خطر الشعر الطللي أو شعر المقدمات الطللية
ودلالاتها النفسية والاجتماعية
أ.د. عبدالرحمن بودرع
ما زالَ الشعرُ العربيُّ، ولا يَزالُ، مصدرَ إلهامٍ ومَنبَعَ علمٍ ومَعرفةٍ، وفيه يَتَبدّى التاريخُ الطّبيعيُّ لأقوامٍ لامَسَتْهُم نَفحاتُه وتغَلْغلَتْ في أعماقِهم رِياحُه؛ فلم يَكنْ من العَبَثِ أن يَستنطِقَ الشعراءُ الأطلالَ الدوارِسَ وأن يسألُوا الديارَ العَجْماءَ ويُنكروا عليها صَمتَها، وهُم قومٌ لا تُخطئُ عُيونُهُم ولا قُلوبُهم آثارَها وإن عَلاها البِلى، كما أنشدَ عَديُّ بنُ الرِّقاعِ العامليّ وهو يَمدحُ الوليدَ:
عَرفَ الديارَ تَوهُّماً فاعتادَها * مِن بَعدِ ما شَملَ البِلى أبْلادَها
ولَرُبَّ واضحةِ العَوارضِ طفلةٍ * كَالرّيمِ قد ضربَتْ بها أوْتادها
وليسَ توهُّمًا عَبثًا ولا ادِّعاءً ولكنّه تَخيُّلٌ مُبصِرٌ واستردادٌ غيرُ مُخطِئٍ ولا مُبالَغٍ فيه. فهي ذاتُ هَيْبَةٍ ومَحبَّةٍ ووقارٍ، وتستحقُّ التّحيّة بالأمر المُحبِّبِ، كما أنشَدَ الشاعرُ [أنشدَ عَمرو بنُ أبي عمرو لابن المولى وكان يستحسنها] آمِراً أمْرَ تَحبيبٍ وتَرغيبٍ:
حَيِّ المَنازلَ قَد بَلينا * أقْوَيْنَ عَن مَر السِّنينا
وسَلِ الدِّيارَ لعَلَّها * تُخبِرْكَ عَن أمِّ البَنينا
يستلهمُ الشعراءُ مَعالمَ الأطلالِ ويستمدّونَ منها الشوقَ والحُبَّ والحَنينَ وتسكنُ إليها نُفوسُهم، كما أنشدَ الكُميتُ [في مَدحِه مخلدَ بنَ يزيدَ بنِ المهلب والِيَ خُراسانَ]:
هَلّا سألتَ مَعالمَ الأطلالِ * والرسمَ بَعدَ تَقادُمِ الأحوالِ
دِمَناً تَهيجُ رسومُها بَعدَ البِلى * طَرَبًا وكيف سُؤالُ أعجمَ بال
يَمشينَ مَشيَ قَطا البِطاحِ تأوُّداً *** قُبَّ البُطونِ رَواجح الأكفالِ
بل كانوا يَروْنَ فيها - وهم يَمرّونَ بها - أطيافًا لأشخاصٍ سادوا ثُمَّ قَضَوْا، وأحداثًا طرأت ثُمَّ تَبَدَّدَت، ولكنها ما زالَت حيّةً جذعةً ترقصُ بين ناظِرَيْهم ولا تفترُ عن الحركَة والتَّبدّي بعد الاختفاءِ، وليسَ الذي تَخيّلوه وَهْمًا أدبيًّا ولا سَردًا متماديًا في الخَيالِ ومَفازةً لا يَهتدي فيها مَن دَخَلَها.
ــــــــ
ملحوظة:
تَغنى بالأطلالِ والرسوم الدوارسِ الشعراءُ الجاهليونَ مُعاينةً، والأمويونَ تيمُّنًا، والعباسيونَ اتباعًا وتَقليدًا، وظلَّ ذلك حاضرًا في الذهن والقلبِ مستقرًّا لا تذهَبُ به عَوارضُ الحياةِ...
