اللغة العربية لغة الشعر والفنون
أحمد عبدالمعطي حجازي
اليوم أبدأ حديثا عن الشعر والموسيقى نحتاج فيه إلى مقدمة نتعرف بها على المكان الذى يحتله الشعر والموسيقى، وتحتله اللغة الفصحى فى حياتنا الآن، انظروا حولكم واسألوا انفسكم أين هى هذه اللغة الفصحى التى أتحدث عنها، ويتحدث عنها العالم الآن ويحتفل بها؟.
المدينة كلها من شرقها لغربها، ومن تحتها لفوقها مدهونة بلغة سوقية تسفه الفصحى وتعلم الناس أن يهملوها، وأن ينسوها، ويستخدموا بدلا منها هذه اللغة المبتذلة التى لا نجد لها مصدرا فى كلام فصيح أو كلام دارج، ومع ذلك أضحت الآن سائدة تتفكه بها الألسنة وتتلذذ الأفواه بترديدها، وتجعل ذلك فنا من الفنون يستخدم حتى فى المجالات التى تحتاج بطبيعتها إلى لغة جادة رفيعة تخاطب بها العقول المثقفة والضمائر الحية المسئولة، لا هذه اللغة التى نتهرب بها من المسئولية ونعوضها باستثارة الضحك الأبله وبالتشجيع على اللامبالاة. وأنا أنظر من حولى وأسأل نفسى وأسألكم: أين نحن الآن من تلك الأيام التى كان فيها طه حسين يحدثنا فى الإذاعة، ويحدث المصريين جميعا بلغته الجميلة، وأدائه الرائع؟ وكان العقاد يمثلنا فى مجلس النواب؟ والدكتور هيكل فى مجلس الشيوخ؟ وكان أحمد حسن الزيات يرأس تحرير «الرسالة»؟ وأحمد أمين يرأس تحرير «الثقافة»؟ ويحيى حقى يرأس تحرير «المجلة»؟ وكان أحمد لطفى السيد يرأس مجمع اللغة؟ وكانت الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية تحرر بأقلام أحمد الصاوى محمد، وفكرى أباظة، وكامل الشناوى، وإحسان عبدالقدوس، وأحمد بهاء الدين؟ وكان على رأس الصفحات الثفاقية لويس عوض، ومحمد مندور؟ وكان محفوظ ينطق أبطال رواياته من أبناء الأحياء الشعبية بالفصحى، فلا يستغرب القارئ لغتهم الفصحى، ولا يجدها حائلا يحول بينه وبين تذوق الرواية والانفعال بها والشعور بصدقها وبواقعيتها، وبهذه اللغة الفصحى وصل نجيب محفوظ إلى ما وصل إليه، واتسع جمهوره، وحصل على جائزة نوبل، وأصبح مقروءا بكل اللغات؟ والذى قدمه نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، والعقاد للفصحى قدمه لها المطربون الكبار أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب بألحانهم التى تغنوا فيها بشعر شوقى، وعلى محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وإبراهيم ناجى، فضلا عن الشعراء القدماء أمثال أبى فراس، والشريف الرضى، وابن النبيه ـ وقد اشتهرت بعض هذه الأغنيات حتى كان الفلاحون يغنونها وراء المحاريث فى حقولهم.
