#شيء_من_اللغة:
الأسباب والنتائج لا تتقيد بزمن محدد
د. هادي حسن حمودي
كتب لي التدريسي أحمد يحيى العامري أنه قرأ في أكثر من موقع شبكي أن الفاء السببية تدخل على الفعل المضارع فقط. وأن القائلين بذلك استشهدوا بآيات منها (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)(سورة النساء 73) و(لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (سورة الجمعة 10) وضربوا مثالا: (أنت غيرُ آتٍ فتحدّثَنا). وذكر أنهم اختلفوا في إعراب الفعل المضارع بعدها إذ يقع منصوبا ومجزوما ومرفوعا. وطلب رأيا.
فأقول:
معنى الفاء السببية أنّ ما قبلها سبب لما بعدها، بمطلق الأحوال، سواء كان ما بعدها فعلا مضارعا أم غيره. وأما الإصرار على غير ذلك فمرجعه إلى تأثر المختلفين بتناقضات المناطقة والمتكلمين (نظريات علم الكلام) بشأن القضاء والقدَر وما تفرّع عن ذلك الاختلاف من مثل: هل الإنسان مُسَيّر أم مُخيّر أم هو في منزلة بين المنزلتين. وقد تستغرب ما أراه من علاقة بين هذا والفاء السببية. فأحيلك إلى التصانيف المختصة بتلك الموضوعات. وقد أدّاهم ذلك إلى اختلاق أمثلة وإعرابات لا علاقة لها باللغة الفصيحة العالية، كالمثال الذي ذكروه (أنت غيرُ آتٍ فتحدّثَنا) الذي بلغ به ضعف التركيب اللغوي مداه الأقصى. وأثر هذا في مواضيع نحوية عديدة، وتسرّب بوعي وبلا وعي إلى عدد من تفاسير القرآن قديما وحديثا.
فلنترك هذا لموضعه.
وأكتفي بأن أذكر، هنا، أمثلة واضحة على أن الفاء السببية لا تختص بالدخول على الأفعال المضارعة.
• سورة آل عمران 194-195: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. /فَاسْتَجَابَ/ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى). فمن الواضح أن الاستجابة كانت بسبب ما سبقها فالفاء سببية ولم يأت بعدها فعل مضارع. وسترى من أعربها عاطفة تأسيسا على اختلافاتهم (الكلامية). ومثلها:
• الأعراف 134-135: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ. /فَانْتَقَمْنَا/ مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِ) فلم يكن الانتقام منهم إلا لنكثهم لما تعهدوا به في الآية التي سبقت هذه (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).
• ومثلها في (سورة الزخرف 54): (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ).
• وثمة فاءات في مواضع أخرى تتحمل السببية، كالفاء التي أعربوها رابطة لجواب الشرط، فهي سببية تأتي في الجمل التي تحتاج مزيدا من تأكيد وقوع جواب الشرط. وكالفاء الاستئنافية حين تكون النتيجة متقدمة على السبب.
• أما اختلافهم بشأن إعراب الفعل المضارع الواقع بعدها، فهو دِيْنُهم ودَيْدًنُهم في كل الأمور، لافتقادهم منهج البحث الذي ينبثق من اللغة بذاتها وبحدّ ذاتها. مما كان يوجب على واضعي مناهج التدريس في العصر الحديث الاستقرار على منهج بحثي علمي بدل التخبط بين قال فلان وعارضه علّان وقيل كذا ورُوِيَ كيت، واحتمال وجهين من الإعراب وأكثر من وجهين فتضيع الحقيقة الإعرابية، ثم يفيضون على الناس بطوفان من الاختلافات في الحذف والتقدير والتمحّل والشواهد المفتعلة لإثبات ما لا ثبات له ولا ثبوت. مما أدّى إلى المسخ المتواصل للغة، وسهولة تجهيل الناس بها، وإثارة كراهيتهم لها.. وحاضرنا خير شاهد على ذلك.
