"وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ"

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    "وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ"

    "وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ"







    د. هاني حسن حمودي



    سأل صديق عزيز عن معنى (الأعراف). وقد سبق أن ذكرت في (موسوعة معاني ألفاظ القرآن الكريم ج2/ ص 50-51) معناه اللغوي ثم قلت ما نصه: (يبدو أنها آماكن مرتفعة مشرفة على غيرها بحيث تؤهل من يقف عليها أن يرى الخلائق كلهم يوم الحشر. وهي من الغيب الذي نتوقف فيه).

    ومن أجل توضيح أوسع قليلا: نعالج الموضوع هنا معالجة أخرى:

    جاء في (سورة الأعراف 46-48): (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ. وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) أي بين الجنة والنار.

    أولا: كل لفظة وردت في التنزيل العزيز لها معناها اللغوي، ومعنى آخر، يضفيه عليها الاستعمال القرآني، من غير خروج عن المعنَى الأصيل للفظ.

    ثانيا: بعض الألفاظ القرآنية ذات بُعد غيبي. أي تتعلق بالغيب، ومن ذلك الغيب يوم القيامة. ما الذي سيجري؟ وكيف؟ وما هذا الحجاب بين الجنة والنار؟ وكيف هي أعرافه، أي مشارفه؟ وكيف هي الأبواب التي من باطنها العذاب؟ هذه وغيرها أسئلة لا جواب لها. لماذا؟

    تعالوا معي:

    نعرف أن القرآن الكريم تحدث عن الحشر والحساب والموازين وصور النعيم في الجنة والعذاب في الجحيم، وغير ذلك. وفي الوقت نفسه نقرأ حديثا شريفا في وصف الجنة أن فيها (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) أي حتى في التخيل لا يستطيع المرء تحديد صور ذلك النعيم. هذا على الرغم من عديد الآيات التي وصفت نعيم الجنة.
    وعلى هذا فإن ما جاء في القرآن الكريم من صور عالم الغيب يراد منه تقريبها إلى أذهان الناس ومداركهم بلغتهم وبمواضعاتهم اللغوية. وليس من المعقول أن يخاطبهم بغير ما يفهمون.
    وخذ مثالا على ذلك: لو سمع أحد القدماء مَن يقول: لقد تناهى لي هذا الخبر عن طريق الهاتف. فماذا سيظن؟ لا شك أنه لا يعرف أن المقصود بالهاتف هو (التلفون) بل سيظن ما كان معروفا عندهم من قبيل ما جاء في حكايات عديدة (وسمعت هاتفا يقول.. ثم لما نظرت حولي لم اجد أحدا) فقد كانوا ينسبون للجن مثل هذا.

    فالقرآن الكريم يحدثنا عن الآخرة بحسب مداركنا. وكل جيل يفهم القضايا المتعلقة بالغيب حسب مواضعات زمانه وله ذلك ولكنْ بما لا يُخلّ بالمعاني التي تؤديها ألفاظ القرآن الكريم.

    نعود للموضوع باختصار غير مخلّ:

    الأعراف، من الجذر (عرف) الدال على ما بعد العلم. ومنه (المعرفة) والفرق بينها وبين العلم: أنها نتيجة التأثر به والعمل بموجبه، ومنه مصطلح (العارف). والأعراف: الأماكن المرتفعة التي يراها الناس كالهضاب ومشارف الطرق. ولك أن تقول لصاحبك: أنت على أعراف هذا الأمر، ومشارف هذا المستقبل، لا تريد شيئا ماديا. بل تريد تعبيرا مجازيا للعلم وما يتبعه من معرفة. ويؤكد هذا قوله، تعالى:

    فبالمعنى المادي يكون على هذه الأماكن المرتفعة يوم القيامة (رجال يعرفون كلا بسيماهم) وبالمعنى المجازي (وهو مقبول لغويا بلا شك) يكون المعنى (علوّ المعرفة بالناس). أما سيماهم فعلاماتهم وصفاتهم. وقد قال بعض المفسرين إنهم ملائكة. ولكن لا يمكن قبول ذلك لأن الآية تقول (رجال).

    هل يمكن معرفة من هم؟

    ربما يمكن فهم ذلك على ضوء قوله، تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا. يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا)(سورة النساء 41-42). ومَن كالأنبياء والرسل مَن يستطيع معرفة الناس بعلاماتهم وسيماهم، سواء من الذين آذوهم في زمانهم أم جاؤوا من بعد ذلك؟!

    ولا تستبعد هذا، فأنت وفي هذه الحياة الدنيا، ترى شخصا فإذا بك تنفر منه بمجرد رؤيته، أو تستطيب صحبته، خاصة إن كان لديك شيء من الفراسة أو (الذكاء) في معرفة الآخرين، أو التجرية المكتسبة من الاختلاط بهم، والتعامل معهم.

    أعود فأقول: هذا ما تؤديه الألفاظ. أما ما سيحدث حقيقة فمما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وإنما هذه الصور لتقريب ما سيحدث يومذاك لأذهاننا ومداركنا.

    أما ما قيل من صفات أولئك الرجال وطولهم وعرضهم وماذا بأيديهم من الأسواط أو مقامع الحديد وما إلى ذلك، فنعيده إلى الخيال الذي لا جدوى من إضاعة الوقت بمناقشته.

    هذه خلاصة يسمح بها المجال. وشكرا لمن سأل، ومن تابع، ومن سيحاور.





    المصدر
يعمل...