وكنت فى مقالة سابقة قد تحدثت عن اللغة والشعر، وعن اللغة والفنون بصورة عامة، لكنى وجدت نفسى أتكلم بلغة تكاد تصبح فى وطنها لغة أجنبية، وعن فنون لم تعد تجد من يحتفى بها ويتجمل برعايتها، ويشعر معها بالثقة فى قدراته، ويجد فيها ما يسره ويفيده ويمتعه، ثم إن الحديث عن لغة الشعر والفنون يحتاج لشىء من التفصيل، لأنه حديث عن موضوع متعدد العناصر التى يستحق كل عنصر فيها وقفة خاصة لاسيما ونحن نحتفل، أو بالأحرى ونحن فى أيام علينا أن نحتفل فيها بلغتنا التى أصبح العالم يحتفل بها ونحن غائبون، فضلا عن مسألة أخرى فى غاية الأهمية هى مواجهة الدعوة التى راجت فى بعض الأوساط لشعر يستغنى عن الوزن بتشبيهات غريبة لا نستطيع أن نجد بين أطرافها علاقات تبررها، وباستعارات ملفقة تنسب للكلمات ما لا نتخيل من الصفات والأفعال، ولست أشك فى أن وراء قصيدة النثر ما نلمسه من تراجع مستوى التعليم فى مدارسنا وجامعاتنا، إلى جانب سبب آخر يجب أن نلتفت له هو أن العربية الفصحى لم تعد للأسف لغة منطوقة، وإنما اكتفت أو اكتفت النخبة التى تستعملها بأن تكون حروفا صامتة مكتوبة ينظر فيها القارئ فيفهم ما تشير إليه دون أن يسمع جرسا أو يشعر بإيقاع، ومن هنا استوى لدى القارئ البسيط أن تكون القصيدة، كلاما موزونا، أو تكون مجرد حروف أو قصيدة نثر، صحيح أن الإحساس بالموسيقى فى الشعر فطرة يولد بها الإنسان، ويعرف بها العالم، ويتابع ما يراه وما يسمعه ويتذوقه، لكن هذه الفطرة تحتاج لمن يستثيرها ويثقفها ويحولها إلى حاسة يقظة، فإن أهملت فقدت حيويتها وانطفأت، وهذا ما يحدث للكثيرين الذين يولدون الآن فلا يجدون من يربى فطرتهم ويخاطبها بإصلاح التعليم وإشاعة الاهتمام بالفصحى وتقوية الشعور بالانتماء لها وجعلها حقا وصدقا لغتنا القومية، التى نغار عليها ونمكنها من احتلال مكانها الطبيعى فى نشاطنا الثقافى والسياسى والاجتماعى والإعلامى.
وأنا هنا لا أطالب بما نعجز عن تحقيقه، بل أطالب بما استطعنا أن نحققه بامتياز فى القرنين الماضيين حين كنا نمر بظروف أصعب بكثير، وحين كانت قدراتنا محدودة ووسائلنا مفقودة.
أتحدث عما كنا عليه فى نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر حين أيقظتنا مدافع بونابرت من نومنا الطويل لنجد أنفسنا عراة مجردين من كل ما يستر ويحمى ويضمن الحد الأدنى مما يحتاج إليه الإنسان، فبيننا وبين العالم خمسة قرون لم نتقدم فيها خطوة، ولم ننتج لا علما ولا عملا، لا ثروة، ولا سلطة، ولا حرية، فأرضنا مملوكة للسلطان، ونحن مملوكون للمماليك، وإذا كنا قد عشنا فى هذه الغيبوبة خمسة قرون لم نفكر، ولم نعبر، فقد فقدت اللغة فى حياتنا وظيفتها، ولم يبق منها إلا هذا الجناس الثقيل المترهل الذى أصبح لعبة يتسلى بها الكبار، كما يتسلى الصغار بالشخاشيخ، فهو عنوان الكتاب، وهو فى كل جملة من جمله، وهو الغاية التى يطلبها الكاتب، ولا يطلب سواها، وهكذا تراجعت اللغة وفسدت، وفقدت معناها، فلا شعرها شعر، ولا نثرها نثر.
كيف نهضت هذه اللغة من رقدتها الطويلة، وتخلصت من ثيابها، البالية، واستعادت وعيها بذاتها، وبالناطقين بها، وبالواقع وبالعالم؟ لقد نهضت الفصحى حين نهضنا، لأنها كانت وسيلتنا الأولى فى الخروج من الظلام والدخول فى النور، أنشأنا بها ومن أجلها المدارس، وترجمنا علوم العصر، وعرفنا معنى الوطن والوطنية، ومعنى الديمقراطية، والدستور، وحاربنا الطغيان والاستعمار، وحررنا المرأة، وأشعلنا ثورة 1919 وأبدعنا بها ما أبدع البارودى، وشوقى، وطه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ.
لقد نهضت الفصحى واستعادت وعيها حين أصبحت تفكيرا حرا وتعبيرا حرا، وحين انتمت لمصر فصارت عربية مصرية، وانتمت للعصر فصارت فصحى عصرية، وكما تنهض اللغات بنهضة الأمم تنام بنومها، وتفقد وعيها، وقد تفقد حياتها.
وفى الأسبوع القادم نتحدث عن الشعر والموسيقى.