المصدر
الأسباب والنتائج لا تتقيد بزمن محدد
د. هادي حسن حمودي
كتب لي التدريسي أحمد يحيى العامري أنه قرأ في أكثر من موقع شبكي أن الفاء السببية تدخل على الفعل المضارع فقط. وأن القائلين بذلك استشهدوا بآيات منها (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)(سورة النساء 73) و(لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (سورة الجمعة 10) وضربوا مثالا: (أنت غيرُ آتٍ فتحدّثَنا). وذكر أنهم اختلفوا في إعراب الفعل المضارع بعدها إذ يقع منصوبا ومجزوما ومرفوعا. وطلب رأيا.
فأقول:
معنى الفاء السببية أنّ ما قبلها سبب لما بعدها، بمطلق الأحوال، سواء كان ما بعدها فعلا مضارعا أم غيره. وأما الإصرار على غير ذلك فمرجعه إلى تأثر المختلفين بتناقضات المناطقة والمتكلمين (نظريات علم الكلام) بشأن القضاء والقدَر وما تفرّع عن ذلك الاختلاف من مثل: هل الإنسان مُسَيّر أم مُخيّر أم هو في منزلة بين المنزلتين. وقد تستغرب ما أراه من علاقة بين هذا والفاء السببية. فأحيلك إلى التصانيف المختصة بتلك الموضوعات. وقد أدّاهم ذلك إلى اختلاق أمثلة وإعرابات لا علاقة لها باللغة الفصيحة العالية، كالمثال الذي ذكروه (أنت غيرُ آتٍ فتحدّثَنا) الذي بلغ به ضعف التركيب اللغوي مداه الأقصى. وأثر هذا في مواضيع نحوية عديدة، وتسرّب بوعي وبلا وعي إلى عدد من تفاسير القرآن قديما وحديثا.
فلنترك هذا لموضعه.
وأكتفي بأن أذكر، هنا، أمثلة واضحة على أن الفاء السببية لا تختص بالدخول على الأفعال المضارعة.
• سورة آل عمران 194-195: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. /فَاسْتَجَابَ/ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى). فمن الواضح أن الاستجابة كانت بسبب ما سبقها فالفاء سببية ولم يأت بعدها فعل مضارع. وسترى من أعربها عاطفة تأسيسا على اختلافاتهم (الكلامية). ومثلها:
• الأعراف 134-135: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ. /فَانْتَقَمْنَا/ مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِ) فلم يكن الانتقام منهم إلا لنكثهم لما تعهدوا به في الآية التي سبقت هذه (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).
• ومثلها في (سورة الزخرف 54): (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ).
• وثمة فاءات في مواضع أخرى تتحمل السببية، كالفاء التي أعربوها رابطة لجواب الشرط، فهي سببية تأتي في الجمل التي تحتاج مزيدا من تأكيد وقوع جواب الشرط. وكالفاء الاستئنافية حين تكون النتيجة متقدمة على السبب.
• أما اختلافهم بشأن إعراب الفعل المضارع الواقع بعدها، فهو دِيْنُهم ودَيْدًنُهم في كل الأمور، لافتقادهم منهج البحث الذي ينبثق من اللغة بذاتها وبحدّ ذاتها. مما كان يوجب على واضعي مناهج التدريس في العصر الحديث الاستقرار على منهج بحثي علمي بدل التخبط بين قال فلان وعارضه علّان وقيل كذا ورُوِيَ كيت، واحتمال وجهين من الإعراب وأكثر من وجهين فتضيع الحقيقة الإعرابية، ثم يفيضون على الناس بطوفان من الاختلافات في الحذف والتقدير والتمحّل والشواهد المفتعلة لإثبات ما لا ثبات له ولا ثبوت. مما أدّى إلى المسخ المتواصل للغة، وسهولة تجهيل الناس بها، وإثارة كراهيتهم لها.. وحاضرنا خير شاهد على ذلك.
المصدر
