#شيء_من_اللغة:
الأعراب و(الأعرابية)

د. هادي حسن حمّودي
وصلت لي رسالة من باحث جليل يهمّه أن تنطبق المصطلحات على ما يُراد لها أن تدلّ عليه بلا بواق ولا ذيول ولا انحناءات تلفّ وتدور لتصل إلى خطأ وأحيانا إلى خطيئة.
جاء في جانب منها أنّه قرأ بحثا قرر فيه كاتبه أمورا محورها أنّ كلمة (الأعراب) لا علاقة لها بسكان الصحراء أو البادية بل هي دالّة على المؤمنين الذين كانوا في مكة ولم يهاجروا إلى المدينة المنورة مع من هاجر إليها. مرتكزا على الآية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)(سورة الأنفال 72) متخذا من بعض كتب التفسير جَمَلا يصل به إلى ما قرره.
وطلب الصديق العزيز رأيا.
جوابي:
بالرغم من أني سبق أن كتبت عن (العرب والأعراب والاستقراء الناقص) فإني سأجعل هذه الحلقة تتمة لما سبق نشره فأقول:
من المستحيل أن يكون المرادُ بهم مؤمني مكة الذين لم يُهاجروا إلى المدينة المنورة.
ومن المستحيل كذلك أن يكون القصد جميع الأعراب.
إن اللفظين (العرب، والأعراب) دالّان على مجموعة بشرية واحدة، منهم من تمدّن أي سكن مدينة، ومنهم من ظلّ في الصحراء والبادية. الأوّلون عرب نُسبوا إلى مدنهم، مكيُ، مدنيّ، مثلا، والباقون (أعراب) لأن معنى كلمة (عرب) دالة على الوضوح والانكشاف والإبانة، كما في قولك: أعربت عمّا في نفسي، أي أوضحته وبيّنته بجلاء، وهذه الدلالة مستمرة في الاثنين (عرب المدن وعرب الصحراء) ولكن الذين سكنوا الصحراء ظلوا على تواصل أكبر وأعمق مع محيطهم الصحراوي الواضح المنكشف، من سكان المدن، فهم أعراب واحدهم (أعرابي) وعنهم أخذ رواة اللغة والأدب بعد الإسلام. وقلّما رووا عن سكان المدن (القرى). بل كانوا يعيبون على من يأخذ منهم.
ومن أجل فهم حقيقة الأمور علينا أن نبتعد عن الكتابات المشوّهة التي تكرّس صورة ممسوخة لأعراب تلك الأزمنة. وغالبا ما تُتَّخذ الآية (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا)( سورة التوبة 97) ذريعة للتشويه والمسخ. وإلا فكيف نفهم: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(سورة التوبة 99).
فالكفر والنفاق يشملان كل من يتّصف بهما من عرب وغير عرب، من عرب المدن وأعراب الصحراء، بحكم الآية: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)(سورة التوبة 101) حيث تدلنا هذه الآية على أن المدينة المنورة ذاتها كان فيها منافقون، وعلى أن الأعراب كانوا حول المدينة (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ) لا في مكة ولا كانوا من مؤمني مكة الذين لم يهاجروا إلى المدينة، حسب ما زعم الكاتب المذكور.
وقد حرص القرآن على سلامة أولئك المؤمنين، في أكثر من آية، كما في: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(سورة الأنفال 72) وهي تتمة الآية التي استشهد بها الكاتب لينقل صفة الأعراب إلى المؤمنين الذين لم يهاجروا.
ومثلها الآيتان: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ .... وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)(سورة الفتح 24-25) وهذا أقصى الحرص على سلامتهم، لا على أنهم أشدّ كفرا ونفاقا.
وقد عامل الإسلامُ عربَ المدن وعرَب الصحراء (الأعراب) بالواجبات نفسها والحقوق نفسها، ومن واجباتهم جميعا: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ)(التوبة 120).
أما الصورة المسيئة للأعراب عبر التاريخ، فهي لا تختلف عن الصورة المسيئة هذه الآيام للعرب عموما. وثمة أسباب (منّا) تتفاعل مع أسباب (منهم).
فلا علاقة لمصطلح الأعراب بالمؤمنين الذين لم يُهاجروا من مكة.
وأرى في هذا كفاية الآن.
