اللغة العربية في عصر الحوسبة.. الواقع والتطلعات

دعاء محمود القرعان
تواجه اللّغة العربيّة اليوم في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، حضورًا ضعيفًا في محتواها الرقمي الذي لا يتعدى 3 %.
وللغة العربية خصائص فريدة، بتركيبها النحوي، وغنى صرفها، وتعدد أشكال كتابتها، وتباين اللهجات المحلية. وتمثل ندرة الموارد الرقمية المهيكلة، مثل المعاجم الإلكترونية والمصادر اللغوية المصنفة، تحديًا كبيرًا أمام الباحثين والمبرمجين، مما يحد من قدرة اللغة العربية على المنافسة في التطبيقات الحديثة مثل الترجمة الآلية؛ فتغدو قضية حوسبة اللغة العربية مسألة ملحّة للولوج إلى فضاء الحوسبة والتقنيات الذكية؛ لتظل اللغة حيّة في زمن التكنولوجيا، فلا بد من حوسبتها وإقحامها ضمن العالم الرقمي، بغية خدمة جلّ المجالات التي يزاولها الإنسان، وإتاحة آفاق جديدة للبحث والدراسة وتطوير اللغة في ضوء تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشدد المادة (31) من الدستور الأردنيّ، قانون رقم (19) لسنة 2015، المادة (4) من قانون مجمع اللغة العربية الأردني، على (النهوض باللغة العربية لمواكبة متطلبات مجتمع المعرفة، والحفاظ على سلامة اللغة العربية والعمل على أن تواكب متطلبات الآداب والعلوم والفنون الحديثة)، فكانت حوسبة اللغة العربية مطلبًا ضروريًا، وخطوة ماسّة، في ضوء التقدم السريع في مجالات الرقمنة.
واستوجب ذلك النظر لهذه المسألة؛ لأن في ذلك حماية للأمن الثقافي الحضاري للأمة العربيّة، فاللغة العربيّة تتمتع بثراء عز نظيره، فهي تتفوق بقدرتها على مجاراة التطورات الرقمية والحوسبة الحديثة، وليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاء للمعرفة، وجسر يربط بين التراث والحاضر، إذ تمتلك نظاما خاصا يجعلها أكثر قابلية لأن تمثل حاسوبيا، فهي توفر مجالات كثيرة للمعالجة الآلية على اختلاف مستوياتها الصوتية والمعجمية والصرفية والنحوية، ما يجعلها متماهية مع تطورات الذكاء الاصطناعي، مع إبقاء طابعها الأصيل؛ لا سيّما أنها من أكثر اللغات قابلية للمعالجة الآلية؛ لأنها تجمع بين كثير من الخصائص اللغوية المشتركة مع اللغات الأخرى.
ويثير الوضع الراهن تساؤلات حول قدرة اللغة العربية على الصمود والتطور في ظل الثورة الرقمية الضخمة، ومستقبلها في عالم التكنولوجيا الحديثة، فكيف يمكن تكييفها وحوسبتها لمواكبة هذا التحول الرقمي؟ وما أبرز الصعوبات التقنية التي تواجه حوسبة اللغة العربية؟ وكيف يمكن تهيئة لغتنا لمتطلبات عصر المعلومات؟ وما دور المؤسسات التعليمية والبحثية في دعم هذه العملية؟
يأتي هذا التحقيق كاشفًا واقع اللغة العربية في عصر الحوسبة، من خلال استكشاف التحديات التقنية واللغوية، وجمع آراء اللغويين والمختصين والباحثين والمبرمجين، حول مدى جاهزية اللغة العربية لمواكبة التحولات الرقمية. كما يسعى التحقيق إلى رصد المأمول المستقبلي للغة في فضاء المعلوماتية، وكيفية تطوير أدوات وتقنيات تكنولوجية تدعم حوسبتها، مع الحفاظ على خصائصها اللغوية الفريدة وقيمها الثقافية الأصيلة.
رأي المختصين في اللغة
الأستاذ الدكتور وليد العناتي يقول: «إن أهم الصعوبات التي تواجه حوسبة العربية قد تم تجاوزها منذ أن نجح المهندسون العرب في تعريب الحاسوب وتطويعه للأبجدية العربية، ويفترض أن وضع اللغة العربية يتحسن مع تطور معالجة اللغة العربية وتنفيذ أدوات معالجة وبرامج متنوعة تيسر التغلب على المشكلات. ويتحسن وضع اللغة العربية في بيئات الذكاء الاصطناعي بسبب الانتقال من المعالجة والتوصيل الحاسوبي إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي».
