البَيانُ في أَنَّ (وَراءَ) قدْ تَأتي بمَعنَى (أَمامَ) في القرآن الكريم

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    البَيانُ في أَنَّ (وَراءَ) قدْ تَأتي بمَعنَى (أَمامَ) في القرآن الكريم

    أَسْرارُ البَيَان في القُرآنِ:

    البَيانُ في أَنَّ (وَراءَ) قدْ تَأتي بمَعنَى (أَمامَ)

    في مِثلِ قولهِ تعالَى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾







    ذ. مصطفى بوعزة



    إنّ المتدَبّر النّاظرَ في كَلمَة (وَرَاء) يَقف مِنها عَلى خَفايا بَديعةٍ، هَيّأَتها لهَا سِياقاتٌ مَقاميّةٌ ومَقاليّةٌ فَريدةٌ، فقدِ اتّحَد لَفظُها، لكنِ اختَلفَ فيهَا المعْنَى، فجَعلوهَا منَ المشتَرَك اللَّفظيّ، وبَعضُهُم اعْتَبرهَا منَ الأضدَاد. وعلَى أيّ حالٍ كانَ الأمرُ ، فإنّ كلَّ كَلمةٍ تَنفَسِح فيهَا المعَاني، فإنَّ التّحقيقَ يَكشفُ أنّ لهَا معنىً أصليّاً يَقومُ بهَا، ومنهُ تَنشعبُ باقي المعَاني آخِذةً مَعها قَبْـسَةً منَ الأصلِ،قدْ تَقرُبُ منهُ قُرباً يَسهُل معهُ جَلاؤُهَا، منْ بَادي النّظَر، وَقدْ تَبعُدُ عنهُ بُعداً ذَا عُمقٍ وغَورٍ يكادُ يَنبَــهِم فيهِ الأصلُ، ويَعفَى أَثرُهُ، فَلا يُستَجلَى إلّا بفَضلِ دَقيقِ نَظرٍ، وسَابغ فِكرٍ وبَصَر. فَيكونُ اللّفظُ بمعنَاهُ الأصْليّ دَالّا عَليهِ بالحَقيقَة، بَينَما هوَ بالمعَاني المنشعِبَة دَالًّا علَيـها بالمجَاز؛ فَلفظُ (العَيْن)، مَثَلا، حَقيقةٌ في الدّلالَة علَى (العَيْن البَاصِرَة)، وهُو مَجازٌ في الدّلالَة علَى غَيرهَا: (كَعَيْن الماءِ، وعَينِ الجَاسُوس…).

    وقدْ وقَفنَا في وَرقاتٍ سَابقةٍ عندَ بَيان أَحَد المعَاني الخَفيَّة لِكلمَة (وَرَاء)، وهوَ أنّها تَأتي بمَعنَى (الحَفِيد) أوْ (وَلَد الوَلَد)، وذلكَ في سِياقِ قولهِ تعَالى: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب﴾. وأشَرنا إلى أنّ المعنَى الأصليّ لكلمَة (وَرَاء) هوَ ما يُقصَدُ بهِ من مَعنَى (خَلْف). وكانَ ذلكَ بَيّناً بجَلاءٍ في قولهِ تعَالى في سُورةِ (الحُجُرَات): ﴿إِنَّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾، وقولهِ عزَّ وجَلّ في سُورَة (الحَشْر): ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ إِلَّا في قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾. فَكلُّ ذلكَ علَى حقيقَة اللَّفظِ بمَعنَى (خَلْف).

    لكنَّ كلمَةَ (وَرَاء)تَستَجلبُ فِكرَك، وتَستوقفُ النَّظَر في قَولهِ تعَالى في سُورَة (إبْرَاهِيم): ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأتِيهِ ٱلْـمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾، ومِثلُها في قولهِ تعَالى في سُورَة (المؤْمِنُون): ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرزَخٌ إِلَى يَومِ يُبْعَثُونَ﴾، وقولهِ تعَالى في سُورَة (الجَاثِيَة): ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْـهُمْ مَا كَسَبُواْ شَيْئاً﴾، وكَذلكَ قولُه تعَالى في سُورة (الإنْسَان): ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً ﴾، وقولُهُ جلَّ وعَلَا في سُورَة(الكَهْف): ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾.

