جمال اللغة العربية وعبقرية الشعر العربي في حداثة لا تنقطع

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    جمال اللغة العربية وعبقرية الشعر العربي في حداثة لا تنقطع

    جمال اللغة العربية وعبقرية الشعر العربي في حداثة لا تنقطع








    أنطوان يزبك




    في مجمل الدراسات الأدبية الحديثة ومقالات عديدة نصادفها، يحكى كثيرا عن شعر حديث وشعر كلاسيكي قديم، وذلك من قبيل المقارنة والمقاربة؛ كما تذكر كلمة حداثة مرارا وتكرارا، في معرض ذكر الشعر وأنواعه، بحسب موقعه في الزمان الكرونولوجي.

    وبرأيي المتواضع جدا، اعتبر أن الشعر العربي هو شعر واحد قائم بذاته في كلّ العصور.

    وهو شعر خالد يبقى حديثا ومتجددا مهما تبدّلت الظروف ومهما تغيّرت أحوال المجتمع لأن هذا الشعر يتحدّى الزمان والمكان ولا أجد في كلّ العلوم التفسيرية الحديثة اللغوية منها والالسنية التفكيكيّة، ما يمكن أن يحاصر الشعر العربي ويدخل إلى عرينه ويدّعي شرحه وتفكيك الغازه، فلا شيء يجعلنا نقترب من القصائد وشرحها سوى جمالها ومحلها من روح وذهن السامع المتلقّي، فإنّ الجمال وحسن الصياغة في تلك القصائد يجعلها وكأنها اقتطعت من فردوس البهاء والعقل المنطقي المكين، ويشمل ذلك كل القصائد قديمها وحديثها، طبعا باستثناء الشعر الهابط والمكرّر والمقلّد الممجوج السطحي والنثر الهذياني الذي يتجاسر أصحابه على إطلاق صفة شعر عليه والتباهي بصفتهم أنهم شعراء؛ وكم من مظالم ترتكب على حساب الشعر !

    الشعر هو شعلة مقدّسة خالدة أضاء أرجاء قصر اللغة العربية المنيف، فيه جمال منقطع النظير وكما أسلفت يشمل ذلك، قديمه وحديثه على حدّ سواء، وفي كل قصيدة وكل بيت نعثر على إشكاليات وتحدّيات ومعان متنوعة، وها هو العباس بن الأحنف يقول:

    «أشكو الذين أذاقوني مودتهم/ حتى إذا أيقظوني بالهوى رقدوا»

    جميل هذا البيت وعذب إلى حدّ كبير ولكن يفسّر بألف طريقة وطريقة ومن جهابذة الأدب وكبار أساتذة اللغة من يصرّ على تفسير واحد، لا غير. ومنهم من يحمّل معانيه تفاسير عديدة، وفي كلّ الأحوال لا يخسر هذا البيت من جماليّته وعذوبته شيئا، ما إذا كان الهوى من أيقظ الشاعر أم أن هؤلاء من أذاقوه مودتهم عادوا ورقدوا بالهوى بعد أن أيقظوه. فالمشاعر هي الأخرى تتعدد وتتنوّع، المودة هي كالحلم الجميل والنوم العذب؛ سيّان ما إذا كنت صاحيا أم نائما فالغبطة حاضرة والتنعّم موجود بحدّة و قوّة من يفرض الجمال على البشاعة والانحدار..

    لا نتوقف عن قراءة القصائد والأبيات ولا نتوقف عن الإعجاب بها، مهما كانت بعيدة في الزمان أو حديثة فروح الحداثة ما هي؟

    إنها لحظة من الشغف الانفعالي الذي تتركه الكلمات منطبعة في الروح والذاكرة والمشاعر، ومن ذلك أذكر بيتين للرائع الشاعر الفذّ شفيق المعلوف:

    «تلك الجذوع التي كنا نيمّمها/ وكان منطبعا في قلبها اسمانا/
    إن كان ألقى ‏بها للنار حاطبها/ فالحبّ عاد بها نارا كما كانا».

    إن شعلة الحب تبقى مستعرة، كما النّار والأسماء المحفورة لعاشقين على جذوع الأشجار؛ في ما لو احترقت فإنها سوف تحترق قربانا على مذبح الحبّ وتخلد في شعلة نار الحب الأبديّة التي تحدث عنها جبران خليل جبران ولامارتين ولورد بايرون ولارمنتوف وشعراء وأدباء كثر...

    وفي قصيدة لا تنفكّ تبهرني كلما قرأتها للشاعر الكبير غازي القصيبي نقرأ:

    «يا طارق الباب رفقا حين تطرقهُ/ فإنه لم يعد في الدار أصحابُ/ تفرقوا في دروبِ الأرض وانتثروا/ كأنه لم يكن انسٌ وأحبـابُ/ ارحم يديك فما في الدار من أحد/ لا ترج ردًّا فأهل الودّ قد راحوا/ ولترحم الدار.. لا توقظ مواجعها/ للدور روحٌ.. كما للناس أرواحُ»

    غازي القصيبي ما أروعه وهو يصف القلوب التي تعاني من هجر الحبيب على طريقة امرئ القيس في؛ قفا نبك من ذكرى حبيب...

    ونقول إن امرئ القيس في زمانه كان حداثيا في شعره في هذه القصيدة بالذات التي تصيب من القلب مقتلا وكذلك غازي القصيبي ففي شعره نجد معالم السوبر حداثة؛ لأن حديث القلوب التي فقد ودّها لا زمان لها البتّة والغياب عن الأحبّة مرير ولا مرارة الحنظل!...

    من المحال تصنيف الشعر، قديمه وحديثه؛ كلّ قصيدة حقيقية تبقى خالدة وحديثة في اللحظة الآنيّة التي تقرأ فيها، حيث المشاعر الداخلية هي من يحدد مدى حداثة هذه القصيدة أو تلك...





    المصدر
يعمل...