آيات الصيام (النص والدلالة):
أدوات الخطاب
د. هادي حسن حمّودي
ذكر النحويون أنّ أدوات الخطاب/ النداء: يا، أي، أ، آ، هيا. ثم ذكروا حروف الندبة: يا، وا. وتحدثوا عن حذف حرف النداء بمثالهم: زيدُ أقبِلْ، عوضا عن (أزيدُ أقبِلْ) وخصصوا بعضها لنداء القريب وبعضها لنداء البعيد.
أمّا مثالهم: زيدُ أقْبِلْ، فليس فيه حرف نداء محذوف. فهذا التعبير هو الأصل في النداء، لأن حروف النداء تكميلية لأداء معان معيّنة محدّدة. ومن قبل أنْ تتحدّد تلك المعاني وتتوضّح لم يكن الناس بحاجة إلى تكميلات لغوية بمقدار حاجتهم إلى الأصول. وهذه هي طبيعة التطور. ويمكن ملاحظة ذلك في لغة الطفل وتطورها، فهي الشاهد المكين على تطور اللغة، منذ طفولة البشر وإلى اكتمال لغتهم الأولى، ثم تفرّعها إلى لغات عديدة.
حين يبدأ الطفل بالكلام، تسمعه يقول: بابا .. ماما. نداء بلا حرف نداء، وحين ينمو قليلا يبدأ بتغيير نبرة صوته ليؤدي معنى النداء بلا حرف وإنما بالصوت، حتى إذا اكتمل نموه استعمل أدوات النداء أحيانا. ومن الملاحظ أن الغالب على اللهجات العربية النداء بغير حرف نداء. وكمثال على ذلك تصور أن لديك صديقا اسمه زيد، وتريد أن تناديه، فستقول له: زيدْ تعال. وتنادي أخا لك اسمه أحمد: أحمد اعطني كأس ماء. وهكذا.
ثم تنشأ حروف النداء والخطاب والندبة. فأول ما ينشأ منها: الهمزة، فهي صوت من أقصى الحروف الحلقية حتى إنك لتسمع الطفل يلفظها في بداية تعلمه النطق. ثم الألف الممدودة (آ) ثم (يا) لاحقا.. أما (وا) فتسمعها في بعض لهجات العرب بمعنى (نعم) ونظرا لالتحاق الواو بالألف فأصبحت صوتا له عدد من الدلالات.
إن التغييرات التي طرأت على أدوات الخطاب، وتطورها من الهمزة إلى يا، لم تتوقف، بل تواصلت بحكم دخولها على المنادى. ولم يكن هذا الدخول بنمط واحد وأسلوب واحد، بل بأنماط مختلفة وبأساليب متنوعة وذلك حسب المعاني التي يُراد الحديث عنها، من حيث أهميتها وغاياتها.
ونلاحظ أن الخطاب في آيات الصيام جاء بلفظ (يا أيّها الذين آمَنوا) وهذه صيغة تفيد توكيدا ليس في غيرها من صيغ النداء. فلم يبدأ النص بمثل (يا أيها المؤمنون) أو (أيها المؤمنون) لأنّ لكل صيغة من هذه الصيغ درجة من درجات التأكيد، وتستعمل في النصوص الفصيحة بحسب أهمية الكلام الذي يأتي من بعدها، أعني بحسب أهمية موضوعه. وينطبق هذا الكلام على جميع استعمالات القرآن لهذه الصِّيَع.
أمّا استعمالاتنا المعاصرة لها فليست دليلا يُعتدّ به على أنّها بمعنَى واحد. فنحن نخلط بين هذه الصيغ الثلاث ولا نكاد نُفَرِّق بين واحدة وأخرى، فنستعمل أيّة صيغة من غير تأنٍّ وتفكّر في دلالتها. إلاّ أنّ للغة العربية مقوماتها وقوانينها في استعمال اللفظ المناسب في الموضع المناسب لأداء معنَى مناسب له، مِمّا نراه واضحا في القرآن الكريم، بخاصّة. وأدوات الخطاب ذاتها تطورت من حرف واحد أدّى معنى التنبيه، إلى هذا التركيب.