    أمّا في الآيَة الّتي في (الحُجُرات) و(الحَشْر)، فإنَّ كلمَةَ (وَرَاء)، لا تَستَوْقِفُ القَارئَ، فالاسْتِقبالُ الذِّهنيّ لَديْه يَمضي علَى الاسْتِعمَال الجَاري الَّذي يَسبقُ إلَى الفَهْم، فيَحمِلها عَليهِ، لأنَّ مَعنَاهَا في سِيَاقِها عَلَى أصْلِهَا، مَقصُودٌ بهِ إلَى مَكَانٍ مُحدّدٍ، يَتصوَّرهُ الذِّهْن: (مِنْ وَرَاءِ الحُجُرات)، (مِنْ وَرَاء جُدُر)، وهُوَ مُقابلٌ لِـــــ(أَمَامَ). ويُمكنُ أنْ تَسْتَـبدِلَ بهِ مُرادِفَهُ (خَلْفَ)، فتَقول: (مِنْ خَلْفِ الحُجُرَات). لكنَّ قولَهُ تعَالى في آيَةِ (إبْرَاهيم): ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾، وَآيَة (المؤْمِنُونَ): ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾، وأمثَالِها، تَستَوقفُ القَارئَ، لأنّ مَعْنَاها في سيَاقِها هَذا لا يَسْتَقيمُ إذَا أنْتَ جعَلتَـها بمَعنَى: (خَلْفَ)، فالبَرزَخُ مَثلاً، ليسَ ورَاءَهُم، أيْ في مَكانٍ خَلفَهُم، بلْ هُمْ مُقبلُون عَليْهِ، فيبْدُو أنَّه (أمَامَهُمْ) يَنـتَظرُ قُدُومَهم، فَتخرُجُ الكلمَةُ حينَـئذٍ إلى حَيّــزٍ مَجازيّ يَتّـسعُ بهِ المعنَى وتَنفَسحُ الدَّلالَة انْفِساحاً قدْ يَقلبُـها إلى الضّدِّ.

    فإذَا أَنتَ تَصفّحتَ كتبَ اللُّغةِ والتَّفسِير، وجدْتَ أنّ منْ تَناولَ هذهِ الآيَات، ذَهبَ بمعنَى (وَرَاء) إلَى (أَمَامَ وَقُدّام)، قالَ (أبو عُبَيدَة) في (مَجَاز القُرآن): ﴿ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾، مجازُهُ : قُدَّامَه وأَمَامَه، يُقالُ: إنَّ الموتَ مِنْ وَرَائِكَ،أيْ قُدّامَك». وقالَ (الأَخفَش) في (مَعاني القُرآن): ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ أيْ : مِنْ أَمامِهِ». وهَذَا مَا جعَل بعْضَ علَماءِ اللّغةِ يَعتبرُونَ (ورَاءَ) منَ الأضْدَادِ، مِنهُم (أبُو عُبَيدَةَ) و(الأزْهَريّ)، ذكرَ ذلك (القُرطُبيّ) في (تَفسيرهِ)،إذْ قالَ: «وقالَ (الأَزهَريّ): إنَّ وَراءَ تكُونُ بمَعْنَى خَلفَ وأَمَامَ، فَهُو منَ الأَضْدَادِ، وقالَهُ (أبُو عُبَيدَة) أيضاً».

