صعوبات عولمة الكتابة العلمية باللغة العربية
د. محمود السعيد
فى الفترة من 10 ـ 12 أكتوبر 2024 استضافت إمارة دبى بدولة الإمارات العربية المتحدة أعمال المؤتمر الدولى العاشر للغة العربية، وسعدت بدعوتى للمشاركة متحدثا فيه، فى ندوة تحت عنوان: «الأمن الوطنى واللغوى وتصنيف الجامعات العربية»، وتضمن حديثى تأكيد أننا فى هذا العصر نواجه تحديات غير مسبوقة تتعلق بأمننا الوطنى واللغوي، وهو ما يستدعى من الحكومات العربية بذل جهود مضاعفة لحماية هويتنا وثقافتنا العربية، وهذا هو المقصود تحديدا بمصطلح «الأمن اللغوي». فلاشك فى أن الأمن الوطنى والقومى والأمن اللغوى هما وجهان لعملة واحدة، إذ لا يمكن تحقيق استقرار حقيقى لأى دولة دون تحقيق استقرار مجتمعي، والذى لا يتأتى إلا بحماية لغتها وثقافتها، فاللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هى وعاء الفكر العربى وجزء لا يتجزأ من الهوية والثقافة. وعلينا أن ندرك أن حماية لغتنا العربية وتعزيز مكانتها على الصعيدين المحلى والدولى هو إحدى ركائز الأمن القومى لكل الدول العربية.
وفى سياق متصل، يتطلب الأمن اللغوى بذل جهود كبيرة من المؤسسات الأكاديمية والبحثية العربية بغرض تعزيز حضور اللغة العربية فى مختلف المجالات الأكاديمية والعلمية على الساحة الدولية لتحقيق عدة أهداف قومية، ومنها بالطبع تحسين تصنيف الجامعات العربية فى التصنيفات الدولية، حيث يمثل تصنيف الجامعات مقياسًا لجودة التعليم والبحث العلمى فى أى بلد ويعكس مستوى التقدم والتطور الذى تحققه مؤسساتها الأكاديمية. ومن أكثر المعايير التى تعتمدها التصنيفات الدولية فى ترتيبها للجامعات هو حجم النشر الصادر من الجامعة وحجم الاقتباسات الدولية منه. وللأسف الشديد فإن مسألة تدويل النشر باللغة العربية تواجه العديد من التحديات التى تؤثر بشدة على حجم الاقتباسات من المنشورات العربية والاستشهاد بها، وكذلك تؤثر على انتشار الكتب والأبحاث والمقالات العلمية المكتوبة بهذه اللغة على الساحة الدولية. فى مقدمة التحديات التى تواجه النشر العربى وتؤثر على تصنيف الجامعات العربية بالسلب هو حاجز اللغة، فاللغة الإنجليزية هى اللغة السائدة فى عصرنا الحالى فى عملية النشر العلمى الدولي، مما يجعل الأبحاث المكتوبة بلغات أخري، ومنها اللغة العربية بالطبع، غير متاحة لعدد كبير من الباحثين والعلماء حول العالم ليقتبسوا منها، وهو ما يقلل من فرص الاستشهاد بهذه الأبحاث فى المنشورات العالمية، وهو ما يحد من تأثيرها العلمى على الساحة الدولية.
أما التحدى الثانى فهو ندرة عدد المجلات الدولية الناطقة بالعربية، حيث إن معظم دورياتنا العربية هى محلية، وهناك عدد محدود من المجلات العلمية التى تنشر باللغة العربية وتتمتع بتأثير دولي. هذه ليست مشكلة اللغة العربية فقط، بل مشكلة معظم لغات العالم، حيث إن الغالبية العظمى من المجلات المرموقة التى تُدرج فى قواعد البيانات العالمية، مثل سكوبس وكلاريفت، تُنشر باللغات الأوروبية، خاصة الإنجليزية. التحدى الثالث هو ضعف الدعم المؤسسى للنشر بها، فبغرض زيادة تصنيفها الدولي، يركز العديد من الجامعات والمؤسسات البحثية فى عالمنا العربى على النشر باللغة الإنجليزية وتهمل اللغة العربية، وخصوصا فى القطاعات العلمية والتكنولوجية. هذا الأمر يضعف الاهتمام بالنشر باللغة العربية ويقلل من التشجيع على تدويل الأبحاث المكتوبة بالعربية.
أيضا هناك عدم اهتمام بترجمة الأبحاث العربية، وخصوصا المتميزة منها، إلى لغات آخري، وخاصة الإنجليزية. فالترجمة العلمية الدقيقة تتطلب جهدا كبيرا ومهارات متخصصة، وهى غير متوفرة بشكل كاف فى عالمنا العربى لتغطية حجم الإنتاج العلمى باللغة العربية. والتجارب الدولية تؤكد أهمية ترجمة الأعمال المنشورة بلغة محلية إلى الإنجليزية، فدولة مثل الصين استطاعت أن تزاحم الدول الكبرى فى مجال البحث العلمى عندما اهتمت بترجمة الأعمال البحثية من اللغة الصينية إلى الإنجليزية، وأصبح ترتيب الصين هو ثانى دولة على العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث الإنتاج البحثى المنشور دوليا.