ويضيف: «لا شك أن نمو اللغة العربية وتطور معالجتها يقوم على أساسين كبيرين، هما: بناء المحتوى العربي، وتطويره وتنويعه، وهذا ينعكس إيجابيا على الذكاء الاصطناعي التوليدي...».
وفي هذا الإطار، قالت الدكتورة إيناس الخلايلة، وهي مختصة في اللسانيات الحاسوبيّة إن مشكلة اللغة العربية في مستوياتها وخصائصها من: اشتقاق، وتوليد، ونحت وترادف وأضداد، وهذا يخلق مشاكل للمحتوى الرقميّ وللغة العربية نفسها في الإنترنت.
وأشارت إلى أن عدم وجود تخصّصِ يهتمُ بالهندسة اللغوية، أو اللسانيّات الحاسوبية، يشكل مشكلة، فمعظمُ الخرّيجين هم من طلبة اللغة العربيّة.
واقترحت سبلًا لمعالجة المشكلة، وذلك «بتوعية الطلبة في قسم اللغة العربية إلى وجود مساقات لها علاقة باللغة الحاسوبية، وتغيير خطط الدراسة، والتحسين المستمرّ وتحديثات فترية لتطبيقات الذكاء الاصطناعيّ، وكذلك جعل الحاسوب يستوعبُ قواعد اللغة العربية وخصائصا ومستوياتها، وطرق نموّها كالاشتقاق والتوليد والاقتراض، والاستعانة بخبراءَ في اللغة العربية وتدخّلهم العمليّ في تطبيقات الحاسوب اللغوي أو الذكاء الاصطناعي».
رأي المختصين في تكنولوجيا المعلومات
أوضح الأستاذ الدكتور بلال أبو صالح «أن واقع اللغة العربية في عصر الحوسبة يتسم بالتحدي والفرصة في آن واحد؛ فعلى الرغم من الانتشار الواسع الذي أتاحته لنا التقنية، فإن لغتنا تواجه تحديات حقيقية تتمثل في ضعف المحتوى الرقمي النوعي، وهيمنة المصطلحات التقنية الأجنبية التي تدفعنا أحيانًا لاستخدام «العربيزي»، بالإضافة إلى الصعوبات التقنية التي تواجهها اللغة العربية في مجال معالجة اللغات الطبيعية نظرًا لخصائصها الفريدة. هذه التحديات مجتمعة تخلق فجوة تتطلب منا وقفة جادة وعملاً دؤوباً».
وتابع: «من وجهة نظري، تكمن أبرز الحلول في تضافر الجهود لإثراء المحتوى العربي الرقمي كماً ونوعاً، والاستثمار الجاد في أبحاث وتقنيات اللغة العربية الحاسوبية لتجاوز العقبات البرمجية. كما أقترح ضرورة تفعيل وتوحيد جهود تعريب المصطلحات العلمية والتقنية الحديثة عبر منصة موحدة، وتطوير مناهجنا التعليمية لدمج المهارات الرقمية باللغة العربية، وأخيرًا، لا بد من بناء شراكة حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية لدعم وتنفيذ استراتيجية واضحة تضمن للغتنا مكانتها التي تستحقها في العالم الرقمي».
وصرّحت رئيسة فريق هندسة الجودة في شركة سيارة، سارة المعايطة، المتخصصة في علم الحاسوب: «وجود اللغة العربية في أنظمة البرمجة صعب جداً ومكلف لأبعد الحدود. لغات البرمجة القديمة والحالية بالأصل تتحدث لغة الآلة وهي لا تعرف إلا نظام الأصفار والواحدات، وحتى يكون هناك ربط بين ما يتم عمله والنتائج النهائية لابد من تواصل يتم عن طريق لغة محددة. هذا وإن لغات البرمجة المشهورة والعالمية لا تستوعب اللغة العربية بطريقة صحيحة؛ لأن ترميز اللغة واتجاه الكتابة من أصعب المشاكل التي تواجه أي مبرمج، والأصعب أحياناً حفظ النتائج على ملفات خارجية تحتوي على نص عربي ليُستخدم لاحقاً».
