العربية لغة الشعر والفنون (2)
أحمد عبدالمعطي حجازي
حين نتحدث عن الشعر والموسيقى نبدو كأننا نتحدث عن فن واحد نؤديه بلغتين أو بلهجتين للغة واحدة، لأن الشعر لغة تتميز عن غيرها بموسيقاها المستمدة من الوزن والإيقاع، ومن التوافقات التى تشكل الجمل وترسم الصور وتجمع بين المفردات المختلفة، ولأن الموسيقى أصوات معبرة مثلها مثل اللغة تخاطب العواطف، وتثير الخيال، فنحن نطرب بالموسيقى ونتخيل وننفعل ونهتز، ونحن نتلقى الشعر والموسيقى بأسماعنا، وننطق اللغة ونغنيها بألسنتنا وحناجرنا، ونحن نعود للعصور التى أصبح فيها الشعر فنا مستقلا فنجد أنه ولد مع الموسيقى فى وقت واحد، فهما إذن توأمان.
هوميروس الشاعر اليونانى الأشهر كان شاعرا نظم الملحمتين الإلياذة والاوديسة، وكان يحفظهما لأن الثقافة فى عصره لم تكن مكتوبة، وكان يغنيها لأن الشعر بدأ غناء كما ذكرت، فضلا عن أنه كان ضريرا يعتمد فى رؤيته للعالم، وفى صلته بالواقع المحيط به على أذنه، فهى الحاسة التى يسمع بها ويرى ويفكر، ومثله عندنا عميد الأدب العربى طه حسين الذى حقق كل ما حققه عن طريق هذه الحاسة، ونحن نقرأ له «الأيام» على سبيل المثال فنحس كأن سمعه أغناه عن كل حاسة أخرى.
وكما كان الشعر اليونانى القديم غناء اجتمع فيه الفنان الشعر والموسيقى كان الشعر العربى القديم كذلك، لأن العرب القدماء لم يكونوا يكتبون أشعارهم أو يقرأونها، وإنما كانوا ينشدونها، والإنشاد صورة من صور الغناء الذى لا يؤدى بصورة واحدة، لأن الشاعر الذى يجيد النظم لا يستطيع دائما أن يجيد الإنشاد أو الإلقاء، وربما استطاع شاعر آخر أن يثير الإعجاب بأدائه، ولو لم يبلغ فى النظم ما بلغه الشاعر الأول، ولقد كان الشاعر الجاهلى الأعشى ينشد شعره فيتمايل السامعون طربا وتأثرا، ولهذا سموه «صناجة العرب» من الصنج، وهو الصفيحة المعدنية التى يضرب بها الموسيقيون على الأخرى، كما تكون صفائح صغيرة مستديرة تثبت فى أطراف الدف أو فى أصابع الراقصة يدق بها عند الطرب، وقد ينفعل الشاعر بشعره هو وجمهوره الذى يستمع له ويستبد به الطرب فيؤديه بكل طاقاته الصوتية والجسدية، كما كان يفعل البحترى الذى روى عنه «أنه كان إذا قام ينشد شعره تشدق وتزاور فى مشيه مرة جانبا ومرة القهقرى، وهز رأسه مرة ومنكبه أخرى».
ومن المعروف أن شاعر النيل حافظ إبراهيم كان يفتن المصريين بشعره، وهو ينشده، وقد عبر له أحد المفتونين به، وهو الأستاذ عباس العقاد فقال له مداعبا : إنك تستطيع يا حافظ بك أن تكون مطربا! فأجابه حافظ بك: نعم ! ولكن بشرط هو أن تكون أنت عقادى!
