هل يقرأ أطفال العرب قريبًا بلهجاتهم المحلية؟
ليلى فاميليار
في شهر أكتوبر الماضي ظهرت تغريدة على حساب جائزة اتصالات لكتاب الطفل، تطرح فكرة ما إذا كان علينا أن نكتب أدب الأطفال بالفصحى أم باللهجات المحلية؟ ورغم جرأة السؤال، إلا أنّ من كتب التغريدة يميل بوضوح إلى تفضيل الفصحى، كونها "فضاء يفهمه الجميع في كل البلدان العربية". التغريدة لم تنتهِ هنا، بل ختمت بسؤال آخر - يبدو بريئاً أول الأمر - مفاده "هل تفضّل القراءة بالفصحى أم بالعامية؟".
فلنبدأ بالإجابة عن السؤال الأخير: لم أعثر على استبيانات رسمية صادرة عن مؤسسات حكومية أو أهلية حول العادات القرائية في العالم العربي، ولكن إذا استندنا إلى إصدارات دور النشر الكُبرى التي نراها في معارض الكتاب العربية، واستمعنا إلى المناقشات التي تدور في الفضاءات العامة، فسوف يبدو لنا أنّ القارئ العربي الراشد يفضّل القراءة بالفصحى.
ماذا عن الطفل العربي؟ أيقرأ هو الآخر بالفصحى؟ وهل لديه حرية اختيار النشأة على قصص مكتوبة بالعامية إن أراد ذلك؟
ولكن ماذا عن الطفل العربي؟ أيقرأ هو الآخر بالفصحى؟ وهل لديه حرية اختيار النشأة على قصص مكتوبة بالعامية إن أراد ذلك؟ الإجابة بديهية، فليس بمقدور الطفل أن يختار أو يميّز شيئاً من هذا القبيل في طفولته المبكّرة، بل هناك مَن يقرّر مصيره، من آباء ومعلّمين ومقرّرات دراسية ومناهج تدريسية. فما هو هذا المصير؟
يبدو من التغريدة أن تنشئة الطفل العربي على القراءة بالفصحى تهدف إلى تربية جيل قادر على التواصل مع أشقائه العرب، وقراءة أيّ منتج أدبي وفكري صادر في الوطن العربي، كون الفصحى هي اللغة التي يشترك فيها جميع من تلقّى قدراً لا بأس به من التعليم. ولكن المفارقة هي أنّ المؤسّسات التعليمية لم تنجح في تحقيق هذه الأهداف النبيلة لأسباب عديدة، نذكر منها الآن ضعف مقرّرات اللغة العربية ومحتواها الثقافي، وعدم قدرتها على جذب اهتمام الطلبة، إضافة إلى غياب التدريب المهنيّ المُستدام الذي يؤهّل المعلّمين ويُكسبهم المهارات التعليمية الفعّالة، هذا إن أردنا استخدام لغة حياديّة لوصف ما يحدث.
لأنّ الحقيقة هي أنّ مناهج اللغة العربية المستخدمة اليوم لا علاقة لها بالواقع الذي يعيشه الطالب ولا باهتماماته، بل هي مليئة بنصوص بالية ومملّة لا تحفّز على حب اللغة العربية، ويقوم بتدريسها – في أحيان كثيرة - معلّمون ينتهجون أساليب تلقين اعتدنا عليها منذ عقود، ولعّلها موروثة مِن قرون.
واقع يصعب إنكاره
لم تنجح المؤسّسات التعليمية في تحقيق تنشئة الطفل العربي على القراءة بالفصحى
هذا الواقع التعليمي - الذي يصعب إنكاره بالأدلّة - يرسّخ نفور العرب من لغتهم العربية الفصحى، ويساهم في شعور جيل الشباب بالخوف والقلق عند الاستماع إليها أو الحديث بها، كما تخبرنا الباحثة المصرية زينب إبراهيم، في دراسة قامت بها عام 2011 اشتملت على أكثر من ألفي طالب جامعي من قطر ومصر. نتائج الاستبيانات - التي أشرفت عليها هذه الباحثة المعروفة - خلصت إلى أنّ الشباب العرب يعانون من تخبّط في المشاعر تجاه الفصحى ولهجتهم الأم. فمن ناحية لا يفهم الشباب جيداً طبيعة العلاقة القائمة بين هذين المستويين من اللغة؛ فهم يعتقدون أن مصطلح "اللغة العربية" يشير فقط إلى الفصحى، وأنّ اللهجات، بالتالي، ليست إلّا نتاجاً مشوَّهاً عن العربية، ومشوِّهاً لها أيضاً. ومن ناحية أخرى، تُظهِر الدراسة أن الجيل المتعلّم يشعر بارتياح أكبر عند التحدّث بلغة أجنبية - مقارنة بالفصحى – لدرجة أنّ عندما سُئلوا بشأن إحساسهم عند التحدّث بالفصحى، أجاب 78% من الشباب بأنـهم يشعرون بتوتّر وخوف وخجل وقلق، مقابل 22% فقط من الشباب الذين يشعرون بالراحة عند التحدّث بها.