وذكرت أن «التحديات التقنية تبدأ من تضارب أنظمة الترميز بين UTF-8 و ******s-1256 و ISO-8859-6 بالإضافة إلى صعوبة اتجاه النص المعقد (RTL) في تصميم واجهات المستخدم والمشاكل في الاتجاه المختلط عند دمج النصوص العربية والإنجليزية. وحتى أنظمة التشغيل الحديثة مثل ******s Linux Subsystem تواجه مشاكل في عرض الأحرف المترابطة. وفي قواعد البيانات، مع نقص في المكتبات المخصصة للعربية وعدم دعم كامل في بيئات التطوير، وحتى محررات النصوص المتقدمة تواجه مشاكل جوهرية مع دعم RTL».
وتابعت بالقول: «حاولت بعض الشركات إدخال اللغة العربية في مجالات الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع تقبل نص عربي أو محادثة عربية عامية واستخلاص معلومات من تسجيل صوتي، بيد أننا نرى صعوبة كبيرة في استكمال المعلومة بشكل صحيح. المشكلة ليست تقنية فقط بل اقتصادية واستراتيجية».
رأي الباحثين
نوّه علاء القضاة، باحث في درجة الدكتوراة إلى أن «اللغة العربية تعيش واقعًا مزدوجًا في عالم الحوسبة حيث إن هناك تقدما جزئيا في بناء أنظمة آلية لمعالجتها، مع تهميش كبير يجعلها أقل من 1% من البيانات الرقمية العالمية المستخدمة في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهذا الواقع يعكس إمكانيات هائلة لتراثها الغني، لكنه يعاني من فجوات تقلل دقة الأداء مقارنة باللغات الأخرى في الترجمة والتعرف على الكلام.
واقترح التركيز على الابتكار والتعاون لتحقيق اندماج مستدام من خلال بناء نماذج ذكاء اصطناعي مخصصة للعربية، مستفيدة من نقل التعلم من لغات أخرى لتحسين الدقة بنسبة أكبر، مع تكييفها للهجات عبر شبكات توليدية، وتوسيع قواعد البيانات المفتوحة عبر جمع نصوص متنوعة وتشكيل آلي، مدعومًا بشركات حكومية أو خاصه للوصول إلى مليارات الكلمات بحلول عام 2030 ليساعد الباحثين في إنجاز أعمالهم.
كما اقترح تعزيز الشراكات بين الجامعات والشركات لتطوير أدوات مفتوحة، وزيادة التدريب ليزيد عدد الباحثين ، وأيضاً تطبيق تقنيات للتشكيل التلقائي ومعالجة التبديل اللغوي لتحسين الواجهات الرقمية.
وقال إن هذه الحلول، إذا طبقت، تحول التحديات إلى قوة، كما أثبتت تجارب حديثة في تحسين التصنيف النصي للعديد من اللغات الأخرى كالفرنسية والألمانية.
ورغم الجهود البحثية والمبادرات الريادية، تبقى اللغة العربية متأخرة مقارنة بما بلغته اللغات العالمية الكبرى، مما يبرز الحاجة الماسة لتكثيف الجهود وتعزيز مشاريع الحوسبة اللغوية لتقليص هذه الفجوة.
نتائج التحقيق
تخلص نتائج التحقيق إلى أنه لا بد من بذل جهود حثيثة من الأطراف كافة، فالتوجهات الحديثة في الذكاء الاصطناعي، وتقنيات المعالجة اللغوية الطبيعية، تبشر بإمكانات كبيرة لتعزيز حضور العربية في العالم الرقمي، وهذا من ناحية أخرى يحتاج ميزانية مكلفة، مع تضافر جهود المختصين في البرمجة والحاسوب واللغة.
ويأتي اهتمام مجمع اللغة العربية الأردني بدعم مشروعات الحوسبة اللغوية وتطوير الموارد الرقمية، ضمن خطط المجمع المستقبلية، ومن هذه المشروعات إنشاء مركز حوسبة اللغة العربيّة، ترافقه ورش عمل ومؤتمرات، بالتعاون مع الجهات ذات الصلة.
ولا بد من تضافر الجهود بين اللغويين والمبرمجين والباحثين، بما يضمن الحفاظ على خصائص العربية الفريدة، وتمكينها من مواكبة تطورات العصر.
ومن هذا المنطلق، يُعدّ هذا الموضوع مشروعًا قوميًّا يجب العمل به بكل جدية، لتبقى العربية لغة حية، قادرة على الإبداع وإثراء المعرفة في مختلف المجالات الرقمية.
