#شيء_من_اللغة:
أشياء و(أ ش ي ي اء) وما إليهما
د. هادي حسن حمّودي
أرسلت الأستاذة زوينة علي الحارثية من سلطنة عُمان، رسالة عن كلمة (أشياء) وقول أحدهم إنها ممنوعة من الصرف (للمماثلة الصوتية) وقول آخر إنها مُنعت على غير قياس. وقول ثالث: إن صرفها في الحديث النبوي لا يُعتدّ به لأنه جُمع بعد التقعيد.. (وثمة أقوال أخرى مختلفة، على جري العادة المستعادة).
وأضافت فسألتني: بأي شيء أعلل قول الخليل إن مفرد أشياء (شيئاء) وأن بها قلبا فصار وزنها (لفعاء) فتحولت إلى صيغ منتهى الجموع، فمُنعت من الصرف؟ (رسالة الأستاذة زوينة في آخر النص).
أجبتها في بريد الصفحة وهنا اختصار موجز للجواب.
** جوابي:
أما قول (المماثلة الصوتية) فلا صحة له، بل لا معنى له. مماثلة صوتية لمن ومع من؟ لا يكفي إطلاق الكلام بلا دليل مقنع قائم على تحليل صوتي للنص.
أما الخليل فله قولان مذكوران في كتاب العين 4/321-322 ط، مسقط. ومزجهما الاسكافي في مختصر كتاب العين (2/985، ط 2، مسقط) حين نقل من العين قول الخليل: (أشياء: جمع شيء، ولا يُصرف، وأصله شيِّءٌ. وأُلزم التخفيف مثل: سًيِّء..). فأصل لفظة (شيء) عند الخليل بتشديد الياء (شَيّء). وجمع (شيء): أشياء. ثم زادوا فقالوا حدث في أصل الجمع تقديم وتأخير فصار الوزن لفعاء.
هذا من حيث سؤالك عن الخليل.
أما عن قولي في الصرف والمنع من الصرف، فلي قاعدة أساس في فهم اللغة، وهي:
المعوَّل في فهم دور الكلمة في الجملة على بناء الجملة، لا على بنية الكلمة. وسبق أن تحدثت عن:
* الآية (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ) الفعل تمرّون لازم، تعدّى إلى المفعول به بالحرف (على).
* تمرون بالديار: الفعل تمرّون لازم، تعدى إلى المفعول به بحرف الجر الباء.
* تمرون الديار (الشاعر جرير): الفعل تمرّون متعدّ بنفسه إلى المفعول. لا ضرورة لتقدير حرف جر محذوف ولا للقول بضرورة شعرية، ولا لتضمين الفعل (تمرون) معنى فعل آخر. (وسبق أن كتبنا عنه).
فالفعل اللازم إن تعدى في نص فصيح بنفسه لا بحرف جر (كما في قول جرير)، فهو متعدّ (في ذلك النص) وليس لازما فلا يحوج إلى التكلّف والتصنّع.
أرى أن كل الاستعمالات فصيحة صحيحة ما وردت في نصوص فصيحة، والاختلاف في الدلالة والبيان فقط.
كذلك هنا: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، كلمة (أشياءَ) ممنوعة من الصرف. بغير حاجة لخنقها في أنبوبةِ صيغة صرفية. يكفي استعمال القرآن لها. ومن الواضح أنها لمّا لم تقبل دخول تلك الأنبوبة اضطروا إلى المراوغة والتقديم والتأخير في بناء الكلمة مما لا ضرورة له.
فإذا جاءت مصروفة في (نصّ فصيح) فهي مصروفة.
**
** من رسالة الأستاذة زوينة علي الحارثية:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستاذي الجليل كل عام وانتم بخير وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
سيدي: دخلت في إحدى صفحات الفيسبوك النحوية فإذا بصاحبها يسأل عن إعراب كلمة أشياء في قوله تعالى (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)(المائدة 101) فأجاب أحدهم بقول الدكتور رمضان عبدالتواب بأنها منعت من الصرف للمماثلة الصوتية. وأجبت أنا (أي السيدة زوينة) بما بقي في ذاكرتي مما سمعته من اساتذتي ولا أذكر من منهم تحديدا بأنها منعت من الصرف على غير قياس. ثم عدت للبحث فوجدت الدكتور إبرهيم الشمسان تتبع المسألة عند القدماء والمحدثين فذكر أن القدامى من علماء اللغة إنما عللوا منعها من الصرف بما يتماشى مع قواعد الممنوع من الصرف في العربية فتكلفوا في ذلك فأرجعوا المنع لعلة صرفية. والمحدثون أرجعوا المنع لعلة صوتية وهو قول له وجاهته وبين أن الشواهد النحوية لكلمة أشياء أتت بها تارة مصروفة وتارة غير مصروفة وبالنسبة لأحاديث النبي التي وردت فيها كلمة أشياء فقد جاءت مصروفة ولكن تقييد الحديث جاء بعد تقعيد قواعد النحو والصرف فلا يعول عليها في الاستشهاد على منعها من الصرف وقد اختلف أبو حاتم من القدامى مع الخليل والكسائي وغيرهما بأن قال بأنها منعت من الصرف بغير علة. فما قولكم في هذه المسألة بارك الله فيك؟
المصدر
أشياء و(أ ش ي ي اء) وما إليهما
د. هادي حسن حمّودي
أرسلت الأستاذة زوينة علي الحارثية من سلطنة عُمان، رسالة عن كلمة (أشياء) وقول أحدهم إنها ممنوعة من الصرف (للمماثلة الصوتية) وقول آخر إنها مُنعت على غير قياس. وقول ثالث: إن صرفها في الحديث النبوي لا يُعتدّ به لأنه جُمع بعد التقعيد.. (وثمة أقوال أخرى مختلفة، على جري العادة المستعادة).
