الشجاعات من النساء (...) ومنهن الخنساء الشاعرة
"الشجاعات من النساء (...) ومنهن الخنساء الشاعرة، واسمها تُماضِر بنت عمرو بن الشريد السُّلَمِيّة. حضرت حرب القادسية -رضي الله عنها!- ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم من أول الليل: يا بَنِيّ، إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خُنْتُ أباكم، ولا فَضَحْتُ خالكم، ولا هجَّنتُ حسبكم، ولا غيَّرتُ نسبكم! وقد تعلمون ما أعدَّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين. واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، بقول الله -عز، وجل!-: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ" -آل عمران: 200- فإذا أصبحتم غدا -إن شاء الله!- سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين؛ فإذا رأيتم الحرب قد شمَّرَتْ عن ساقها، واضطرمت لظًى على سُبّاقها، وجُلِّلت نارا على أرواقها، فتيمَّموا وَطِيسها، وجالدوا رَئيسها عند احتدام خَمِيسها، تظفروا بالمَغْنم والكرامة في دار الخلد والمُقامة! فخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قولها، فلما أضاء لهم الصبح بادروا مراكزَهم، وأنشأ أولهم يقول:
يا إخوتي إن العجوز الناصحةْ
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحةْ
بِقالةٍ ذات بيان واضحةْ
فباكروا الحرب الضروس الكالحةْ
وإنما تَلْقَوْنَ عند الصائحةْ
مِنْ آلِ ساسانَ كلابًا نابحةْ
قد أيقنوا منكم بوَقْع الجائحةْ
وأنتمُ بين حياةٍ صالحةْ
ومِيتة تُورِث غُنْمًا رابحةْ
وتقدم فقاتل حتى قُتل -رضي الله عنه!- ثم حَمَلَ الثاني وهو يقول:
إن العجوز ذاتُ حزمٍ وجلدْ
والنظرِ الأوفق والرأي السَّدَدْ
قد أمَرَتنا بالسَّداد والرشدْ
نصيحةً منها وبِرًّا بالولدْ
فباركوا الحرب حُماةً في العُدَدْ
إمَا بفوزٍ بارد على الكبدْ
أو مِيتة تُورِثُكُمْ عيشَ الأبدْ
في جنة الفردوس والعيش الرَّغَدْ
وقاتل حتى استشهد -رضي الله عنه!- ثم حَمَلَ الثالثُ وهو يقول:
والله لا نَعصي العجوزَ حَرْفا
قد أمَرَتنا حَرَبًا وعَطْفا
نُصْحًا وبِرًّا صادقًا ولُطْفا
فبادِروا الحربَ الضَّروسَ زَحْفا
حتى تَلُفُّوا آل كِسْرى لَفّا
أو يَكْشِفوكمْ عن حِماكُمْ كَشْفا
إنّا نَرى التقصير عنهمْ ضَعْفا
والقتلَ فيهم نَجْدةً وعُرْفا
فقاتل حتى استشهد -رضي الله عنه!- ثم حَمَل الرابعُ وهو يقول:
لستُ لِخنساء ولا للأحزمِ
ولا لعمرٍو ذي السَّناءِ الأقدمِ
إن لم أَرِدْ في الجَيْش جَيْشِ الأعجمِ
ماضٍ على الهول خِضَمٍّ خِضْرِمِ
إمّا لِفَوْزٍ عاجلٍ ومَغْنمِ
أو لِوفاة في سبيلِ الأَكْرَمِ
فقاتل حتى قتل -رضي الله عنهم، ورحمهم!- فبلغها الخبر، فقالت: الحمد لله الذي شرَّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته"!
ابن الشيخ البلوي المالقي (604=1207).
"الشجاعات من النساء (...) ومنهن الخنساء الشاعرة، واسمها تُماضِر بنت عمرو بن الشريد السُّلَمِيّة. حضرت حرب القادسية -رضي الله عنها!- ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم من أول الليل: يا بَنِيّ، إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خُنْتُ أباكم، ولا فَضَحْتُ خالكم، ولا هجَّنتُ حسبكم، ولا غيَّرتُ نسبكم! وقد تعلمون ما أعدَّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين. واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، بقول الله -عز، وجل!-: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ" -آل عمران: 200- فإذا أصبحتم غدا -إن شاء الله!- سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين؛ فإذا رأيتم الحرب قد شمَّرَتْ عن ساقها، واضطرمت لظًى على سُبّاقها، وجُلِّلت نارا على أرواقها، فتيمَّموا وَطِيسها، وجالدوا رَئيسها عند احتدام خَمِيسها، تظفروا بالمَغْنم والكرامة في دار الخلد والمُقامة! فخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قولها، فلما أضاء لهم الصبح بادروا مراكزَهم، وأنشأ أولهم يقول:
يا إخوتي إن العجوز الناصحةْ
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحةْ
بِقالةٍ ذات بيان واضحةْ
فباكروا الحرب الضروس الكالحةْ
وإنما تَلْقَوْنَ عند الصائحةْ
مِنْ آلِ ساسانَ كلابًا نابحةْ
قد أيقنوا منكم بوَقْع الجائحةْ
وأنتمُ بين حياةٍ صالحةْ
ومِيتة تُورِث غُنْمًا رابحةْ
وتقدم فقاتل حتى قُتل -رضي الله عنه!- ثم حَمَلَ الثاني وهو يقول:
إن العجوز ذاتُ حزمٍ وجلدْ
والنظرِ الأوفق والرأي السَّدَدْ
قد أمَرَتنا بالسَّداد والرشدْ
نصيحةً منها وبِرًّا بالولدْ
فباركوا الحرب حُماةً في العُدَدْ
إمَا بفوزٍ بارد على الكبدْ
أو مِيتة تُورِثُكُمْ عيشَ الأبدْ
في جنة الفردوس والعيش الرَّغَدْ
وقاتل حتى استشهد -رضي الله عنه!- ثم حَمَلَ الثالثُ وهو يقول:
والله لا نَعصي العجوزَ حَرْفا
قد أمَرَتنا حَرَبًا وعَطْفا
نُصْحًا وبِرًّا صادقًا ولُطْفا
فبادِروا الحربَ الضَّروسَ زَحْفا
حتى تَلُفُّوا آل كِسْرى لَفّا
أو يَكْشِفوكمْ عن حِماكُمْ كَشْفا
إنّا نَرى التقصير عنهمْ ضَعْفا
والقتلَ فيهم نَجْدةً وعُرْفا
فقاتل حتى استشهد -رضي الله عنه!- ثم حَمَل الرابعُ وهو يقول:
لستُ لِخنساء ولا للأحزمِ
ولا لعمرٍو ذي السَّناءِ الأقدمِ
إن لم أَرِدْ في الجَيْش جَيْشِ الأعجمِ
ماضٍ على الهول خِضَمٍّ خِضْرِمِ
إمّا لِفَوْزٍ عاجلٍ ومَغْنمِ
أو لِوفاة في سبيلِ الأَكْرَمِ
فقاتل حتى قتل -رضي الله عنهم، ورحمهم!- فبلغها الخبر، فقالت: الحمد لله الذي شرَّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته"!
ابن الشيخ البلوي المالقي (604=1207).