المصدر

دعاء محمود القرعان
تواجه اللّغة العربيّة اليوم في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، حضورًا ضعيفًا في محتواها الرقمي الذي لا يتعدى 3 %.
وللغة العربية خصائص فريدة، بتركيبها النحوي، وغنى صرفها، وتعدد أشكال كتابتها، وتباين اللهجات المحلية. وتمثل ندرة الموارد الرقمية المهيكلة، مثل المعاجم الإلكترونية والمصادر اللغوية المصنفة، تحديًا كبيرًا أمام الباحثين والمبرمجين، مما يحد من قدرة اللغة العربية على المنافسة في التطبيقات الحديثة مثل الترجمة الآلية؛ فتغدو قضية حوسبة اللغة العربية مسألة ملحّة للولوج إلى فضاء الحوسبة والتقنيات الذكية؛ لتظل اللغة حيّة في زمن التكنولوجيا، فلا بد من حوسبتها وإقحامها ضمن العالم الرقمي، بغية خدمة جلّ المجالات التي يزاولها الإنسان، وإتاحة آفاق جديدة للبحث والدراسة وتطوير اللغة في ضوء تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشدد المادة (31) من الدستور الأردنيّ، قانون رقم (19) لسنة 2015، المادة (4) من قانون مجمع اللغة العربية الأردني، على (النهوض باللغة العربية لمواكبة متطلبات مجتمع المعرفة، والحفاظ على سلامة اللغة العربية والعمل على أن تواكب متطلبات الآداب والعلوم والفنون الحديثة)، فكانت حوسبة اللغة العربية مطلبًا ضروريًا، وخطوة ماسّة، في ضوء التقدم السريع في مجالات الرقمنة.
واستوجب ذلك النظر لهذه المسألة؛ لأن في ذلك حماية للأمن الثقافي الحضاري للأمة العربيّة، فاللغة العربيّة تتمتع بثراء عز نظيره، فهي تتفوق بقدرتها على مجاراة التطورات الرقمية والحوسبة الحديثة، وليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاء للمعرفة، وجسر يربط بين التراث والحاضر، إذ تمتلك نظاما خاصا يجعلها أكثر قابلية لأن تمثل حاسوبيا، فهي توفر مجالات كثيرة للمعالجة الآلية على اختلاف مستوياتها الصوتية والمعجمية والصرفية والنحوية، ما يجعلها متماهية مع تطورات الذكاء الاصطناعي، مع إبقاء طابعها الأصيل؛ لا سيّما أنها من أكثر اللغات قابلية للمعالجة الآلية؛ لأنها تجمع بين كثير من الخصائص اللغوية المشتركة مع اللغات الأخرى.
ويثير الوضع الراهن تساؤلات حول قدرة اللغة العربية على الصمود والتطور في ظل الثورة الرقمية الضخمة، ومستقبلها في عالم التكنولوجيا الحديثة، فكيف يمكن تكييفها وحوسبتها لمواكبة هذا التحول الرقمي؟ وما أبرز الصعوبات التقنية التي تواجه حوسبة اللغة العربية؟ وكيف يمكن تهيئة لغتنا لمتطلبات عصر المعلومات؟ وما دور المؤسسات التعليمية والبحثية في دعم هذه العملية؟
يأتي هذا التحقيق كاشفًا واقع اللغة العربية في عصر الحوسبة، من خلال استكشاف التحديات التقنية واللغوية، وجمع آراء اللغويين والمختصين والباحثين والمبرمجين، حول مدى جاهزية اللغة العربية لمواكبة التحولات الرقمية. كما يسعى التحقيق إلى رصد المأمول المستقبلي للغة في فضاء المعلوماتية، وكيفية تطوير أدوات وتقنيات تكنولوجية تدعم حوسبتها، مع الحفاظ على خصائصها اللغوية الفريدة وقيمها الثقافية الأصيلة.
رأي المختصين في اللغة
الأستاذ الدكتور وليد العناتي يقول: «إن أهم الصعوبات التي تواجه حوسبة العربية قد تم تجاوزها منذ أن نجح المهندسون العرب في تعريب الحاسوب وتطويعه للأبجدية العربية، ويفترض أن وضع اللغة العربية يتحسن مع تطور معالجة اللغة العربية وتنفيذ أدوات معالجة وبرامج متنوعة تيسر التغلب على المشكلات. ويتحسن وضع اللغة العربية في بيئات الذكاء الاصطناعي بسبب الانتقال من المعالجة والتوصيل الحاسوبي إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي».