المصدر
ودلالاتها النفسية والاجتماعية
أ.د. عبدالرحمن بودرع
ما زالَ الشعرُ العربيُّ، ولا يَزالُ، مصدرَ إلهامٍ ومَنبَعَ علمٍ ومَعرفةٍ، وفيه يَتَبدّى التاريخُ الطّبيعيُّ لأقوامٍ لامَسَتْهُم نَفحاتُه وتغَلْغلَتْ في أعماقِهم رِياحُه؛ فلم يَكنْ من العَبَثِ أن يَستنطِقَ الشعراءُ الأطلالَ الدوارِسَ وأن يسألُوا الديارَ العَجْماءَ ويُنكروا عليها صَمتَها، وهُم قومٌ لا تُخطئُ عُيونُهُم ولا قُلوبُهم آثارَها وإن عَلاها البِلى، كما أنشدَ عَديُّ بنُ الرِّقاعِ العامليّ وهو يَمدحُ الوليدَ:
عَرفَ الديارَ تَوهُّماً فاعتادَها * مِن بَعدِ ما شَملَ البِلى أبْلادَها
ولَرُبَّ واضحةِ العَوارضِ طفلةٍ * كَالرّيمِ قد ضربَتْ بها أوْتادها
وليسَ توهُّمًا عَبثًا ولا ادِّعاءً ولكنّه تَخيُّلٌ مُبصِرٌ واستردادٌ غيرُ مُخطِئٍ ولا مُبالَغٍ فيه. فهي ذاتُ هَيْبَةٍ ومَحبَّةٍ ووقارٍ، وتستحقُّ التّحيّة بالأمر المُحبِّبِ، كما أنشَدَ الشاعرُ [أنشدَ عَمرو بنُ أبي عمرو لابن المولى وكان يستحسنها] آمِراً أمْرَ تَحبيبٍ وتَرغيبٍ:
حَيِّ المَنازلَ قَد بَلينا * أقْوَيْنَ عَن مَر السِّنينا
وسَلِ الدِّيارَ لعَلَّها * تُخبِرْكَ عَن أمِّ البَنينا
يستلهمُ الشعراءُ مَعالمَ الأطلالِ ويستمدّونَ منها الشوقَ والحُبَّ والحَنينَ وتسكنُ إليها نُفوسُهم، كما أنشدَ الكُميتُ [في مَدحِه مخلدَ بنَ يزيدَ بنِ المهلب والِيَ خُراسانَ]:
هَلّا سألتَ مَعالمَ الأطلالِ * والرسمَ بَعدَ تَقادُمِ الأحوالِ
دِمَناً تَهيجُ رسومُها بَعدَ البِلى * طَرَبًا وكيف سُؤالُ أعجمَ بال
يَمشينَ مَشيَ قَطا البِطاحِ تأوُّداً *** قُبَّ البُطونِ رَواجح الأكفالِ
بل كانوا يَروْنَ فيها - وهم يَمرّونَ بها - أطيافًا لأشخاصٍ سادوا ثُمَّ قَضَوْا، وأحداثًا طرأت ثُمَّ تَبَدَّدَت، ولكنها ما زالَت حيّةً جذعةً ترقصُ بين ناظِرَيْهم ولا تفترُ عن الحركَة والتَّبدّي بعد الاختفاءِ، وليسَ الذي تَخيّلوه وَهْمًا أدبيًّا ولا سَردًا متماديًا في الخَيالِ ومَفازةً لا يَهتدي فيها مَن دَخَلَها.
ــــــــ
ملحوظة:
تَغنى بالأطلالِ والرسوم الدوارسِ الشعراءُ الجاهليونَ مُعاينةً، والأمويونَ تيمُّنًا، والعباسيونَ اتباعًا وتَقليدًا، وظلَّ ذلك حاضرًا في الذهن والقلبِ مستقرًّا لا تذهَبُ به عَوارضُ الحياةِ...
المصدر
