دَواهي العَرَبِ

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    دَواهي العَرَبِ

    دَواهي العَرَبِ
    د. مصطفى شعبان



    يَبْدو أنَّ العربَ مُنْذُ غَوابَرِ العصور قَوْمٌ قَدْ مُنُوا بالدَّواهي الشديدة، والرزايا العتيدة حتى تكاثرتْ عندهم تعبيرات الدلالة عَنْ تَوَقُّعِ الدَّواهي أو وُقوعها أو وَقْعِها على النفوس، إلى الحدِّ الذي جعل لها عندهم مُعْجمًا فريدًا مِنَ الأسماء المفردة والمجموعة والمثناة، والكُنى والألقاب والمسكوكات والقوالب.
    فسَمَّوها بأسماءٍ مفردة فقالوا: جاء فلان بالسلتم، وبالقنطر، بالعنقفير، وبالدردبيس، وبالطلاطلة، وبأم حبكوري، وبالضئيل، وبالأزَبّ، وبالفلق، وبالفَليقة، وبالخنفقيق، وبالهاريس، وبالنئطل...، وكذلك هي عندهم: باقِعَةٌ، ولُهَيْم، ودُهَيْم، ودُهَيْماء، ورُقَيْطاء، وصَمَام، ودارَة، ومنه: دارَ الدَّهْرُ بِدَوائِرِهِ، والوَهْيَة، ومِنْهُ قولهم: غادَرَ وَهْيَةً لا تُرْقَعُ، أي: فَتَقَ فَتْقًا لا رَتْقَ له.
    وسمَّوْها بأسماء جمعٍ فقالوا: الأقْوَرِين، الأثْجَلِيَنِ، والفَتَكْرِينَ، والبُرَحِينَ، والبُلَغِينَ،...، على عادتهم في جمع أسماء الدواهي على هذا الوجه للتأكيد وللتهويل والتعظيم،...، وطَفِقوا يَخْصِفونَ عَلَيها مِنْ حَديد الكُنى وجليدِ الألقاب ليخلعوا عليها صبغة اجتماع أصل كل شَرٍّ فيها فقالوا: أُمُّ الرُّبَيْقِ، وأمُّ جُنْدُبٍ، وأمُّ قَشْعَمٍ، وأمُّ خُشافٍ، وأمُّ خَنْشَفيرٍ، وأمُّ الرُّقوبِ، وأمُّ طَبَقٍ، وأُمُّ اللُّهَيْمِ...، ومنه قولهم: أَتَتْ عَلَيْهِ أُمُّ اللُّهَيْمِ، أي: أهلكته الداهية.
    وصَنعوا لها أوصافًا غاليةً في الشِّدَّةِ عالِيَةً في الوَقْعِ فقالوا: داهية دَهْياء، وزَبَّاءُ، وبَزْلاءُ، ورَقِم رَقْمَاء...، وجعلوها بناتٍ ونسبوها إلى آباءٍ فقالوا: بَنات بَرْحٍ، وبَنَات طَمَارٍ، وبَنات طَبَقٍ، وابنَة الجَبَلِ،...
    والأشدُّ وَقْعًا والأبعَدُ أثرًا تلك المسكوكات البديعة التي تحمل من المعاني ويتراكم فيها من الدلالات ما يعجَبُ له القارئ والسامِعُ والقاعِدُ والقائِمُ، ومِنْ تلك العبارات المسكوكة المضروبةً مثلًا في الدواهي على تدرُّجِ شِدَّتِها وتفاوُتِ إصابتها لِعَيْنِ المعنى قولهم:

    "جَاءَ بِمُطْفِئَةِ الرَّضْفِ".