وأخيرا لا يمكن أن نتجاهل تحدى تعريب المصطلحات العلمية الحديثة، فمعظم المصطلحات الإنجليزية ليس لها مكافئ دقيق فى اللغة العربية، مما يسبب صعوبات فى التواصل العلمي. ويواجه الباحثون العرب صعوبة فى توضيح أو تقديم نتائجهم العلمية البحثية بطريقة مفهومة للمجتمع العلمى الدولى لهذا السبب تحديدا. وعلى الجامعات العربية أن تضطلع بدور محورى فى تعزيز الكتابة والنشر باللغة العربية ومن ثم المساهمة فى تعزيز الأمن اللغوى والأمن القومى للبلاد، وذلك من خلال تحسين برامج التعليم باللغة العربية وتطوير المناهج التى تعزز من قدرة الطلاب على التفكير النقدى والإبداعى باللغة العربية. كما يجب أن تسعى جامعاتنا العربية إلى تعزيز البحث العلمى باللغة العربية وتطويره، وتشجيع الأكاديميين والباحثين على نشر أبحاثهم ودراساتهم فى مجلات علمية مرموقة باللغة العربية. عليها أيضا مهمة قومية فى تعزيز المجلات العلمية الناطقة بالعربية والعمل بقوة من خلال اتحاد الجامعات العربية على تسجيلها فى قواعد البيانات الدولية لزيادة فرص الاستشهاد بها وانتشارها. كما يجب الاهتمام بإنشاء برامج ومبادرات لترجمة الأبحاث العربية إلى لغات أخرى لتسهيل الوصول إليها على الصعيد الدولي. وأخيرا يجب تكثيف برامج التدريب على الكتابة العلمية باللغة العربية للباحثين العرب، تتضمن كيفية كتابة الأبحاث العلمية بأسلوب يسهل تدويلها حتى وإن كانت مكتوبة بالعربية. إن مسألة تدويل الكتابة والنشر باللغة العربية يتطلب تعاونا بين المؤسسات الأكاديمية، ودعما من الحكومات، وجهودا من المؤسسات العربية مثل اتحاد الجامعات العربية، لتعزيز حضور اللغة العربية على المستوى الدولي. هذا من شأنه أن يؤدى إلى تعزيز الجهود المبذولة للحفاظ على الأمن اللغوى وينعكس إيجابيا على الأمن الوطنى والقومى للدول العربية.
---------
نائب رئيس جامعة القاهرة
بوابة الأهرام
د. محمود السعيد
فى الفترة من 10 ـ 12 أكتوبر 2024 استضافت إمارة دبى بدولة الإمارات العربية المتحدة أعمال المؤتمر الدولى العاشر للغة العربية، وسعدت بدعوتى للمشاركة متحدثا فيه، فى ندوة تحت عنوان: «الأمن الوطنى واللغوى وتصنيف الجامعات العربية»، وتضمن حديثى تأكيد أننا فى هذا العصر نواجه تحديات غير مسبوقة تتعلق بأمننا الوطنى واللغوي، وهو ما يستدعى من الحكومات العربية بذل جهود مضاعفة لحماية هويتنا وثقافتنا العربية، وهذا هو المقصود تحديدا بمصطلح «الأمن اللغوي». فلاشك فى أن الأمن الوطنى والقومى والأمن اللغوى هما وجهان لعملة واحدة، إذ لا يمكن تحقيق استقرار حقيقى لأى دولة دون تحقيق استقرار مجتمعي، والذى لا يتأتى إلا بحماية لغتها وثقافتها، فاللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هى وعاء الفكر العربى وجزء لا يتجزأ من الهوية والثقافة. وعلينا أن ندرك أن حماية لغتنا العربية وتعزيز مكانتها على الصعيدين المحلى والدولى هو إحدى ركائز الأمن القومى لكل الدول العربية.
وفى سياق متصل، يتطلب الأمن اللغوى بذل جهود كبيرة من المؤسسات الأكاديمية والبحثية العربية بغرض تعزيز حضور اللغة العربية فى مختلف المجالات الأكاديمية والعلمية على الساحة الدولية لتحقيق عدة أهداف قومية، ومنها بالطبع تحسين تصنيف الجامعات العربية فى التصنيفات الدولية، حيث يمثل تصنيف الجامعات مقياسًا لجودة التعليم والبحث العلمى فى أى بلد ويعكس مستوى التقدم والتطور الذى تحققه مؤسساتها الأكاديمية. ومن أكثر المعايير التى تعتمدها التصنيفات الدولية فى ترتيبها للجامعات هو حجم النشر الصادر من الجامعة وحجم الاقتباسات الدولية منه. وللأسف الشديد فإن مسألة تدويل النشر باللغة العربية تواجه العديد من التحديات التى تؤثر بشدة على حجم الاقتباسات من المنشورات العربية والاستشهاد بها، وكذلك تؤثر على انتشار الكتب والأبحاث والمقالات العلمية المكتوبة بهذه اللغة على الساحة الدولية. فى مقدمة التحديات التى تواجه النشر العربى وتؤثر على تصنيف الجامعات العربية بالسلب هو حاجز اللغة، فاللغة الإنجليزية هى اللغة السائدة فى عصرنا الحالى فى عملية النشر العلمى الدولي، مما يجعل الأبحاث المكتوبة بلغات أخري، ومنها اللغة العربية بالطبع، غير متاحة لعدد كبير من الباحثين والعلماء حول العالم ليقتبسوا منها، وهو ما يقلل من فرص الاستشهاد بهذه الأبحاث فى المنشورات العالمية، وهو ما يحد من تأثيرها العلمى على الساحة الدولية.