((نواصل في الحلقة القادمة)
المصدر
أدوات الخطاب
د. هادي حسن حمّودي
ذكر النحويون أنّ أدوات الخطاب/ النداء: يا، أي، أ، آ، هيا. ثم ذكروا حروف الندبة: يا، وا. وتحدثوا عن حذف حرف النداء بمثالهم: زيدُ أقبِلْ، عوضا عن (أزيدُ أقبِلْ) وخصصوا بعضها لنداء القريب وبعضها لنداء البعيد.
أمّا مثالهم: زيدُ أقْبِلْ، فليس فيه حرف نداء محذوف. فهذا التعبير هو الأصل في النداء، لأن حروف النداء تكميلية لأداء معان معيّنة محدّدة. ومن قبل أنْ تتحدّد تلك المعاني وتتوضّح لم يكن الناس بحاجة إلى تكميلات لغوية بمقدار حاجتهم إلى الأصول. وهذه هي طبيعة التطور. ويمكن ملاحظة ذلك في لغة الطفل وتطورها، فهي الشاهد المكين على تطور اللغة، منذ طفولة البشر وإلى اكتمال لغتهم الأولى، ثم تفرّعها إلى لغات عديدة.
حين يبدأ الطفل بالكلام، تسمعه يقول: بابا .. ماما. نداء بلا حرف نداء، وحين ينمو قليلا يبدأ بتغيير نبرة صوته ليؤدي معنى النداء بلا حرف وإنما بالصوت، حتى إذا اكتمل نموه استعمل أدوات النداء أحيانا. ومن الملاحظ أن الغالب على اللهجات العربية النداء بغير حرف نداء. وكمثال على ذلك تصور أن لديك صديقا اسمه زيد، وتريد أن تناديه، فستقول له: زيدْ تعال. وتنادي أخا لك اسمه أحمد: أحمد اعطني كأس ماء. وهكذا.
ثم تنشأ حروف النداء والخطاب والندبة. فأول ما ينشأ منها: الهمزة، فهي صوت من أقصى الحروف الحلقية حتى إنك لتسمع الطفل يلفظها في بداية تعلمه النطق. ثم الألف الممدودة (آ) ثم (يا) لاحقا.. أما (وا) فتسمعها في بعض لهجات العرب بمعنى (نعم) ونظرا لالتحاق الواو بالألف فأصبحت صوتا له عدد من الدلالات.
إن التغييرات التي طرأت على أدوات الخطاب، وتطورها من الهمزة إلى يا، لم تتوقف، بل تواصلت بحكم دخولها على المنادى. ولم يكن هذا الدخول بنمط واحد وأسلوب واحد، بل بأنماط مختلفة وبأساليب متنوعة وذلك حسب المعاني التي يُراد الحديث عنها، من حيث أهميتها وغاياتها.
ونلاحظ أن الخطاب في آيات الصيام جاء بلفظ (يا أيّها الذين آمَنوا) وهذه صيغة تفيد توكيدا ليس في غيرها من صيغ النداء. فلم يبدأ النص بمثل (يا أيها المؤمنون) أو (أيها المؤمنون) لأنّ لكل صيغة من هذه الصيغ درجة من درجات التأكيد، وتستعمل في النصوص الفصيحة بحسب أهمية الكلام الذي يأتي من بعدها، أعني بحسب أهمية موضوعه. وينطبق هذا الكلام على جميع استعمالات القرآن لهذه الصِّيَع.
أمّا استعمالاتنا المعاصرة لها فليست دليلا يُعتدّ به على أنّها بمعنَى واحد. فنحن نخلط بين هذه الصيغ الثلاث ولا نكاد نُفَرِّق بين واحدة وأخرى، فنستعمل أيّة صيغة من غير تأنٍّ وتفكّر في دلالتها. إلاّ أنّ للغة العربية مقوماتها وقوانينها في استعمال اللفظ المناسب في الموضع المناسب لأداء معنَى مناسب له، مِمّا نراه واضحا في القرآن الكريم، بخاصّة. وأدوات الخطاب ذاتها تطورت من حرف واحد أدّى معنى التنبيه، إلى هذا التركيب.
((نواصل في الحلقة القادمة)
المصدر