وأضافت فسألتني: بأي شيء أعلل قول الخليل إن مفرد أشياء (شيئاء) وأن بها قلبا فصار وزنها (لفعاء) فتحولت إلى صيغ منتهى الجموع، فمُنعت من الصرف؟ (رسالة الأستاذة زوينة في آخر النص).
أجبتها في بريد الصفحة وهنا اختصار موجز للجواب.
** جوابي:
أما قول (المماثلة الصوتية) فلا صحة له، بل لا معنى له. مماثلة صوتية لمن ومع من؟ لا يكفي إطلاق الكلام بلا دليل مقنع قائم على تحليل صوتي للنص.
أما الخليل فله قولان مذكوران في كتاب العين 4/321-322 ط، مسقط. ومزجهما الاسكافي في مختصر كتاب العين (2/985، ط 2، مسقط) حين نقل من العين قول الخليل: (أشياء: جمع شيء، ولا يُصرف، وأصله شيِّءٌ. وأُلزم التخفيف مثل: سًيِّء..). فأصل لفظة (شيء) عند الخليل بتشديد الياء (شَيّء). وجمع (شيء): أشياء. ثم زادوا فقالوا حدث في أصل الجمع تقديم وتأخير فصار الوزن لفعاء.
هذا من حيث سؤالك عن الخليل.
أما عن قولي في الصرف والمنع من الصرف، فلي قاعدة أساس في فهم اللغة، وهي:
المعوَّل في فهم دور الكلمة في الجملة على بناء الجملة، لا على بنية الكلمة. وسبق أن تحدثت عن:
* الآية (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ) الفعل تمرّون لازم، تعدّى إلى المفعول به بالحرف (على).
* تمرون بالديار: الفعل تمرّون لازم، تعدى إلى المفعول به بحرف الجر الباء.
* تمرون الديار (الشاعر جرير): الفعل تمرّون متعدّ بنفسه إلى المفعول. لا ضرورة لتقدير حرف جر محذوف ولا للقول بضرورة شعرية، ولا لتضمين الفعل (تمرون) معنى فعل آخر. (وسبق أن كتبنا عنه).
فالفعل اللازم إن تعدى في نص فصيح بنفسه لا بحرف جر (كما في قول جرير)، فهو متعدّ (في ذلك النص) وليس لازما فلا يحوج إلى التكلّف والتصنّع.
أرى أن كل الاستعمالات فصيحة صحيحة ما وردت في نصوص فصيحة، والاختلاف في الدلالة والبيان فقط.
كذلك هنا: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، كلمة (أشياءَ) ممنوعة من الصرف. بغير حاجة لخنقها في أنبوبةِ صيغة صرفية. يكفي استعمال القرآن لها. ومن الواضح أنها لمّا لم تقبل دخول تلك الأنبوبة اضطروا إلى المراوغة والتقديم والتأخير في بناء الكلمة مما لا ضرورة له.
فإذا جاءت مصروفة في (نصّ فصيح) فهي مصروفة.
**
** من رسالة الأستاذة زوينة علي الحارثية:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستاذي الجليل كل عام وانتم بخير وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
سيدي: دخلت في إحدى صفحات الفيسبوك النحوية فإذا بصاحبها يسأل عن إعراب كلمة أشياء في قوله تعالى (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)(المائدة 101) فأجاب أحدهم بقول الدكتور رمضان عبدالتواب بأنها منعت من الصرف للمماثلة الصوتية. وأجبت أنا (أي السيدة زوينة) بما بقي في ذاكرتي مما سمعته من اساتذتي ولا أذكر من منهم تحديدا بأنها منعت من الصرف على غير قياس. ثم عدت للبحث فوجدت الدكتور إبرهيم الشمسان تتبع المسألة عند القدماء والمحدثين فذكر أن القدامى من علماء اللغة إنما عللوا منعها من الصرف بما يتماشى مع قواعد الممنوع من الصرف في العربية فتكلفوا في ذلك فأرجعوا المنع لعلة صرفية. والمحدثون أرجعوا المنع لعلة صوتية وهو قول له وجاهته وبين أن الشواهد النحوية لكلمة أشياء أتت بها تارة مصروفة وتارة غير مصروفة وبالنسبة لأحاديث النبي التي وردت فيها كلمة أشياء فقد جاءت مصروفة ولكن تقييد الحديث جاء بعد تقعيد قواعد النحو والصرف فلا يعول عليها في الاستشهاد على منعها من الصرف وقد اختلف أبو حاتم من القدامى مع الخليل والكسائي وغيرهما بأن قال بأنها منعت من الصرف بغير علة. فما قولكم في هذه المسألة بارك الله فيك؟
المصدر
