البيان في كلمتي (مدخل) و(مخرج) في قوله تعالى: ﴿رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    البيان في كلمتي (مدخل) و(مخرج) في قوله تعالى: ﴿رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾

    البَيانُ في كَلمَتَـيْ (مُدْخَل) و(مُخْرَج) في قولهِ تعَالى:

    ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾








    ذ. مصطفى بوعزة


    وذلكَ قولهُ تعالى في سُورةِ (الإِسْرَاء): ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِــي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، حيثُ جاءَتْ كَـلِمَتا (مُدْخَل) و(مُخْرَج) وقدِ اشتَركتَا معَ فِعلَيْهما: (أَدْخَل) و(أَخْرَج) في أُصُول الحُرُوف، ممَّا يَكشفُ عن عَلاقةٍ اشتِقَاقيّة. وأوَّل ما يَتجلَّى من ذلكَ، منْ بادِي النّظَر، وما يظهَر في بِنيَتهما الصّرفيّة منْ (مِيمٍ) مَضمومَة، وفَتح ما قبلَ الآخِر، أنّهما على زِنَة (اسم مَفعولٍ) منْ غَير الثّلاثيّ، كما هوَ لفظُ (مُسَخَّر) في قولهِ تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْـمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، و(مُبارَك) في قولهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾. أوْ زِنَةِ (اسمِ المكَان)، كمَا هوَ لفظُ (مُسْتَقَرّ) في قولهِ تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾، و(مُتَّـكَـأ) في قولهِ عزّ وجلّ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾.

    لكنّ السّيَاق الّذي ورَدَتا فيه، وما سَبقهُما منْ فعلٍ، يَحتوي نفسَ الحرُوف بنَفس اللّفظ: (أَدْخِلْنِي مُدْخَل) و(أَخْرجْني مُخرَج)، يَذهب بالذّهن إلى معنَى الـمَصدَريّة، فنَقَع على الصّيغَة من بنَاء الكلمَة التي تُعرَف بــ(الـمَصدَر الـمِيمِـيّ)، وهو اسمٌ دالٌّ علَى الحَدث مثلُ المصدَر الأصليّ، فيأتي في مَحلّه ويُؤدّي مَعناهُ ويُعرَب إعرابَه، ويتمَيّز بإضافَة (مِيمٍ) في أوّله تكونُ زائدةً، وتأتي مَفتوحةً في (الفعْل الثّلاثيّ)، مِثل: (غَرَسَ مَغْرَسًا، أي غَرْساً)، و(شَرِبَ مَشْرَبًا، أيْ شُرْبًا)، وتكونُ مَضمومةً في (غَير الثّلاثيّ)، مِثل: (أَكْرَمَ مُكْرَمًا،أي إِكْرَامًا)، و(انْطَلَقَ مُنْطلَقًا،أي انْطِلَاقًا). وقدْ جعلَه فَريقٌ منَ النُّحاة قِسماً منْ أقسامِ (اسْمِ المصْدَر)، فأدْخَلوهُ تحتَهُ. لكنّ المحقِّقينَ اعتبروهُ مَصدراً مُساوياً للمَصدَر الأصليّ؛ قالَ (ابنُ هشَام) في (شَرح شُذُور الذَّهب): «التَّاسِع (اسْم الْـمَصدَر)، وَهُوَ يُطلق على ثَلَاثَة أُمُور؛ أَحدهَا مَا يعْمل اتِّفَاقًا، وَهُوَ مَا بُدِئَ بميمٍ زَائِدَة، لغَير الْـمُفاعَلة كَـــ(الْـمَضْرَب والْـمَقتَل). وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مصدرٌ فِي الْحَقِيقَة، وَيُسمى (الْـمَصْدَر الْـمِيميّ)، وإنَّما سمّوهُ أَحْيَانًا (اسْمَ مَصدَرٍ) تَجوُّزاً». وقال (أبو حيَّان الأندَلسيّ) في (التذييل والتكميل في شرحِ كتاب التّسْهيل): «وذكرَ ابنُ المصنِّف في شَرحه أرجُوزَة أبيهِ، أنَّ (اسمَ المصدَر) هوَ ما أوّلُهُ ميمٌ مَزيدةٌ لغَير مُفَاعَلة، كـــ(الْـمَضرَب والْـمَحمَدَة)».

