاً على (ال) التعريف، كما لاحظناهُ من قبل، وقد تكرر الاتصال على (ال) التعريف بحدود (16) مرة، مقابل الفصل التام (93) مرّة..
*فإذا نظرنا إلى مدى انطباقِ فرضيةِ الدكتور، على مواضعِ هذه الوقوف المستساغة جميعها، وجدنا أنّ المتنبي لم يلتزم بِدْءَ (مستفعلن) بمقطع صوتي مفتوح، إلا في (14 مرة)، لكنه سبَقَها بمقطع صوتي مفتوح، في (34) موضعاً، واجتمعَ المقطعان معاً في (10) مواضع، ويُعادلُ ذلك ما ينوفُ قليلاً على نصفِ عدد المواضع، في حين استأثرت بقيةُ المواضعِ كلها بما يُخالفُ ذلك الفرض، مما يجعلهُ فرضاً غير ذي قيمةٍ إحصائية في تعليلِ هذا الاستكراه.
مثال ذلك قوله:
صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا**وَعَناهُمْ (مِنْ شَأنِهِ) ما عَنانا
وقوله:
عِش عَزيزاً (أَوْ مُت وَأَنْـ)ـتَ كَريمٌ**بَينَ طَعنِ القَنا وَخَفقِ البُنودِ
وقوله:
أَنتَ أَعلى مَحَلَّةً أَن تُهَنّى**بِمَكانٍ (في الأَرضِ أَو) في السَماءِ
وَبِمِسكٍ (يُكنى بِهِ) لَيسَ بِالمِسْـ**ـكِ وَلَكِنَّهُ أَريجُ الثَناءِ
وقوله:
كُلّ خُمصانَةٍ أَرَقَّ مِنَ الخَمـ**ـرِ بِقَلبٍ (أَقسى مِنَ الـ)ـجُلمودِ
حالِكٍ كَالغُدافِ جَثْلٍ دَجُوجِيـْ**ـيٍ أَثِيثٍ (جَعْدٍ بِلا) تَجعيدِ
وقوله:
وَكَثيرٌ مِنَ السُؤالِ اِشتِياقٌ**َوكَثيرٌ (مِنْ رَدِّهِ) تَعليلُ
*لِيبقى ما افترضناهُ نحنُ، من تجنُّبِ الشعراء -سليقةً- وَصْلَ نهايةِ (فاعلاتن) ببداية (مستفعلن) بكلمةٍ واحدة، والمحافظةِ على الفصلِ بينهما، لتحقيق (وقفةٍ وهميةٍ) بين ميزانَي التفعيلتين، هو الفيصل الصحيح في تعليلِ هذه المسألة.
والله تعالى أعلم
المصدر