المصدر
أحمد عبدالمعطي حجازي
اليوم أبدأ حديثا عن الشعر والموسيقى نحتاج فيه إلى مقدمة نتعرف بها على المكان الذى يحتله الشعر والموسيقى، وتحتله اللغة الفصحى فى حياتنا الآن، انظروا حولكم واسألوا انفسكم أين هى هذه اللغة الفصحى التى أتحدث عنها، ويتحدث عنها العالم الآن ويحتفل بها؟.
المدينة كلها من شرقها لغربها، ومن تحتها لفوقها مدهونة بلغة سوقية تسفه الفصحى وتعلم الناس أن يهملوها، وأن ينسوها، ويستخدموا بدلا منها هذه اللغة المبتذلة التى لا نجد لها مصدرا فى كلام فصيح أو كلام دارج، ومع ذلك أضحت الآن سائدة تتفكه بها الألسنة وتتلذذ الأفواه بترديدها، وتجعل ذلك فنا من الفنون يستخدم حتى فى المجالات التى تحتاج بطبيعتها إلى لغة جادة رفيعة تخاطب بها العقول المثقفة والضمائر الحية المسئولة، لا هذه اللغة التى نتهرب بها من المسئولية ونعوضها باستثارة الضحك الأبله وبالتشجيع على اللامبالاة. وأنا أنظر من حولى وأسأل نفسى وأسألكم: أين نحن الآن من تلك الأيام التى كان فيها طه حسين يحدثنا فى الإذاعة، ويحدث المصريين جميعا بلغته الجميلة، وأدائه الرائع؟ وكان العقاد يمثلنا فى مجلس النواب؟ والدكتور هيكل فى مجلس الشيوخ؟ وكان أحمد حسن الزيات يرأس تحرير «الرسالة»؟ وأحمد أمين يرأس تحرير «الثقافة»؟ ويحيى حقى يرأس تحرير «المجلة»؟ وكان أحمد لطفى السيد يرأس مجمع اللغة؟ وكانت الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية تحرر بأقلام أحمد الصاوى محمد، وفكرى أباظة، وكامل الشناوى، وإحسان عبدالقدوس، وأحمد بهاء الدين؟ وكان على رأس الصفحات الثفاقية لويس عوض، ومحمد مندور؟ وكان محفوظ ينطق أبطال رواياته من أبناء الأحياء الشعبية بالفصحى، فلا يستغرب القارئ لغتهم الفصحى، ولا يجدها حائلا يحول بينه وبين تذوق الرواية والانفعال بها والشعور بصدقها وبواقعيتها، وبهذه اللغة الفصحى وصل نجيب محفوظ إلى ما وصل إليه، واتسع جمهوره، وحصل على جائزة نوبل، وأصبح مقروءا بكل اللغات؟ والذى قدمه نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، والعقاد للفصحى قدمه لها المطربون الكبار أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب بألحانهم التى تغنوا فيها بشعر شوقى، وعلى محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وإبراهيم ناجى، فضلا عن الشعراء القدماء أمثال أبى فراس، والشريف الرضى، وابن النبيه ـ وقد اشتهرت بعض هذه الأغنيات حتى كان الفلاحون يغنونها وراء المحاريث فى حقولهم.