    ولخفاءِ هذَا المصدَر، واشْتِباهِ مَعناهُ، لغلَبَة المفهُومِ منَ الصيغَةِ أنْ يكونَ (اسمَ مَفعُولٍ) أو (اسمَ زمانٍ ومَكانٍ)، لحقَ بعضَ النّصُوص انْـبِـهامٌ وغموضٌ في تَبيُّن الدّلالَة؛ ومنْ أشْهَر ما تَقفُ عليهِ في هذَا البَاب، قصَّة الإمامِ النَّحوي(أبي عُثمَان الْـمَازنيّ-تـــ:247هـ)، في مَجلس الخَليفة العبّاسيّ (الوَاثق)، عندمَا استدعاهُ لبيَان الإشكالِ في إعْراب (رَجُلا) في البَيت المشهُور:

    أَظَلُومُ إنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً /// أَهْدَى السَّـلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ

    وكانَ أهلُ المجلسِ، وفيهمُ العلمَاء، قدِ اختلفُوا، فأجابهُ حسبَ ما وردَ في القصَّة: «فقلتُ: الوجهُ النَّصبُ يا أميرَ المؤمنينَ. فقالَ: ولِمَ ذلكَ؟ فقلتُ: لأنَّ (مُصابَكُم) مَصدرٌ بمعنَى (إصَابَتَكُم). فأخذَ (اليَزيديّ) في مُعارضَتي. فقلتُ: هوَ بمَنزلَةِ قَولكَ: (إنَّ ضَرْبَكَ زَيْداً ظُلْمُ)، فَـــ(رَجُلاً)، مَفعُولُ (مَصَابَكُم)، ومَنصوبٌ بهِ». وقدْ صارَ هذا البيتُ منَ الشّواهدِ النّحويّة الّتي ملأتِ الكتُب، وشَغلتِ النَّاس. وقالَ عنهُ (ابنُ هشامٍ الأنصاري) في (شَرح شُذُور الذَّهب): «الشّاهدُ فيهِ قولهُ: (مُصَابَكم رَجلاً)، حيثُ أُعْمِلَ (المصدرُ الميميّ)، الَّذي هوَ (مُصَاب)، عمَلَ الفِعْل؛ فرُفعَ بهِ الفَاعلُ الّذي هوَ ضَميرُ المخَاطَب، ونُصِبَ بهِ المفعُولُ، وهوَ قولهُ: (رَجُلاً)».

    وهَكذا، ففي الآيَة هذهِ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، يكُونُ أصلُ الكَلام: (أَدْخِلْنِي إِدْخَالَ صِدْقٍ)، و(أَخْرِجْنِي إِخْرَاجَ صِدْقٍ)، فيكُون إعرابُه: (مَفعُولاً مُطلقاً مَنصوباً).ومثلُ ذلكَ تجدُهُ في قولهِ تعَالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُبَـارَكاً﴾، فيكُونُ (مُنْزَلاً) مَصدَراً مِيمِيًّا بمَعنَى (إِنْزَالاً مُباركاً). وهذا الاختلافُ في البِنيَة يَسْتَلزمُ فرقاً في الدَّلالَة، فالخُروجُ منَ المصدَر الأصليّ إلى بناءٍ علَى هَذهِ الصُّورَة يُوسّع الدَّلالَة، ويَفتحُ المعنَى علَى أبْعادٍ أرحبَ وأوْفَى، ذلكَ أنّ هذَا البنَاء: بِزيَادَة (مِيمