#شيء_من_اللغة: أصحيحٌ (ثمّةَ) أمْ خَطأٌ؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    #شيء_من_اللغة: أصحيحٌ (ثمّةَ) أمْ خَطأٌ؟

    #شيء_من_اللغة:

    أصحيحٌ (ثمّةَ) أمْ خَطأ؟








    د. هادي حسن حمّودي





    سؤال في شطر من الشعر

    جوابه السريع: نعم، لك أن تقول (ثمّة) في مثل: وكان ثَمَّةَ مجموعةٌ من الناس، كأنك قلت: وكان هناك مجموعة من الناس. على فارق دقيق في المعنى، حسب سياق المفرد والجمع.

    فإن أحببت مزيدا من القول، فتابعني:

    (1)

    (ثاء، فتحة + ميم، سكون + ميم، فتحة) (ثَمَّ): يدل على جمع الأشياء، ومن أمثلة القدماء (ثَمَمْتُ الشّيءَ إذا جَمَعْتَه). وقرّر بعض اللغويين أن أكثر ما يُستعمل في جمع الحشائش، ومنه قيل للقبضة من الحشائش (الثَّمَّة).

    وبما أنه دلّ على الجمع، ظهر له استعمالان:

    أ- بما أن بعض ما يُجمع يُستفاد منه لترميم ذاتيّ، كإصلاح طاولة أو أريكة وما إلى ذلك، قالوا: ثَمَمْت الشيء أثُمُّه ثمّا، اتساقا مع شممت الشيء أشمّه شمّا. فأنت تُصْلح الأريكة، فتجمع أجزاءها المتكسرة، بعضها إلى بعض، وتثبتها، بمسامير أو غيرها.

    ب- وبما أن بعض ما يُجمع يُستفاد منه في صناعة متاع وأثاث وغيرهما، كأن تجمع أخشابا ونوابض لتعمل سريرا لك، فعُبِّر عن ذلك بالقول ذاته: ثَممْتُ السرير أثمُّه ثمًّا، أي جمعت أصوله المكونة له وابتدعته.

    (2)

    وفي الحديث الشريف: كنّا أهل ثَمِّهِ ورَمِّه، فجعل الثَّمَّ بمعنى (الجمع) وأما الإصلاح فعبّر عنه بالرَّمِّ، ومنه الترميم. وقد أخطأ المعجميون حين جعلوا معناه: (أي نجمعه جمعا) فصار الرمّ عندهم بمعنى الجمع، كأنهم رأوه من (الإتباع والمزاوجة). وحقيقته أنه لفظ مستقل بذاته وليس تابعا لآخر، وإنما اتفق مع ما قبله بإيقاع اللفظ، أي نغمه. ثَمَّهُ/ رَمَّهُ.

    (3)

    ولعبدة بن الطبيب قصيدة في المفضليات، مطلعها:
    هل حبلُ خَولةَ بعد الهجرِ موصولُ
    أم أنت عنها بعيدُ الدارِ مشغولُ
    وفيها مقطع يصف وليمة لهم جاء فيه قوله:
    لمّا وردنا رفعنا ظل أردية
    وفار باللحم للقوم المراجيلُ
    ثُمّتَ قُمنا إلى جُرْدٍ مسوّمة
    أعرافهنّ لأيدينا مناديلُ
    فهم أكلوا اللحم النضيج ثم قاموا مسّحوا أيديهم بأعراف الخيل.

    (4)

    (ثُمّتَ) بضمّ الثاء. أراد (ثُمَّ) حرف عطف. وأضاف إليها التاء. وأيسر تفسير لظهور التاء في آخر الكلمة أنها لضرورة الشعر، ولكن للشاعر منزلة من الفصاحة تبعده عن الضرورات. فالشعراء الفصحاء يجددون في الاشتقاقات اللغوية فتتكون كلمات جديدة بصياغة تتضمّن معنى مضافا أو أكثر من معنى.

    فلفظة ثُمّت تضم العطف وتدل على المكان نفسه حيث كانت الوليمة. وندري أن الأداة (ثم) وحدها يتراخى فيها تلازم المعطوف والمعطوف عليه. فتاتي التاء لتقرّب الحدثين، الأكل (ثمت) قيامهم من موضع الطعام إلى حيث وقفت الخيل ليتخذوا من (أعرافهن) شعر رقابهنّ، مناديل يمسحون بها أيديهم.

    هذه اللفظة هي الأساس في (ثَمّة) بفتح الثاء وتشديد الميم، والتاء الهائية ُلحقت بـ(ثُمّ) ففتحت الثاء. فحدث تغييران فتح الثاء وإلحاق التاء الهائية التي تتحول إلى هاء في حال الوقف، مثال: والتقينا ثَمّه، وهي هاء ساكنة مخففة، لئلا تختلط بغيرها. وتستعمل للدلالة على المكان خالية من معنى العطف ومن معنى التعاقب بين المعطوف والمعطوف عليه، بطبيعة الحال. وهي اللفظة التي ما تزال مستعملة في لهجات بعض البيئات اللغوية العربيّة للدلالة على اجتماع ومكان، وبهذا تختلف عن (هناك) العائمة الغائمة المعنى في استعمالات الناس.

    **
    ملاحظة:

    النتيجة (مستوحاة) من عديد من قواعد اللغة واجتهادات الخليل وابن فارس وابن جني، خاصة، وكونها الآن من ظواهر بعض البيئات اللغوية الفصيحة كما قلنا.





    المصدر
يعمل...