#شيء_من_اللغة:
من (الظالمين) إلى (القرابين)
د. هادي حسن حمّودي
أشار بعض الأفاضل الكرام إلى الآية (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) تعقيبا على ما قلناه بشأن الآية (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) من أن العهد هو الفاعل، لأن (الظالمين) لا يمكن أن يكون فاعلا، فالظالم لا يسعى للحصول على عهد الله، ولو سعى للحصول عليه لما كان ظالما إذ سيتوفق له. وذكرنا على ذلك شواهد من التنزيل العزيز، ومن كلام العرب. فكأن المعنى: لن ينال عهدُ الله الظالمين، لأن من المستحيل أن يصل إليهم، بسبب كونهم ظالمين لا يسعَون للحصول عليه.
أما الآية (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) فشأنها مختلف. وتعال معي إلى ميسور من القول بشأنها:
هل يجرؤ أحد على القول إنّ لفظ الجلالة فاعل لأنه هو الذي يسعى للحصول على تلك اللحوم (القرابين)؟ كلا بطبيعة الحال، وبحكم القرآن نفسه. فإن تلك الذبائح إنّما يُراد منها الوصول إلى الله تعالى أي أن (تنال رضاه) لا لأنه تعالى يسعى إليها كي ينالها. فهي الفاعل لا المفعول.
وبحكم القرآن فإنها، على الرغم من كونها مما فُرض عليهم، لن تصل إليه، بل تصل إليه التقوى منهم. كما في الآية: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). لذلك لم تُقبل من المشركين (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
وبحكم القرآن علينا - إضافة إلى ذلك - أنْ نفهم أنّ الأفعال حين تكون من البشر هي غير الأفعال التي تنسب إلى الله من حيث الكيفية والدلالة على الرغم من وحدة اللفظ، كما في: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ). فهو يأخذ الصدقات ولكن لا كما يأخذها الناس. ومثلها عدة من الآيات مثل (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) فشكرهم، بدقيق معناه ولوازمه، يصل إليه تعالى. وهذا من أوضح الواضحات في الفلسفة القرآنية للأجر والثواب وحسن الجزاء وكيفية ذلك كله.
فيبقى عهدُ الله فاعلا و(الظالمين) مفعولا.
وتبقى اللحوم (القرابين، والنذور وغيرها) فاعلا يسعى للحصول على رضوان الله.
والله أعلم.
المصدر
من (الظالمين) إلى (القرابين)
د. هادي حسن حمّودي
أشار بعض الأفاضل الكرام إلى الآية (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) تعقيبا على ما قلناه بشأن الآية (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) من أن العهد هو الفاعل، لأن (الظالمين) لا يمكن أن يكون فاعلا، فالظالم لا يسعى للحصول على عهد الله، ولو سعى للحصول عليه لما كان ظالما إذ سيتوفق له. وذكرنا على ذلك شواهد من التنزيل العزيز، ومن كلام العرب. فكأن المعنى: لن ينال عهدُ الله الظالمين، لأن من المستحيل أن يصل إليهم، بسبب كونهم ظالمين لا يسعَون للحصول عليه.
أما الآية (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) فشأنها مختلف. وتعال معي إلى ميسور من القول بشأنها:
هل يجرؤ أحد على القول إنّ لفظ الجلالة فاعل لأنه هو الذي يسعى للحصول على تلك اللحوم (القرابين)؟ كلا بطبيعة الحال، وبحكم القرآن نفسه. فإن تلك الذبائح إنّما يُراد منها الوصول إلى الله تعالى أي أن (تنال رضاه) لا لأنه تعالى يسعى إليها كي ينالها. فهي الفاعل لا المفعول.
وبحكم القرآن فإنها، على الرغم من كونها مما فُرض عليهم، لن تصل إليه، بل تصل إليه التقوى منهم. كما في الآية: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). لذلك لم تُقبل من المشركين (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
وبحكم القرآن علينا - إضافة إلى ذلك - أنْ نفهم أنّ الأفعال حين تكون من البشر هي غير الأفعال التي تنسب إلى الله من حيث الكيفية والدلالة على الرغم من وحدة اللفظ، كما في: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ). فهو يأخذ الصدقات ولكن لا كما يأخذها الناس. ومثلها عدة من الآيات مثل (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) فشكرهم، بدقيق معناه ولوازمه، يصل إليه تعالى. وهذا من أوضح الواضحات في الفلسفة القرآنية للأجر والثواب وحسن الجزاء وكيفية ذلك كله.
فيبقى عهدُ الله فاعلا و(الظالمين) مفعولا.
وتبقى اللحوم (القرابين، والنذور وغيرها) فاعلا يسعى للحصول على رضوان الله.
والله أعلم.
المصدر