    وضَيّقَ (الفَرّاءُ) منْ دَلالَتِها، فَذهبَ في (مَعاني القُرآن) إلَى أنّ (وَرَاء) لَا تكونُ بمَعنَى (أَمَام)، إلّا فيمَا هوَ دالٌّ علَى الزَّمَان، فلَا تَجوزُ في المكَان، حيثُ قالَ : «وَقولُهُ: ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾، يقولُ: أَمَامَهُمْ مَلِكٌ. وهوَ كقَولهِ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾، أيَ أنَّها بَينَ يَديْهِ. وَلا يَجوزُ أنْ تَقولَ لرَجلٍ وَراءَكَ: هُو بَينَ يَديْكَ، وَلا لِرجلٍ هُو بَينَ يَديْكَ: هُوَ وَراءَكَ، إنَّمَا يَجُوز ذلكَ في الموَاقيتِ منَ الأيّامِ واللَّيالي وَالدَّهْر، أنْ تَقولَ: وَراءَك بَرْدٌ شَديدٌ، وبَينَ يَديْكَ بَرْدٌ شَديدٌ؛ لأنَّكَ أنتَ وراءَهُ، فجَازَ لأنَّهُ شيْءٌ يَأتِي، فَكأنَّهُ إذَا لَحقَك صَارَ منْ وَرائِكَ، وَكأنَّكَ إذَا بَلغتَهُ صَار بَينَ يَديْكَ. فلذَلكَ جازَ الوَجهَان». ونفسُ المذْهَب نَجدُهُ عِندَ (الثّعَالِبيّ) في (الجَوَاهر الحِسَانِ) حيْثُ يَقُول: «الوَرَاءُ هُنا، هُوَ ما يَأْتي بَعْدُ في الزَّمَان، وذَلكَ أنَّ التَّقديرَ في هَذِهِ الحَوَادِثِ بالأَمَامِ وَالوراءِ، إِنّمَا هُو بالزَّمَانِ». وقالَ (ابنُ الجَوزيّ) في (بَدَائع الفَوَائد): «﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾، وَرَائِيّةُ زَمانٍ لا مَكانٍ. وهيَ إنَّما تَكونُ في المستَقبَل الَّذي هُو أمَامَك. فلمَّا كانَ مَعنى الأمَامِ لازِمًا لهَا، ظنَّ مَنْ ظَنَّ أَنّها مُشْتَـرَكة. ولَا اشْتِراكَ فيهَا. وكَذلكَ قولهُ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾، وَكذلكَ ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾».

    وذهبَ آخَرونَ إلى أنَّها يَشتركُ فيهَا المعنَيانِ علَى السَّوَاء، لا عَلى التَّضادّ، وإنَّما عَلى أثَرٍ منْ مَعنَى الاسْتِـتَار الَّذي فيهَا، فكانَ ذلكَ سَبَـباً في إبْـهامِ مَأتَى الجِهَة فيهَا، فجازَ إطلاقُهَا علَى (الخَلفِ) وعلَى (الأَمَام)، لأنَّ ما غَابَ عنكَ ولَمْ تُشاهِدْهُ، خَفِيَتْ عَليكَ جِهَتُهُ. جاءَ في (لسَان العَـــــرَب) قولُهُ: «وقالَ الزّجّاجُ: (ورَاءَ) يكُونُ لِخلْف وقُدَّام، ومَعنَاهَا مَا تَوَارَى عَنكَ، أيْ مَا اسْتَـتَــرَ عنْكَ». وهُو قريبٌ منْ قولِ العَالمِ اللّغَويّ (أبِي العَبَّاس ثَعْلَب)،كمَا جَاء في (زَادِ المسِير) لابْنِ الجَوْزيّ، قالَ: «وسُئِلَ (ثَعْلَبُ): لمَ قِيل الوَرَاءُ لِلْأَمَام؟ فقَال: الْوَراءُ: اسْمٌ لما تَوَارَى عنْ عَيْنِك، سواءٌ أكَانَ أمَامَكَ أمْ خَلفَكَ». ونفسُ الكَلامِ بتَفصيلٍ ذَكرهُ (الآمِديّ) في (الموَازَنَة)، فقالَ: (وَرَاء) إنَّما هيَ منَ الْـمُوارَاة والاسْتِـتَار؛ فمَا استَـتَـر عنكَ فهوَ (وَرَاء)، خَلفَكَ كانَ أوْ قُدَّامَك، هذَا إذَا لمْ تَرهُ ولمْ تُشاهِدْه، وأمَّا إذَا رَأيتَهُ فَلَا يَكونُ أَمامَكَ وَوَرَاءَكَ.

    وقدْ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾. قَالُوا: إنَّهُ كانَ أمَامَهُم، وصَلَح ذَلكَ لأنَّهُم لمْ يُعَاينُوهُ ولَمْ يُشَاهدُوهُ». وبذلكَ صرَّح بتَحقيقٍ (فَخرُ الدّين الرَّازي) في (مَفاتِيحِ الغَيْب)،إذْ قالَ: «وتَحقيقُهُ أنّ كلَّ ما غَابَ عنكَ فقَد تَوارَى عَنكَ، وأنتَ مُتوارٍ عنهُ، فكُلُّ ما غابَ عنكَ فهُوَ وَراءَك. وأَمامُ الشَّيء وقُدَّامُه، إذَا كانَ غائباً عنهُ مُتوارياً عنهُ، فلَمْ يَبعُدْ إطلاقُ لَفظِ (وَرَاء) عَليهِ».