والعقاد الذى يشير إليه شاعر النيل فى عبارته هذه هو محمد العقاد عازف القانون الشهير فى التخت الذى كان يصاحب كبار المطربين فى ذلك العصر، وهذه الموهبة التى كان يتمتع بها حافظ إبراهيم فى أدائه لشعره لم يكن رفيقه أمير الشعراء أحمد شوقى يتمتع بمثلها، ولهذا كان يلجأ لمن اشتهروا بالإجادة فى إنشاد الشعر لينوبوا عنه فى إلقاء قصائده. والعلاقة بين الشعر والموسيقى لم تتمثل فى الإنشاد الجيد وحسب، وإنما رأينا موسيقيين ينظمون الشعر، ورأينا شعراء يلحنون القصائد ويغنونها، ومن المعروف أن الخليل بن أحمد واضع علم العروض الذى اكتشف به أوزان الشعر العربى وجعلها مرجعا للشعراء والنقاد الذين ظهروا فى الأجيال التالية حتى شعراء العصور الحديثة ـ أقول إن الخليل بن أحمد أخذ العروض من الموسيقى التى كان يعرفها، ووضع قواعد هذا العلم مستلهما طرقات النحاسين، وفى عصرنا الحديث كان الأديب الشيخ أبو العلا محمد أستاذ كوكب الشرق وأول من اكتشفها ودرب حنجرتها على الغناء العربى السليم، كان ملحنا وشاعرا فى الوقت ذاته، ولاشك فى أن أبا الفرج الأصفهانى صاحب «الأغانى» كان يجمع فى ثقافته العريضة بين معرفته بالشعر ومعرفته بالموسيقى، فهو يقدم الصوت، أى اللحن، ويبين ناظمه وملحنه ومغنيه، ثم يترجم لبعضهم فى كتابه الحافل بالمعلومات التى تتعلق بالموسيقى والغناء ومدارسهما وتراجم الموسيقيين والمغنين والشعراء، وهذا يصدق أيضا على غيره من العلماء والفلاسفة القدماء الذين تحدثوا عن الموسيقى العربية، كما كانت فى عصرهم، ومنهم الكندى، والفارابى.
والذى يقال عن الشعر والموسيقى فى الثقافة العربية يقال عنهما فى الثقافة الغربية فى ماضيها وحاضرها أيضا، ونحن الآن نسمع ونشاهد الشعراء الملحنين العازفين المطربين أمثال بوريس فيان، وجورج براسانس، ولوفيريه الفرنسيين، ونرى غيرهم فى أوروبا وأمريكا. إلا أن هذه العلاقة الوثيقة التى ربطت بين الموسيقى والشعر ربطت بين الموسيقى، وكل كلام رفيع القدر، وهذا ما تعلمناه من الرسول الكريم ومن صحابته الذين كانوا يطربون للأصوات الجميلة، لأن الجمال ليس متعة فقط، ولكنه أيضا فضيلة، من هنا كان حديث الرسول الذى يقول فيه عن قراءة القرآن «إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به» أى يطلب فيه العبرة، وقوله «تغنوا به، أى بالقرآن، فمن لم يتغن به فليس منا» وقارئ القرآن لا يستطيع أن يتغنى به إلا إذا كان قادرا على الفهم والتذوق، وكان قلبه عامرا بالإيمان، وكان صلى الله عليه وسلم يطرب لصوت سالم مولى أبى حذيفة، أما عمر بن الخطاب فكان إذا سمع أبا موسى الأشعرى يتغنى بالقرآن قال : «من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبى موسى فليفعل» وهذ هو الأدب الذى تأدب به عظماء القراء المصريين أمثال الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد.
ونحن نرى فى عصرنا الراهن أن الشعر حين نهض نهضت الموسيقى ونهضت الأغنية، وفى الوقت الذى ظهر فيه محمود سامى البارودى ظهر عبده الحامولى وألمظ، وفى الوقت الذى تألق فيه شوقى وحافظ ومطران وبيرم التونسى تألق سيد درويش ومنيرة المهدية، والتفت مصر كلها والمشرق والمغرب حول محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وحول القصبجى وزكريا أحمد والسنباطى.
وها نحن الآن نتلفت حولنا نسأل عن الشعر ونسأل عن الموسيقى، فلا نجد من نسأل، ولا نجد من يجيب!