أما التحدى الثانى فهو ندرة عدد المجلات الدولية الناطقة بالعربية، حيث إن معظم دورياتنا العربية هى محلية، وهناك عدد محدود من المجلات العلمية التى تنشر باللغة العربية وتتمتع بتأثير دولي. هذه ليست مشكلة اللغة العربية فقط، بل مشكلة معظم لغات العالم، حيث إن الغالبية العظمى من المجلات المرموقة التى تُدرج فى قواعد البيانات العالمية، مثل سكوبس وكلاريفت، تُنشر باللغات الأوروبية، خاصة الإنجليزية. التحدى الثالث هو ضعف الدعم المؤسسى للنشر بها، فبغرض زيادة تصنيفها الدولي، يركز العديد من الجامعات والمؤسسات البحثية فى عالمنا العربى على النشر باللغة الإنجليزية وتهمل اللغة العربية، وخصوصا فى القطاعات العلمية والتكنولوجية. هذا الأمر يضعف الاهتمام بالنشر باللغة العربية ويقلل من التشجيع على تدويل الأبحاث المكتوبة بالعربية.
أيضا هناك عدم اهتمام بترجمة الأبحاث العربية، وخصوصا المتميزة منها، إلى لغات آخري، وخاصة الإنجليزية. فالترجمة العلمية الدقيقة تتطلب جهدا كبيرا ومهارات متخصصة، وهى غير متوفرة بشكل كاف فى عالمنا العربى لتغطية حجم الإنتاج العلمى باللغة العربية. والتجارب الدولية تؤكد أهمية ترجمة الأعمال المنشورة بلغة محلية إلى الإنجليزية، فدولة مثل الصين استطاعت أن تزاحم الدول الكبرى فى مجال البحث العلمى عندما اهتمت بترجمة الأعمال البحثية من اللغة الصينية إلى الإنجليزية، وأصبح ترتيب الصين هو ثانى دولة على العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث الإنتاج البحثى المنشور دوليا.
وأخيرا لا يمكن أن نتجاهل تحدى تعريب المصطلحات العلمية الحديثة، فمعظم المصطلحات الإنجليزية ليس لها مكافئ دقيق فى اللغة العربية، مما يسبب صعوبات فى التواصل العلمي. ويواجه الباحثون العرب صعوبة فى توضيح أو تقديم نتائجهم العلمية البحثية بطريقة مفهومة للمجتمع العلمى الدولى لهذا السبب تحديدا. وعلى الجامعات العربية أن تضطلع بدور محورى فى تعزيز الكتابة والنشر باللغة العربية ومن ثم المساهمة فى تعزيز الأمن اللغوى والأمن القومى للبلاد، وذلك من خلال تحسين برامج التعليم باللغة العربية وتطوير المناهج التى تعزز من قدرة الطلاب على التفكير النقدى والإبداعى باللغة العربية. كما يجب أن تسعى جامعاتنا العربية إلى تعزيز البحث العلمى باللغة العربية وتطويره، وتشجيع الأكاديميين والباحثين على نشر أبحاثهم ودراساتهم فى مجلات علمية مرموقة باللغة العربية. عليها أيضا مهمة قومية فى تعزيز المجلات العلمية الناطقة بالعربية والعمل بقوة من خلال اتحاد الجامعات العربية على تسجيلها فى قواعد البيانات الدولية لزيادة فرص الاستشهاد بها وانتشارها. كما يجب الاهتمام بإنشاء برامج ومبادرات لترجمة الأبحاث العربية إلى لغات أخرى لتسهيل الوصول إليها على الصعيد الدولي. وأخيرا يجب تكثيف برامج التدريب على الكتابة العلمية باللغة العربية للباحثين العرب، تتضمن كيفية كتابة الأبحاث العلمية بأسلوب يسهل تدويلها حتى وإن كانت مكتوبة بالعربية. إن مسألة تدويل الكتابة والنشر باللغة العربية يتطلب تعاونا بين المؤسسات الأكاديمية، ودعما من الحكومات، وجهودا من المؤسسات العربية مثل اتحاد الجامعات العربية، لتعزيز حضور اللغة العربية على المستوى الدولي. هذا من شأنه أن يؤدى إلى تعزيز الجهود المبذولة للحفاظ على الأمن اللغوى وينعكس إيجابيا على الأمن الوطنى والقومى للدول العربية.
---------
نائب رئيس جامعة القاهرة
بوابة الأهرام