    فإذَا تقَصَّيتَ الأمرَ غايَةَ التَّقصِّي، بَدا لكَ من ذَلكَ مَعنىً دَقيقٌ لَطيفٌ في الغَايَة من البَداعَة. ذلكَ أنَّ النّظَر بفَضلِ تَدبُّرٍ، يَخلصُ بكَ إلى أنْ تَزعمَ عَلى اسْتِحياءٍ، فتقولَ مُستَدركاً: لَعلَّ اختيَار القُرآنِ لكَلمَة (وَراءَ) دُونَ غَيرهَا أنْ يكونَ لِبسْطِ مَعنىً أَخفَى، لا يَحملُهُ سِواها، وإلّا لَكانَ استَعمَل لَفظَ(أَمَام). ومَا ذَهب إليهِ المفَسّرُون وأهلُ اللّغَة، إنّما هوَ تَقريبٌ للمَعنَى الّذي اسْتلزَمهُ السّيَاق. وأوّلُ ما يَستَلفتُ النَّظَر، أنّ (وَرَاء) فيهَا مَعنى الاسْتِـتَار والاسْتخفَاء، وأنتَ تَجدُ أنّ كلَّ ما تَعلّق بهِ لَفظُ (وَرَاء) في هَذهِ الآيَات، إنَّمَا هُو منَ الغَيبِ الْـمُستَـتر : ( البَرزَخ – العَذابُ الغَليظ – جَهنّم – يَومٌ ثَقيل)، وحَتّى (الملِكُ الغَاصِب) بالنّـسبَة (لأصحَاب السَّفينَة). ثمَّ إنَّ السّائرَ إليهَا، سائرٌ إلَى قَدرٍ مَحتُومٍ، لا خَلاصَ لهُ منهُ، ولَيسَ لهُ عنهُ منْ مَحيصٍ. فكانتْ هذهِ الحَتمِيّةُ الْـمُلزمَة للمَرءِ بالسَّيرِ إليهَا، علَى غَير إرادَتهِ، ورَغماً عَنْ مَشيئَـتهِ، وكأنّـها صارَتْ تَطلُبُه وتُلاحقُهُ، لتُدركَهُ وهوَ يائِسٌ منَ الإفْلاتِ منهَا، فأُلبِسَتْ هذهِ الْـمُغَيّبَات لِباسَ الْـمُطَارِد الْـمُستَحثِّ الصادِقِ في طلَبِهِ.

    وأنتَ بمَزيدِ اسْتِقصاءٍ، وَاقعٌ علَى إشَاراتٍ بديعَةٍ لأَئمّةٍ في التَّفسِير، تُبرزُ هذَا المعنَى وتَكشفُهُ؛ قالَ (الوَاحديّ النّيسَابُوريّ) في (التَّفسِير البَسِيط): «وقالَ (مُقَاتل): ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يَعني بَعْدَهُ . وهذَا علَى مَعنَى أنَّ جَهنَّمَ تَلْحَقُهُ، وأنَّ عَاقبَتهُ تَصيرُ إلَيْــها؛ كمَا يُقالُ: ( وَرَاءَكَ بَرْدٌ شَديدٌ)، أيْ: أنَّهُ يَأتيكَ ويَبْلُغُكَ، و(أَنَا مِنْ وَرَاءِ هَذَا الأَمْرِ)، أيْ: أَصِلُ إليْهِ طالِبًا، ومنهُ قولُ (لَبِيد):

    أَلَيْسَ وَرَائِي إنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتي /// لُزُومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأصَابعُ

    جَعلَ الشَّيْبَ وزَمانَهُ وَراءَهُ، علَى مَعنَى أنّهُ يَأتِيهِ ويَلحَقُهُ». ومنْ بَعدهِ قالَ (جَمالُ الدّين القَاسميّ) في (مَحَاسِن التَّأوِيل): «﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ﴾، جُملةٌ في مَحلّ جَرٍّ صِفةٌ لـــــ(جَبّار )، كنايَة عنْ تَطَلّـبِـهَا لهُ وتَرصُّدهَا إيّاهُ، ومَنْ تَطلَّبَ شَيْـئاً وَتَرصَّدَهُ، أَدرَكَهُ لا مَحالَةَ». فالمعنَى علَى أنَّ كلَّ ما هُوَ حاصلٌ حَتماً، وأنتَ سائِرٌ إليهِ قَدَراً، يُـنَـزَّل مَنزلَةَ مَا يَطلبُكَ ويُلاحِقُك لِيُدركَكَ، وكأنَّهُ يَتعقَّبُك من خَلفكَ حتَّى يَصلَ إليكَ.