    أي جاءَ بأمر أشدَّ مما مضى، وأصل الرَّضْفِ الحجارةُ المُحْمَاة، أي جاء بداهية أنْسَتْنا التي قبلها فأطفأت حرارتها. وهو مَثَلٌ يضرب في الأمور العِظامِ. وفي حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه حين ذكر الفِتَنَ فقال: «أَتَتْكُمُ الْفِتَنُ تَرْمِي بِالنَّشَفِ، والتي تليها تَرْمِي بِالرَّضْفِ، ثُمَّ أَتَتْكُمْ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً».
    ورُوِيَ هذا المَثَلُ: "حَدَسَ لَهُمْ بمُطْفِئَةِ الرَّضْفِ"، يقال: حَدَسَ بالشاة، إذا أضجعها على جنبها ليذبحها، أي: ذَبَحَ لهم شاة مهزولة تُطْفئ النار ولا تَنْضَج، وقيل: تطفئ الرَّضْفَة من سِمَنها، فهي شاةُ شَؤُومٌ في كل حال تُطْفِئُ الحِجارَةَ المُحماةَ بِهُزالِها أو بِسِمَنِها فلا طائل منها يُؤْتى ولا خيرَ فيها يُرجى.

    "رَماهُ بِثالِثَةِ الأثافِي".
    ومِنْ جَميل الأمثال المضروبة في الداهِيَةِ قولهم: "رَماهُ بِثالِثَةِ الأثافِي". والأثافي على زِنَةِ "أغاني" جمعًا وإفرادًا تخفيفًا وتشديدًا، جمع أُثْفِيَّةِ وهي القطعة من الجبل يجعل إلى جنبها حجران وينصب عليها القدر. ويُراد بها: الدّاهية المُطْبِقَةٍ التي لا نجاةَ منها ولا مَفَرَّ مِنْ لَسْعَتِها، ومثْلُهُ ما يقولوه المصريون: التالتة تابتة، وأصلها: الثَّالِثَةُ بَاتَّةٌ، أي قاطِعَةٌ باتِرَةُ قَطيعةَ الطلاقِ الباتِّ الذي تَبينُ مِنْهُ المرأةُ بَيْنونَةً كُبرى.

    "بَعْدَ اللَّتَيَّا والَّتي".
    وقالتِ العربُ: "بَعْدَ اللَّتَيَّا والَّتي". ضربوا ذلك مَثلًا في الأمر يَمْلُصُ مِنْهُ صاحبهُ بعد ما كاد يهلك. أو يقال ذلك للرجل إذا وصل بعد ما لقي صغيرَ المكاره وكبيرَها، وهُما من أسماء الداهية، و"اللتيّا" تصغير "التي" عَبَّروا بهما عن الداهية الكبيرة والصغيرة، وكَنَى عن الكبيرة بلفظ التصغير تشبيهًا بالحَيَّةِ، فإنها إذا كَثُرَ سَمُّها صَغُرَتْ؛ لأنَّ السَّمَّ يأكلَ جَسَدها، وقيل: الأصل فيه أنَّ رجلًا من جَدِيس تزوج امرأة قصيرة، فقاسى منها الشدائد، وكان يعبر عنها بالتصغير، فتزوج امرأة طويلة، فقاسى منها ضعف ما قاسى من الصغيرة، فطلقها، وقال: بعد اللَّتَيَّا والَّتِي لا أتزوج أبدًا، فجرى ذلك على الداهية، وقيل: إن العرب تصغِّر الشيء العظيم، كالدُّهَيْم والُّلهَيْم، وذلك منهم رَمْز.

    "جَاءَ بأُمَّ الرُّبَيْقِ عَلَى أُرَيْقٍ".
    وأم الرُّبَيْقِ أصلُها مِنَ الحَيَّاتِ، وهُوَ تعبيرٌ مستوحًى مِنْ طبيعَةِ الحَيَّةِ التي تلتفَّ حولَ فريستها وتُحيط بِها وتَدُور بها كالرِّبقْةَ، يُقالُ: ورَبَقْتُ فلانًا في هذا الأمر، أي أوقعته فيه حتى ارْتَبَقَ وارْتَبَكَ، فكأن أم الربيق داهية تحيط وتدور بالناس حتى يرتبقوا ويرتبكوا فيها، وأما أُرَيْق فأصله وُرَيْق تصغير أَوْرَق مُرَخَّما، وهو الجمل الذي لونُه لونُ الرمادِ.