المصدر
ليلى فاميليار
في شهر أكتوبر الماضي ظهرت تغريدة على حساب جائزة اتصالات لكتاب الطفل، تطرح فكرة ما إذا كان علينا أن نكتب أدب الأطفال بالفصحى أم باللهجات المحلية؟ ورغم جرأة السؤال، إلا أنّ من كتب التغريدة يميل بوضوح إلى تفضيل الفصحى، كونها "فضاء يفهمه الجميع في كل البلدان العربية". التغريدة لم تنتهِ هنا، بل ختمت بسؤال آخر - يبدو بريئاً أول الأمر - مفاده "هل تفضّل القراءة بالفصحى أم بالعامية؟".
فلنبدأ بالإجابة عن السؤال الأخير: لم أعثر على استبيانات رسمية صادرة عن مؤسسات حكومية أو أهلية حول العادات القرائية في العالم العربي، ولكن إذا استندنا إلى إصدارات دور النشر الكُبرى التي نراها في معارض الكتاب العربية، واستمعنا إلى المناقشات التي تدور في الفضاءات العامة، فسوف يبدو لنا أنّ القارئ العربي الراشد يفضّل القراءة بالفصحى.
ماذا عن الطفل العربي؟ أيقرأ هو الآخر بالفصحى؟ وهل لديه حرية اختيار النشأة على قصص مكتوبة بالعامية إن أراد ذلك؟
ولكن ماذا عن الطفل العربي؟ أيقرأ هو الآخر بالفصحى؟ وهل لديه حرية اختيار النشأة على قصص مكتوبة بالعامية إن أراد ذلك؟ الإجابة بديهية، فليس بمقدور الطفل أن يختار أو يميّز شيئاً من هذا القبيل في طفولته المبكّرة، بل هناك مَن يقرّر مصيره، من آباء ومعلّمين ومقرّرات دراسية ومناهج تدريسية. فما هو هذا المصير؟
يبدو من التغريدة أن تنشئة الطفل العربي على القراءة بالفصحى تهدف إلى تربية جيل قادر على التواصل مع أشقائه العرب، وقراءة أيّ منتج أدبي وفكري صادر في الوطن العربي، كون الفصحى هي اللغة التي يشترك فيها جميع من تلقّى قدراً لا بأس به من التعليم. ولكن المفارقة هي أنّ المؤسّسات التعليمية لم تنجح في تحقيق هذه الأهداف النبيلة لأسباب عديدة، نذكر منها الآن ضعف مقرّرات اللغة العربية ومحتواها الثقافي، وعدم قدرتها على جذب اهتمام الطلبة، إضافة إلى غياب التدريب المهنيّ المُستدام الذي يؤهّل المعلّمين ويُكسبهم المهارات التعليمية الفعّالة، هذا إن أردنا استخدام لغة حياديّة لوصف ما يحدث.
لأنّ الحقيقة هي أنّ مناهج اللغة العربية المستخدمة اليوم لا علاقة لها بالواقع الذي يعيشه الطالب ولا باهتماماته، بل هي مليئة بنصوص بالية ومملّة لا تحفّز على حب اللغة العربية، ويقوم بتدريسها – في أحيان كثيرة - معلّمون ينتهجون أساليب تلقين اعتدنا عليها منذ عقود، ولعّلها موروثة مِن قرون.
واقع يصعب إنكاره
لم تنجح المؤسّسات التعليمية في تحقيق تنشئة الطفل العربي على القراءة بالفصحى
هذا الواقع التعليمي - الذي يصعب إنكاره بالأدلّة - يرسّخ نفور العرب من لغتهم العربية الفصحى، ويساهم في شعور جيل الشباب بالخوف والقلق عند الاستماع إليها أو الحديث بها، كما تخبرنا الباحثة المصرية زينب إبراهيم، في دراسة قامت بها عام 2011 اشتملت على أكثر من ألفي طالب جامعي من قطر ومصر. نتائج الاستبيانات - التي أشرفت عليها هذه الباحثة المعروفة - خلصت إلى أنّ الشباب العرب يعانون من تخبّط في المشاعر تجاه الفصحى ولهجتهم الأم. فمن ناحية لا يفهم الشباب جيداً طبيعة العلاقة القائمة بين هذين المستويين من اللغة؛ فهم يعتقدون أن مصطلح "اللغة العربية" يشير فقط إلى الفصحى، وأنّ اللهجات، بالتالي، ليست إلّا نتاجاً مشوَّهاً عن العربية، ومشوِّهاً لها أيضاً. ومن ناحية أخرى، تُظهِر الدراسة أن الجيل المتعلّم يشعر بارتياح أكبر عند التحدّث بلغة أجنبية - مقارنة بالفصحى – لدرجة أنّ عندما سُئلوا بشأن إحساسهم عند التحدّث بالفصحى، أجاب 78% من الشباب بأنـهم يشعرون بتوتّر وخوف وخجل وقلق، مقابل 22% فقط من الشباب الذين يشعرون بالراحة عند التحدّث بها.
المصدر