ويضيف: «لا شك أن نمو اللغة العربية وتطور معالجتها يقوم على أساسين كبيرين، هما: بناء المحتوى العربي، وتطويره وتنويعه، وهذا ينعكس إيجابيا على الذكاء الاصطناعي التوليدي...».
وفي هذا الإطار، قالت الدكتورة إيناس الخلايلة، وهي مختصة في اللسانيات الحاسوبيّة إن مشكلة اللغة العربية في مستوياتها وخصائصها من: اشتقاق، وتوليد، ونحت وترادف وأضداد، وهذا يخلق مشاكل للمحتوى الرقميّ وللغة العربية نفسها في الإنترنت.
وأشارت إلى أن عدم وجود تخصّصِ يهتمُ بالهندسة اللغوية، أو اللسانيّات الحاسوبية، يشكل مشكلة، فمعظمُ الخرّيجين هم من طلبة اللغة العربيّة.
واقترحت سبلًا لمعالجة المشكلة، وذلك «بتوعية الطلبة في قسم اللغة العربية إلى وجود مساقات لها علاقة باللغة الحاسوبية، وتغيير خطط الدراسة، والتحسين المستمرّ وتحديثات فترية لتطبيقات الذكاء الاصطناعيّ، وكذلك جعل الحاسوب يستوعبُ قواعد اللغة العربية وخصائصا ومستوياتها، وطرق نموّها كالاشتقاق والتوليد والاقتراض، والاستعانة بخبراءَ في اللغة العربية وتدخّلهم العمليّ في تطبيقات الحاسوب اللغوي أو الذكاء الاصطناعي».
رأي المختصين في تكنولوجيا المعلومات
أوضح الأستاذ الدكتور بلال أبو صالح «أن واقع اللغة العربية في عصر الحوسبة يتسم بالتحدي والفرصة في آن واحد؛ فعلى الرغم من الانتشار الواسع الذي أتاحته لنا التقنية، فإن لغتنا تواجه تحديات حقيقية تتمثل في ضعف المحتوى الرقمي النوعي، وهيمنة المصطلحات التقنية الأجنبية التي تدفعنا أحيانًا لاستخدام «العربيزي»، بالإضافة إلى الصعوبات التقنية التي تواجهها اللغة العربية في مجال معالجة اللغات الطبيعية نظرًا لخصائصها الفريدة. هذه التحديات مجتمعة تخلق فجوة تتطلب منا وقفة جادة وعملاً دؤوباً».
وتابع: «من وجهة نظري، تكمن أبرز الحلول في تضافر الجهود لإثراء المحتوى العربي الرقمي كماً ونوعاً، والاستثمار الجاد في أبحاث وتقنيات اللغة العربية الحاسوبية لتجاوز العقبات البرمجية. كما أقترح ضرورة تفعيل وتوحيد جهود تعريب المصطلحات العلمية والتقنية الحديثة عبر منصة موحدة، وتطوير مناهجنا التعليمية لدمج المهارات الرقمية باللغة العربية، وأخيرًا، لا بد من بناء شراكة حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية لدعم وتنفيذ استراتيجية واضحة تضمن للغتنا مكانتها التي تستحقها في العالم الرقمي».
وصرّحت رئيسة فريق هندسة الجودة في شركة سيارة، سارة المعايطة، المتخصصة في علم الحاسوب: «وجود اللغة العربية في أنظمة البرمجة صعب جداً ومكلف لأبعد الحدود. لغات البرمجة القديمة والحالية بالأصل تتحدث لغة الآلة وهي لا تعرف إلا نظام الأصفار والواحدات، وحتى يكون هناك ربط بين ما يتم عمله والنتائج النهائية لابد من تواصل يتم عن طريق لغة محددة. هذا وإن لغات البرمجة المشهورة والعالمية لا تستوعب اللغة العربية بطريقة صحيحة؛ لأن ترميز اللغة واتجاه الكتابة من أصعب المشاكل التي تواجه أي مبرمج، والأصعب أحياناً حفظ النتائج على ملفات خارجية تحتوي على نص عربي ليُستخدم لاحقاً».