    "قَدْ طرًّقَتْ بِبِكْرِهَا أُمُّ طَبَقٍ".
    يُضرب مَثَلًا للأمر الذي لا مَخْلَصَ منه. وأم طبق: السُّلْحَفَاة، وهي اسم للداهية كما مَرَّ آنِفًا. والتطريق: أن يَنْشَبَ الولَدُ في البطن فلا يَسْهُلُ خروجه، والبكر: أول ما يولد، وهو تشبيه لطيف شبَّهَ الداهية التي تُحيط بصاحبها من كل جانبٍ بالولدَ المحبوس في رَحِمِ السُّلَحْفاةِ يُقاسي ألَمَ مخاضِ الحَمْلِ وضِيقَ رَحِمِ الحامِلِ، فهل إلى خُروجٍ مِنْ سبيلٍ؟!
    ويروى "طَرَقَتْ" بالتخفيف من قولهم "طَرَقْتُه" إذا أتَيْتُهُ ليلًا، يعني أتت الداهية لَيْلًا بأمرٍ لم يُعْهَدْ مِثْلُهُ صُعوبَةً.

    "إنَّ الدَّوَاهِيَ في الآفاتِ تَهْتَرِس".
    ومِنَ التعبيرات التي صَرَّحوا فيها بلفظ "الدَّواهي" قولهم: "إنَّ الدَّوَاهِيَ في الآفاتِ تَهْتَرِس". ويروى "تَرْتَهِس" وهو مقلوبُ: "تَهْتَرِس" مِنَ الهَرْسِ، وهو الدقّ، يعني أن الآفات يموج بعضها في بعض ويدق بعضها بعضًا كثرةً، ويَضْرِبُونَهُ مثلًا عند اشتداد الزمان واضطراب الفتن. وفي معناه مقولة ويليام شكسبير: "إنَّ المصائب لا تأتي فُرادى"، وقول أحمد شوقي:
    فَإِن يَكُ الجِنسُ يا ابْنَ الطَلحِ فَرَّقَنا***إِنَّ المَصائِبَ يَجمَعْنَ المُصابينا

    "وَاحِدَةٌ جَاءَتْ مِنَ السَّبْعِ المِعَرِ".
    وربما تخففوا من ثِقَلِ العبارةِ بما يحمل للمُصابِ بالداهيَةِ لَوْمًا وتِبْكيتًا ومواساةً في الوقت نفسه، فقالوا: "وَاحِدَةٌ جَاءَتْ مِنَ السَّبْعِ المِعَرِ". والمِعَرُ جَمْعُ الأمعَرُ: وهو العاري من الشعر الذي يُغَطَّي الجسد، أي داهية واحدة جاءت من الدواهي السبع الظاهرة، يضرب لمن حُذِّر فلم يَحْذر ثم نُكِب بِما خِيفَ عليه، وهو لَوْمٌ ومواساةٌ معًا، لَوْمٌ لأنه لم يأخُذْ حِذْرَهُ ولم يَسْتَمِعْ لنصيحة ناصحه، ومواساةٌ في أنها واحِدةُ السَّبْعِ وليستَ كُلَّها.

    ورُبَّما أرادوا بالدَّاهية الرَّجُلَ الذَّكِيَّ الدَّهِيَّ ذا الحيلَةِ والرَّأْيِ، ومِمَّا ضَرَبوه مَثلًا في ذلك:
    "إنَّهُ لَدَاهِيَةُ الغَبَرِ".
    والغَبَر الداهية العظيمة التي لا يُهْتَدَى لها ولا يَعْجِزُ عمَّا عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهُ، ومنه قَوْلُ الحِرْمَازِيِّ:
    أنْتَ لها مُنْذِرُ مِنْ بيْنِ البَشَرْ *** داهية الدَّهْر وَصَمَّاء الغَبَرْ
    أنْتَ لها إذا عَجَزَتْ عَنْهَا مُضَرْ.

