#شيء_من_اللغة: "لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا"

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    #شيء_من_اللغة: "لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا"

    #شيء_من_اللغة:

    "لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا"







    د. هادي حسن حمّودي




    وردت في القرآن ثلاث رحلات لذي القرنين:

    * الأولى: إلى مغرب الشمس ذكرناها في حلقة سابقة. هناك وجد قوما كانوا ما بين ظالم ومظلوم، فانتصف للمظلوم من الظالم. وهذا الانتصاف رسالة إصلاح اجتماعي يشمل الناس جميعا في كل زمان ومكان.

    * الثالثة: رحلة إلى ما بين السدَّين، حيث قوم (لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) وأقام لهم (رَدْمًا) يَقيهم العدوان. وهي رسالة تدعو إلى مجموعة من القيم:

    أ- التعاون: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) (قَالَ انفُخُوا) (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا).
    ب- واعتماد العلم والمعرفة في بناء الردم.
    ج- الدفاع عن النفس والموطن.
    د- عدم الاستعلاء أو الاغترار بما أنجزوه.

    وهذه الرسالة، أيضا، تشمل الناس جميعا في كل الأزمنة والأمكنة.

    ونلاحظ في هاتين الرحلتين عدم ذكر الآية (كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) ولا ما هو بمعناها.
    * أما الرحلة الثانية التي تفردت بذكر الآية الموما إليها، فقد أوصلت ذا القرنين إلى قوم لم يجعل الله لهم من دون الشمس سترا.

    ونلاحظ أنّ ذا القرنين الذي نشر العدل في الرحلة الأولى، وبنى الردم في الرحلة الثالثة، لم يساعد هؤلاء. فلم يعلّمهم ما يردّون به حرّ الشمس ولفْحًها، كما لم يجعل لهم دون الشمس سترا يقيهم ذلك الحرّ واللّفح. فهل من سبب لذلك؟

    فلنفكر معًا:

    الجذر (س ت ر) يدلّ على التغطية والغطاء. ومنه: السُّتْرَة، بضم السين: ما استترتَ به كائنا ما كان. وكذلك السِّتار. وقد ورد منه في التنزيل العزيز: (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ). والآية: (جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) أي مخفيّا.

    إضافة إلى الآية محور هذه الحلقة.

    وذهب المفسرون واللغويون إلى أن الستر في الآية: ما يستظل به القوم. فلم يكن في أرضهم ما يستترون به كالثياب والشجر والدّور، وما أشبه ذلك. وفي العصر الحديث وبعد أن ظهرت نظرية (الأوزون) ووجود خرق أو ثقب في ناحية من الغلاف الجوي، فربما ذهب بعض الناس إلى القول بأن هذا هو المقصود بالستر المفقود بين الشمس وأولئك القوم.

    لسنا الآن في صدد مناقشة هذه الأقوال. فالذي يعنينا، هنا، أن الستر - أيّا كان المُراد به - يقودنا إلى أمرين متوشجين متلازمين:

    أ- هذا الستر جعله الله لعموم الناس، باستثناء أولئك القوم. وهذا ما توحيه إلينا (لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا) فهم منفردون بهذه الظاهرة. ولولا ذلك لما جاء النص على فقدان الستر هنا فقط.

    ب- ونظرا لأن الله لم يجعل لهم ذلك الستر فليس لذي القرنين، بقدراته المحدودة، كأي إنسان آخر، أن يفعل شيئا إزاء هذه الظاهرة. وكان هذا من أسباب تفرد الرحلة الثانية بتأكيد (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) أي أحاط الله بما لدى ذي القرنين من القدرات التي هي محدودة مهما اتسعت. فلم يكن في استطاعته أن ينفعهم بشيء.

    نستبين من هذا أنّ ذكر التنزيل العزيز لرحلات ذي القرنين هدف إلى عدة أهداف أبرزها:

    * الرحلة الأولى: تعديل مسار المجتمع، بتحقيق العدالة، وانتصاف المظلوم من الظالم. وهذا في وسع الناس.
    * الرحلة الثانية: قررت حقيقة أنه لا يُستطاع الخروج على قوانين الخلق. فلا مبرر لتضييع الناس أعمارهم سعيا وراء سراب لعله يصير ماءً.
    * الرحلة الثالثة: التعاون والإفادة من العلم، في استتباب الأمن والسلام والدفاع عن الوطن بردّ العدوان من حيث جاء. وهذا في وسع الناس أيضا.

    فلنفهم هذا ولنستفد منه، فهو أجدى من الانشغال بالروايات والحكايات والاختلاف بشأن قوم طالت آذانهم بحيث يتخذون واحدة وِطاءً والأخرى غِطاء.

    ولله الأمر، من قبل ومن بعد.




    المصدر
يعمل...