وذكرت أن «التحديات التقنية تبدأ من تضارب أنظمة الترميز بين UTF-8 و ******s-1256 و ISO-8859-6 بالإضافة إلى صعوبة اتجاه النص المعقد (RTL) في تصميم واجهات المستخدم والمشاكل في الاتجاه المختلط عند دمج النصوص العربية والإنجليزية. وحتى أنظمة التشغيل الحديثة مثل ******s Linux Subsystem تواجه مشاكل في عرض الأحرف المترابطة. وفي قواعد البيانات، مع نقص في المكتبات المخصصة للعربية وعدم دعم كامل في بيئات التطوير، وحتى محررات النصوص المتقدمة تواجه مشاكل جوهرية مع دعم RTL».
وتابعت بالقول: «حاولت بعض الشركات إدخال اللغة العربية في مجالات الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع تقبل نص عربي أو محادثة عربية عامية واستخلاص معلومات من تسجيل صوتي، بيد أننا نرى صعوبة كبيرة في استكمال المعلومة بشكل صحيح. المشكلة ليست تقنية فقط بل اقتصادية واستراتيجية».
رأي الباحثين
نوّه علاء القضاة، باحث في درجة الدكتوراة إلى أن «اللغة العربية تعيش واقعًا مزدوجًا في عالم الحوسبة حيث إن هناك تقدما جزئيا في بناء أنظمة آلية لمعالجتها، مع تهميش كبير يجعلها أقل من 1% من البيانات الرقمية العالمية المستخدمة في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهذا الواقع يعكس إمكانيات هائلة لتراثها الغني، لكنه يعاني من فجوات تقلل دقة الأداء مقارنة باللغات الأخرى في الترجمة والتعرف على الكلام.
واقترح التركيز على الابتكار والتعاون لتحقيق اندماج مستدام من خلال بناء نماذج ذكاء اصطناعي مخصصة للعربية، مستفيدة من نقل التعلم من لغات أخرى لتحسين الدقة بنسبة أكبر، مع تكييفها للهجات عبر شبكات توليدية، وتوسيع قواعد البيانات المفتوحة عبر جمع نصوص متنوعة وتشكيل آلي، مدعومًا بشركات حكومية أو خاصه للوصول إلى مليارات الكلمات بحلول عام 2030 ليساعد الباحثين في إنجاز أعمالهم.
كما اقترح تعزيز الشراكات بين الجامعات والشركات لتطوير أدوات مفتوحة، وزيادة التدريب ليزيد عدد الباحثين ، وأيضاً تطبيق تقنيات للتشكيل التلقائي ومعالجة التبديل اللغوي لتحسين الواجهات الرقمية.
وقال إن هذه الحلول، إذا طبقت، تحول التحديات إلى قوة، كما أثبتت تجارب حديثة في تحسين التصنيف النصي للعديد من اللغات الأخرى كالفرنسية والألمانية.
ورغم الجهود البحثية والمبادرات الريادية، تبقى اللغة العربية متأخرة مقارنة بما بلغته اللغات العالمية الكبرى، مما يبرز الحاجة الماسة لتكثيف الجهود وتعزيز مشاريع الحوسبة اللغوية لتقليص هذه الفجوة.
نتائج التحقيق
تخلص نتائج التحقيق إلى أنه لا بد من بذل جهود حثيثة من الأطراف كافة، فالتوجهات الحديثة في الذكاء الاصطناعي، وتقنيات المعالجة اللغوية الطبيعية، تبشر بإمكانات كبيرة لتعزيز حضور العربية في العالم الرقمي، وهذا من ناحية أخرى يحتاج ميزانية مكلفة، مع تضافر جهود المختصين في البرمجة والحاسوب واللغة.
ويأتي اهتمام مجمع اللغة العربية الأردني بدعم مشروعات الحوسبة اللغوية وتطوير الموارد الرقمية، ضمن خطط المجمع المستقبلية، ومن هذه المشروعات إنشاء مركز حوسبة اللغة العربيّة، ترافقه ورش عمل ومؤتمرات، بالتعاون مع الجهات ذات الصلة.
ولا بد من تضافر الجهود بين اللغويين والمبرمجين والباحثين، بما يضمن الحفاظ على خصائص العربية الفريدة، وتمكينها من مواكبة تطورات العصر.
ومن هذا المنطلق، يُعدّ هذا الموضوع مشروعًا قوميًّا يجب العمل به بكل جدية، لتبقى العربية لغة حية، قادرة على الإبداع وإثراء المعرفة في مختلف المجالات الرقمية.
المصدر