وكنت فى مقالة سابقة قد تحدثت عن اللغة والشعر، وعن اللغة والفنون بصورة عامة، لكنى وجدت نفسى أتكلم بلغة تكاد تصبح فى وطنها لغة أجنبية، وعن فنون لم تعد تجد من يحتفى بها ويتجمل برعايتها، ويشعر معها بالثقة فى قدراته، ويجد فيها ما يسره ويفيده ويمتعه، ثم إن الحديث عن لغة الشعر والفنون يحتاج لشىء من التفصيل، لأنه حديث عن موضوع متعدد العناصر التى يستحق كل عنصر فيها وقفة خاصة لاسيما ونحن نحتفل، أو بالأحرى ونحن فى أيام علينا أن نحتفل فيها بلغتنا التى أصبح العالم يحتفل بها ونحن غائبون، فضلا عن مسألة أخرى فى غاية الأهمية هى مواجهة الدعوة التى راجت فى بعض الأوساط لشعر يستغنى عن الوزن بتشبيهات غريبة لا نستطيع أن نجد بين أطرافها علاقات تبررها، وباستعارات ملفقة تنسب للكلمات ما لا نتخيل من الصفات والأفعال، ولست أشك فى أن وراء قصيدة النثر ما نلمسه من تراجع مستوى التعليم فى مدارسنا وجامعاتنا، إلى جانب سبب آخر يجب أن نلتفت له هو أن العربية الفصحى لم تعد للأسف لغة منطوقة، وإنما اكتفت أو اكتفت النخبة التى تستعملها بأن تكون حروفا صامتة مكتوبة ينظر فيها القارئ فيفهم ما تشير إليه دون أن يسمع جرسا أو يشعر بإيقاع، ومن هنا استوى لدى القارئ البسيط أن تكون القصيدة، كلاما موزونا، أو تكون مجرد حروف أو قصيدة نثر، صحيح أن الإحساس بالموسيقى فى الشعر فطرة يولد بها الإنسان، ويعرف بها العالم، ويتابع ما يراه وما يسمعه ويتذوقه، لكن هذه الفطرة تحتاج لمن يستثيرها ويثقفها ويحولها إلى حاسة يقظة، فإن أهملت فقدت حيويتها وانطفأت، وهذا ما يحدث للكثيرين الذين يولدون الآن فلا يجدون من يربى فطرتهم ويخاطبها بإصلاح التعليم وإشاعة الاهتمام بالفصحى وتقوية الشعور بالانتماء لها وجعلها حقا وصدقا لغتنا القومية، التى نغار عليها ونمكنها من احتلال مكانها الطبيعى فى نشاطنا الثقافى والسياسى والاجتماعى والإعلامى.
وأنا هنا لا أطالب بما نعجز عن تحقيقه، بل أطالب بما استطعنا أن نحققه بامتياز فى القرنين الماضيين حين كنا نمر بظروف أصعب بكثير، وحين كانت قدراتنا محدودة ووسائلنا مفقودة.
أتحدث عما كنا عليه فى نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر حين أيقظتنا مدافع بونابرت من نومنا الطويل لنجد أنفسنا عراة مجردين من كل ما يستر ويحمى ويضمن الحد الأدنى مما يحتاج إليه الإنسان، فبيننا وبين العالم خمسة قرون لم نتقدم فيها خطوة، ولم ننتج لا علما ولا عملا، لا ثروة، ولا سلطة، ولا حرية، فأرضنا مملوكة للسلطان، ونحن مملوكون للمماليك، وإذا كنا قد عشنا فى هذه الغيبوبة خمسة قرون لم نفكر، ولم نعبر، فقد فقدت اللغة فى حياتنا وظيفتها، ولم يبق منها إلا هذا الجناس الثقيل المترهل الذى أصبح لعبة يتسلى بها الكبار، كما يتسلى الصغار بالشخاشيخ، فهو عنوان الكتاب، وهو فى كل جملة من جمله، وهو الغاية التى يطلبها الكاتب، ولا يطلب سواها، وهكذا تراجعت اللغة وفسدت، وفقدت معناها، فلا شعرها شعر، ولا نثرها نثر.
كيف نهضت هذه اللغة من رقدتها الطويلة، وتخلصت من ثيابها، البالية، واستعادت وعيها بذاتها، وبالناطقين بها، وبالواقع وبالعالم؟ لقد نهضت الفصحى حين نهضنا، لأنها كانت وسيلتنا الأولى فى الخروج من الظلام والدخول فى النور، أنشأنا بها ومن أجلها المدارس، وترجمنا علوم العصر، وعرفنا معنى الوطن والوطنية، ومعنى الديمقراطية، والدستور، وحاربنا الطغيان والاستعمار، وحررنا المرأة، وأشعلنا ثورة 1919 وأبدعنا بها ما أبدع البارودى، وشوقى، وطه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ.
لقد نهضت الفصحى واستعادت وعيها حين أصبحت تفكيرا حرا وتعبيرا حرا، وحين انتمت لمصر فصارت عربية مصرية، وانتمت للعصر فصارت فصحى عصرية، وكما تنهض اللغات بنهضة الأمم تنام بنومها، وتفقد وعيها، وقد تفقد حياتها.
وفى الأسبوع القادم نتحدث عن الشعر والموسيقى.
المصدر