    وإنْ شئتَ تَقريبَ المعْنَى هذَا بلفظٍ مُغايِرٍ، وعبَارَة مُختَلفةٍ، فاقرَأْ قولهُ تعالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْـمَوْتُ﴾، فالفعْلُ (أَدْرَكَ)، فعلٌ يُستَعملُ لِـمَا يَأتي منَ الخَلفِ مُلاحِقاً لـمَنْ تَقدَّمهُ، حتّى يَصلَ إليهِ. قالَ في (المصبَاح الْـمُنير): «أَدْرَكْــتُهُ، إذَا طَلَبْتَهُ فَلَحِقْتَهُ». وقالَ (الجَوهريّ) في (الصِّحَاح): «الإدْراكُ: اللّحُوقُ. يُقالُ: مَشيتُ حَتّى أَدْرَكْــتُهُ». ولا يكونُ (الدّرْكُ) إلّا لِـمَن سَبَقكَ، وأنتَ تأتيهِ منْ خلْفِه. ثمَّ اقرَأ قولهُ تعالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْـمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾،تَجِدْ أنّ الموتَ يَأتِـيهِم منْ أَمَامِهِم. فتأمّلْ هذَا الإعْجَازَ البَيانيّ؛ (يَفِرّونَ منَ الموتِ)، فَهوَ يُلاحِقُهُم منْ خَلفِهِم، ثمَّ هوَ (يُلاقِيـهِم)، أيْ يَأتيـهِم مِنْ أَمامِهِم. هذَا المعنَى المرَكَّب الّذي يَجمعُ الضِّدّين: (خَلْف وأَمَام)، احْتوَاهُ لَفظُ (وَرَاء)، فكأنَّكَ إنْ شِئْـتَ، قلتَ: (مِن وَرائِكُمُ الموْتُ)؛ فهُوَ يُلاحِقُهُم فيُدركُهُم حَتماً، وهوَ أَمامَهُم يَنتظرُهُم، وهمْ سَائرونَ إليهِ لِزاماً. وكذلكَ هوَ المعنَى في هذهِ الآيَات: ( فالبَـرزَخ غَيبٌ مَستُورٌ، وهُو يَطلُـبـهُم، وسَيُدركُهُم، وهمْ سَائرونَ إليهِ حَتماً فيُلاقِيـهِم). وكذلكَ (العَذابُ الغَلِيظ) و(جَهنَّم)، و(اليَومُ الثَّقِيل)، وكذلكَ هوَ (الملِكُ الغَاصبُ) بالنّـسبَة (لأصحَاب السَّفينَة): ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾. وإنْ شئتَ مَزيدَ بَيانٍ، فتَأمَّل قولَ (النَّابغَة الذُّبيانيّ):

    فَإِنَّكَ كَاللّيلِ الَّذي هُوَ مُدرِكي /// وَإِن خِلتُ أَنَّ المُنتَأى عَنكَ واسِعُ

    فَاللّيلُ منْ حيثُ هُو زَمانٌ، أمَامَهُ، لكنّهُ بما هوَ حَتمٌ سَيرُهُ إليهِ، ودُخُولُه فيهِ، جَعلهُ في صُورَة مَن يَطلبُهُ منْ خَلفهِ ليُدركَهُ. ولَو شاءَ لقالَ: (إنّكَ كاللَّيلِ الّذي مِنْ وَرَائِي).

    وقولَ (لَبِيد بنِ رَبيعَة):

    أَلَيسَ وَرائي إِن تَراخَت مَنِيَّتِـي /// لُزومُ العَصا تُحْنَــى عَلَـيْـهَا الأَصَابِعُ

    فَلُزُومُ العَصا، لَمْ يَأتِ عَليهِ بعدُ، فهُوَ في زَمانٍ مُستَقبَل، لكنَّهُ في العُرف الجَاري واقْتِضاء العَادةِ، أَمرٌ حَتمٌ علَى منْ طالَ عُمُره، فأخرجَهُ في هَذهِ الصُّورَة البَديعَة، وكأنّهُ شيءٌ يُلاحقُهُ ويَطلبُهُ منْ خَلفهِ ليُدركَهُ. ولوْ شاءَ لقالَ: (سَيُدركُني زَمانٌ أَلْزَمُ فيهِ العَصَا).



    المصدر
يعمل...