مستويات الخطاب الفصيح

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    مستويات الخطاب الفصيح

    مستويات الخطاب الفصيح






    د. هادي حسن حمّودي




    تختلف مستويات الخطاب حسب الصيغة المستعملة التي يجب أن تكون متوافقة مع أهمية الموضوع الذي تحتويه. ففي (أيّها المؤمنون) نداء يريد من سامعيه أن يلتفتوا إلى ما وراءه من كلام، من غير أن يؤكد عليهم ذلك الالتفات، أمّا إذا أُريد تأكيد التفاتهم إلى ما يُراد منهم فيجب الارتقاء درجة في صيغة النداء، فيقال (ياأيّها) النّاس مثلا. أما إذا أُرىد التأكيد على السامعين وأن يكونوا على بيّنة من أن ما سيُطلب منهم هو من الأهمية بمكان عظيم، فلا بد أن يُخاطَبوا بـ: (ياأيها الذين) آمنوا، مثلا.

    فنحن أمام أربعة أساليب في النداء والمنادى وموضوع النداء، نذكرها من الأقل تأكيدا إلى الأكثر تحديدا وأعمق تأكيدا، ولا نعرض هنا للنداء بلا أداة:

    يا /// أيها الـ /// يا أيها الـ /// يا أيها الذين..

    وذلك أن تكرار صيغة (يا) المفيدة للنداء الأول ثم (أي) المفيدة للنداء الثاني ثم (ها) المفيدة للتبيه ثم استعمال الاسم الموصول (الذين) المفيد لحصر المقصودين بالنداء، لأنه لهم لا لغيرهم. فكل هذه الأدوات هي توكيد لتأكيد يحدّد المنادى وموضوع النداء، من أجل إثارة تفكير المخاطبين واهتمامهم بالمطلوب منهم بأقصى درجات العناية والالتزام، لأنّه من الأمور ذات الأهمية القصوى في حياتهم وسلوكهم، وهو - في هذا السياق - موضوع الصّيام الذي كُتب عليهم كما كُتب على الذين من قبلهم.

    وبذلك فانّ المخاطَب الفصيح سَيَفْهَم أنّ المطلوب منه أقصى درجات العناية والانتباه، وأنّ الكلام الذي سيعقب هذا النداء من الأمور ذات الأهمية القصوى في حياته وسلوكه. وتلك هي طريقة القرآن الكريم وأنظمة اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وقد جمعتها مقولة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال. ونلاحظها في جميع سياقات النداء في التنزيل العزيز.

    أمّا إعراب (أي) بأنها منادى فإنْ لم يأت قبلها حرف نداء فيُقدّر، وأن (ها) حرف لا محل له من الإعراب، فنرى أن من الأولى أن تكون (أي) أداة نداء، كما في: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) و (ها) تنبيه يؤكد النداء.

    وعلى هذا يكون الخطاب الذي تستهلّ به الآية موضوع الصيام، خطابا ملفتا للنظر ومثيرا للانتباه الحاد، بحيث يصبح المقصود التوكيد على الموضوع الذي سيذكر فيما بعد. وهو، في هذا السياق، موضوع الصيام.

    وقد وقع هذا التطور، شأنه شأن أي تطور آخر، نتيجة تنمية لغوية احتاج الناس إليها، للتعبير عن أفكارهم المتنوعة، بحيث تكون كل صيغة جديدة متناسبة مع سياقها والموضوع الذي تريد عرضه للناس.

    ملاحظة: ولم يرد في التنزيل العزيز: أيها المسلمون، ولا: يا أيها المسلمون، ولا: يا أيها الذين أسلموا. ولم يرد أيها المؤمنون، إلا مع يا: (يا أيها المؤمنون). كما ورد (يا أيها الذين آمنوا) وذلك للفرق بين معنى الإيمان ومعنى الإسلام. وهذا الفرق لا يُدرك بتصورات البشر، بل بأدلة من القرآن نفسه.




    المصدر

يعمل...