#شيء_من_اللغة: عن الصَّديق والمُصّدِّق والصِّدِّيق

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    #شيء_من_اللغة: عن الصَّديق والمُصّدِّق والصِّدِّيق

    #شيء_من_اللغة:

    عن الصَّديق والمُصّدِّق والصِّدِّيق








    د. هادي حسن حمّودي




    إجابة لأسئلة عن هذه الكلمات أقول:

    (1)
    الصِّدْق ضدّ الكَذِب. والصادق ضدّه الكاذب. والمبالغة في الكاذب كذّاب. ولا مبالغة في الصادق فلا يُقال صَدّاق. لأنه الذي لا يُعرف عنه إلا الصدق فلا يُحْوِج إلى مبالغة. أما (صِدِّيق وصِدِّيقة) بتشديد الدّال وكسرها فليس من كان كثير التصديق لغيره، بل من كان تجسيدا كاملا للصدق، من أعماق ذاته وإلى ظاهر أقواله وأفعاله.

    (2)

    الصَّدِيق: من الجذر (صدق) الدالّ على القوة في القول والعمل وغيرهما. والصادق هو القوي، سمي بذلك لقوته في نفسه فهو أقوى من مشاعر ضعاف النفوس التي تؤدي، حتما، إلى الكذب. ومنه: رُمحٌ صَدقٌ: صُلبٌ. وصَدَقَ القوم في الحرب، أي: ثبتوا وحاربوا ببسالة وعزيمة صادقة. وذهب لغويون إلى القول إن الصداقة هي المُخالّة، أي إن الصديق هو الخليل. وهذا غير دقيق، فليس لك أن تقول، على سبيل المثال: واتخذ الله إبراهيم صديقا.

    الصداقة علاقة بين طرفين، من مستوى واحد، وقد يكون صديقا لك وأنت لست صديقا له، كما يمكن أن تكون صديقه ولكنه، في حقيقة مشاعره، ليس صديقا لك. وهذا لا يقع بين الخليلين. وكم رأينا من صديق يخون صديقه. ولا يمكن أن تقع الخيانة بين خليلين. وهذا اختلاف لغوي آخر بين المخالّة والصداقة.

    وقد شجر خلاف بين اللغويين في تذكير اللفظ وتأنيثه. فقد نصّ الخليل على فصاحة: فلانٌ صديقي وفلانة صديقتي، وإن قيل: هي صديقي على التكرار جاز. أي إنه أجاز تذكير الوصف ولكن على التكرار.

    والمشهور في المعجمات أن اللفظ يذكّر وإن كان في صفة الأنثى، وقد ورد ذلك في الشعر، كما ورد لفظ (الصديق) في المفرد والجمع.

    ونرى أن رؤية الخليل أسلم، في عموم الأحوال، فثمة فرق بين أن تقول: ذهبت فلانة لزيارة صديقتها، و: ذهبت فلانة لزيارة صديقها. وورود الصِّدِّيق والصِّدِّيقة، تذكيرا وتأنيثا، في التنزيل العزيز مما يقوّي رأي الخليل.

    وقد فسّروا لفظ الصديق الوارد في: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) بأنها دالة على الجمع. لأنهم رأوها معطوفة على جمع. ولكن الوصف (حميم) جاء لمفرد لا لجمع، فلا تقول: لي أصدقاء حميم. ونرى المعنى أن المتكلمين يقررون أن ليس لديهم أيّ صديق، ولا صديق واحد يدافع عنهم أو يشفع لهم.

    ومِنَ اللغويين مَنْ قال: إن (مُصَدِّق) بتشديد الدّال وكسرها مبالغة في الصادق. غير أن هذا غير صحيح: فالمصدِّق صفة عابرة للمرء حين يكون كثير التصديق لِما يسمع، والصادق صفة نابعة من الذات.

    وزعموا أن (الصِّدِّيق) و(الصِّدِّيقة) هما الكثيرا التصديق. وإذا أخذنا بهذا المعنى فسيكون أتباع فرعون صِدِّيقين لأنهم كانوا كثيري التصديق لفرعون. والحقيقة أنهم مصدِّقون به فحسب.
    كما أن في: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) وفي: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ) دلالة على معنى آخر. فبأي شيء يكون النبي، أيّ نبي، كثير التصديق؟ إذا كان بالوحي فإن تصديقه به ليس كثيرا ولا قليلا فهو تصديق كامل. وكذلك في حالة السيدة مريم.

    فنرى أن معنى (الصِّدِّيق) مَنْ صار كأنه الصدق مُجَسّدا، وكذلك معنى (الصِّدِّيقة). تماما كما تجسّد البِرّ في الموصوف في هذه الآية: (ولكنّ البِرَّ مَنْ آمنَ باللّهِ واليومِ الآخِرِ والملائكةِ والكتابِ والنَّبيِّينَ...) فهذا الذي آمن بالله واليوم الآخر والملائكة.. إلى آخره، قد أصبح البِرَّ مجسدا ولن تجد فيه إلاّه صفة. وسبق أن بحثنا هذه الآية في حلقة سابقة.




    المصدر
يعمل...