    "إِنّهُ لَزَحَّارٌ بِالدَّوَاهِي".

    وضَرَبَوا بقولهم: "إِنّهُ لَزَحَّارٌ بِالدَّوَاهِي" للرجل يولِّد الرأيَ والحيلَ حتى يأتي بالداهية.

    "إِنَّهُ لَعُضْلَةٌ مِنَ الْعُضَلِ".
    أي دَاهِية من الدواهي، وأصله من العَضْل، وهو اللحم الشديد المكتنز.

    "إنَّهُ باقِعَةٌ مِنَ الْبَوَاقِعِ".
    أي داهية من الدواهي، يضرب للرجل فيه دَهَاء ونُكْر. وأصلُه من البَقَع، وهو اختلاف اللون، ومنه الغراب الأبْقَع وقالوا: سَنَةٌ بَقْعَاء فيها خِصْب وجَدْب، فسمَّوا الرجل الداهي باقعة، لأنه يؤثر في كل ما يقصد ويتولَّى، والباقعة: الداهية نفسها أمر يلصق حتى يُرَى أثره.

    "طَعَنَ فُلاَنٌ فُلانًا الأثْجَلَيْنِ ".
    ضَرَبوهُ مثلًا في الرَّجُلِ الغَليظِ الصَّلِفِ إذا رمى غَيْرَهُ بداهية مِنَ الكلام، و" الأثْجَلَيْنِ" تثنية "الثُّجْلَة"، وهِيَ عِظَمُ البطنِ وسَعَته.

    ومع تعدد صروف الكلام وصنوف البلاغ الذي يُعبِّرُ به المَثَلُ العربيُّ عن اشتداد الداهيةِ وادلِهْمامِها وإبداع العربي في سَبْكِ أنسب تعبير لكل واقعة وأصدق مثال لكل حادثة، فإنهم لم يكونوا دونَ ذلك كذلك في التعبير عن انفراج الداهية وارتفاعها وزوال الكُربة وانكشافها فقالوا:
    "تَهْوِي الدَّوَاهِي حَوْلَهُ وَيَسْلَمُ".
    وهو خَيْرُ ما سَمِعْتُ فيما يُضْرَبُ لِمَنْ يُخَلَّصُ مِنْ مَكْروهٍ وهو بين أَظْفارِهِ، ويَسْلَمُ مِنْ ضَرَرٍ وهو في حِضنه، ويَنْجو بِمفازَتِهِ بَعْدَ هلاكٍ مُحَقَّقٍ.

    وقالوا: "تَشَدَّدِي تَنْفَرِجِي".
    وخطابهم هنا موجَّهُ شَطْرَ الداهية؛ أي تَنَاهَيْ أَيَّتُها الدّاهِيةُ في العِظَمِ وتَمَادَيْ في الشِّدَّةِ تَذْهَبي ولو بَعْدَ حينٍ. ويُرْوَى: "اشْتَدِّى أَزْمَةُ تَنْفَرِجي" والأزمة الضّيق والشدة، وأَصله مِنْ: سَنَةٍ أزُومٌ أَي عَضوضٌ، فالأَزْمُ: شِدَّةُ العَضِّ بالفَمِ كُلِّهِ، والأَزْمَةُ: الشِّدَّةُ والقَحْطُ، يقال: أصابتهم سَنَةٌ أَزَمَتْهُمْ أَزْمًا، أي اسْتَأْصَلَتْهُمْ، وأَزِمَ الدَّهْرُ، أي: اشتدَّ وقَلَّ خَيْرُهُ.
    يُضْرَبُ عند اشتداد الأمر، وطولِ البَلِيَّةِ التي انطبقت من كل جانب وضاقَتْ على أصحابها الأرْضُ بما رَحُبَتْ وضاقَتْ عليهم أنْفُسُهُم وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ حتى جاءَ أمر الله بالبِشارَةِ والبُشْرى بَعْدَ طول صَبْرٍ وانتظار.

    فاشْتَدِّى أَزْمَةُ تَنْفَرِجي!

يعمل...