المصدر
الأعراب و(الأعرابية)

د. هادي حسن حمّودي
وصلت لي رسالة من باحث جليل يهمّه أن تنطبق المصطلحات على ما يُراد لها أن تدلّ عليه بلا بواق ولا ذيول ولا انحناءات تلفّ وتدور لتصل إلى خطأ وأحيانا إلى خطيئة.
جاء في جانب منها أنّه قرأ بحثا قرر فيه كاتبه أمورا محورها أنّ كلمة (الأعراب) لا علاقة لها بسكان الصحراء أو البادية بل هي دالّة على المؤمنين الذين كانوا في مكة ولم يهاجروا إلى المدينة المنورة مع من هاجر إليها. مرتكزا على الآية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)(سورة الأنفال 72) متخذا من بعض كتب التفسير جَمَلا يصل به إلى ما قرره.
وطلب الصديق العزيز رأيا.
جوابي:
بالرغم من أني سبق أن كتبت عن (العرب والأعراب والاستقراء الناقص) فإني سأجعل هذه الحلقة تتمة لما سبق نشره فأقول:
من المستحيل أن يكون المرادُ بهم مؤمني مكة الذين لم يُهاجروا إلى المدينة المنورة.
ومن المستحيل كذلك أن يكون القصد جميع الأعراب.
إن اللفظين (العرب، والأعراب) دالّان على مجموعة بشرية واحدة، منهم من تمدّن أي سكن مدينة، ومنهم من ظلّ في الصحراء والبادية. الأوّلون عرب نُسبوا إلى مدنهم، مكيُ، مدنيّ، مثلا، والباقون (أعراب) لأن معنى كلمة (عرب) دالة على الوضوح والانكشاف والإبانة، كما في قولك: أعربت عمّا في نفسي، أي أوضحته وبيّنته بجلاء، وهذه الدلالة مستمرة في الاثنين (عرب المدن وعرب الصحراء) ولكن الذين سكنوا الصحراء ظلوا على تواصل أكبر وأعمق مع محيطهم الصحراوي الواضح المنكشف، من سكان المدن، فهم أعراب واحدهم (أعرابي) وعنهم أخذ رواة اللغة والأدب بعد الإسلام. وقلّما رووا عن سكان المدن (القرى). بل كانوا يعيبون على من يأخذ منهم.
ومن أجل فهم حقيقة الأمور علينا أن نبتعد عن الكتابات المشوّهة التي تكرّس صورة ممسوخة لأعراب تلك الأزمنة. وغالبا ما تُتَّخذ الآية (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا)( سورة التوبة 97) ذريعة للتشويه والمسخ. وإلا فكيف نفهم: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(سورة التوبة 99).
فالكفر والنفاق يشملان كل من يتّصف بهما من عرب وغير عرب، من عرب المدن وأعراب الصحراء، بحكم الآية: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)(سورة التوبة 101) حيث تدلنا هذه الآية على أن المدينة المنورة ذاتها كان فيها منافقون، وعلى أن الأعراب كانوا حول المدينة (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ) لا في مكة ولا كانوا من مؤمني مكة الذين لم يهاجروا إلى المدينة، حسب ما زعم الكاتب المذكور.
وقد حرص القرآن على سلامة أولئك المؤمنين، في أكثر من آية، كما في: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(سورة الأنفال 72) وهي تتمة الآية التي استشهد بها الكاتب لينقل صفة الأعراب إلى المؤمنين الذين لم يهاجروا.
ومثلها الآيتان: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ .... وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)(سورة الفتح 24-25) وهذا أقصى الحرص على سلامتهم، لا على أنهم أشدّ كفرا ونفاقا.
وقد عامل الإسلامُ عربَ المدن وعرَب الصحراء (الأعراب) بالواجبات نفسها والحقوق نفسها، ومن واجباتهم جميعا: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ)(التوبة 120).
أما الصورة المسيئة للأعراب عبر التاريخ، فهي لا تختلف عن الصورة المسيئة هذه الآيام للعرب عموما. وثمة أسباب (منّا) تتفاعل مع أسباب (منهم).
فلا علاقة لمصطلح الأعراب بالمؤمنين الذين لم يُهاجروا من مكة.
وأرى في هذا كفاية الآن.
المصدر