المصدر
أحمد عبدالمعطي حجازي
حين نتحدث عن الشعر والموسيقى نبدو كأننا نتحدث عن فن واحد نؤديه بلغتين أو بلهجتين للغة واحدة، لأن الشعر لغة تتميز عن غيرها بموسيقاها المستمدة من الوزن والإيقاع، ومن التوافقات التى تشكل الجمل وترسم الصور وتجمع بين المفردات المختلفة، ولأن الموسيقى أصوات معبرة مثلها مثل اللغة تخاطب العواطف، وتثير الخيال، فنحن نطرب بالموسيقى ونتخيل وننفعل ونهتز، ونحن نتلقى الشعر والموسيقى بأسماعنا، وننطق اللغة ونغنيها بألسنتنا وحناجرنا، ونحن نعود للعصور التى أصبح فيها الشعر فنا مستقلا فنجد أنه ولد مع الموسيقى فى وقت واحد، فهما إذن توأمان.
هوميروس الشاعر اليونانى الأشهر كان شاعرا نظم الملحمتين الإلياذة والاوديسة، وكان يحفظهما لأن الثقافة فى عصره لم تكن مكتوبة، وكان يغنيها لأن الشعر بدأ غناء كما ذكرت، فضلا عن أنه كان ضريرا يعتمد فى رؤيته للعالم، وفى صلته بالواقع المحيط به على أذنه، فهى الحاسة التى يسمع بها ويرى ويفكر، ومثله عندنا عميد الأدب العربى طه حسين الذى حقق كل ما حققه عن طريق هذه الحاسة، ونحن نقرأ له «الأيام» على سبيل المثال فنحس كأن سمعه أغناه عن كل حاسة أخرى.
وكما كان الشعر اليونانى القديم غناء اجتمع فيه الفنان الشعر والموسيقى كان الشعر العربى القديم كذلك، لأن العرب القدماء لم يكونوا يكتبون أشعارهم أو يقرأونها، وإنما كانوا ينشدونها، والإنشاد صورة من صور الغناء الذى لا يؤدى بصورة واحدة، لأن الشاعر الذى يجيد النظم لا يستطيع دائما أن يجيد الإنشاد أو الإلقاء، وربما استطاع شاعر آخر أن يثير الإعجاب بأدائه، ولو لم يبلغ فى النظم ما بلغه الشاعر الأول، ولقد كان الشاعر الجاهلى الأعشى ينشد شعره فيتمايل السامعون طربا وتأثرا، ولهذا سموه «صناجة العرب» من الصنج، وهو الصفيحة المعدنية التى يضرب بها الموسيقيون على الأخرى، كما تكون صفائح صغيرة مستديرة تثبت فى أطراف الدف أو فى أصابع الراقصة يدق بها عند الطرب، وقد ينفعل الشاعر بشعره هو وجمهوره الذى يستمع له ويستبد به الطرب فيؤديه بكل طاقاته الصوتية والجسدية، كما كان يفعل البحترى الذى روى عنه «أنه كان إذا قام ينشد شعره تشدق وتزاور فى مشيه مرة جانبا ومرة القهقرى، وهز رأسه مرة ومنكبه أخرى».
ومن المعروف أن شاعر النيل حافظ إبراهيم كان يفتن المصريين بشعره، وهو ينشده، وقد عبر له أحد المفتونين به، وهو الأستاذ عباس العقاد فقال له مداعبا : إنك تستطيع يا حافظ بك أن تكون مطربا! فأجابه حافظ بك: نعم ! ولكن بشرط هو أن تكون أنت عقادى!
والعقاد الذى يشير إليه شاعر النيل فى عبارته هذه هو محمد العقاد عازف القانون الشهير فى التخت الذى كان يصاحب كبار المطربين فى ذلك العصر، وهذه الموهبة التى كان يتمتع بها حافظ إبراهيم فى أدائه لشعره لم يكن رفيقه أمير الشعراء أحمد شوقى يتمتع بمثلها، ولهذا كان يلجأ لمن اشتهروا بالإجادة فى إنشاد الشعر لينوبوا عنه فى إلقاء قصائده. والعلاقة بين الشعر والموسيقى لم تتمثل فى الإنشاد الجيد وحسب، وإنما رأينا موسيقيين ينظمون الشعر، ورأينا شعراء يلحنون القصائد ويغنونها، ومن المعروف أن الخليل بن أحمد واضع علم العروض الذى اكتشف به أوزان الشعر العربى وجعلها مرجعا للشعراء والنقاد الذين ظهروا فى الأجيال التالية حتى شعراء العصور الحديثة ـ أقول إن الخليل بن أحمد أخذ العروض من الموسيقى التى كان يعرفها، ووضع قواعد هذا العلم مستلهما طرقات النحاسين، وفى عصرنا الحديث كان الأديب الشيخ أبو العلا محمد أستاذ كوكب الشرق وأول من اكتشفها ودرب حنجرتها على الغناء العربى السليم، كان ملحنا وشاعرا فى الوقت ذاته، ولاشك فى أن أبا الفرج الأصفهانى صاحب «الأغانى» كان يجمع فى ثقافته العريضة بين معرفته بالشعر ومعرفته بالموسيقى، فهو يقدم الصوت، أى اللحن، ويبين ناظمه وملحنه ومغنيه، ثم يترجم لبعضهم فى كتابه الحافل بالمعلومات التى تتعلق بالموسيقى والغناء ومدارسهما وتراجم الموسيقيين والمغنين والشعراء، وهذا يصدق أيضا على غيره من العلماء والفلاسفة القدماء الذين تحدثوا عن الموسيقى العربية، كما كانت فى عصرهم، ومنهم الكندى، والفارابى.
والذى يقال عن الشعر والموسيقى فى الثقافة العربية يقال عنهما فى الثقافة الغربية فى ماضيها وحاضرها أيضا، ونحن الآن نسمع ونشاهد الشعراء الملحنين العازفين المطربين أمثال بوريس فيان، وجورج براسانس، ولوفيريه الفرنسيين، ونرى غيرهم فى أوروبا وأمريكا. إلا أن هذه العلاقة الوثيقة التى ربطت بين الموسيقى والشعر ربطت بين الموسيقى، وكل كلام رفيع القدر، وهذا ما تعلمناه من الرسول الكريم ومن صحابته الذين كانوا يطربون للأصوات الجميلة، لأن الجمال ليس متعة فقط، ولكنه أيضا فضيلة، من هنا كان حديث الرسول الذى يقول فيه عن قراءة القرآن «إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به» أى يطلب فيه العبرة، وقوله «تغنوا به، أى بالقرآن، فمن لم يتغن به فليس منا» وقارئ القرآن لا يستطيع أن يتغنى به إلا إذا كان قادرا على الفهم والتذوق، وكان قلبه عامرا بالإيمان، وكان صلى الله عليه وسلم يطرب لصوت سالم مولى أبى حذيفة، أما عمر بن الخطاب فكان إذا سمع أبا موسى الأشعرى يتغنى بالقرآن قال : «من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبى موسى فليفعل» وهذ هو الأدب الذى تأدب به عظماء القراء المصريين أمثال الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد.
ونحن نرى فى عصرنا الراهن أن الشعر حين نهض نهضت الموسيقى ونهضت الأغنية، وفى الوقت الذى ظهر فيه محمود سامى البارودى ظهر عبده الحامولى وألمظ، وفى الوقت الذى تألق فيه شوقى وحافظ ومطران وبيرم التونسى تألق سيد درويش ومنيرة المهدية، والتفت مصر كلها والمشرق والمغرب حول محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وحول القصبجى وزكريا أحمد والسنباطى.
وها نحن الآن نتلفت حولنا نسأل عن الشعر ونسأل عن الموسيقى، فلا نجد من نسأل، ولا نجد من يجيب!
المصدر
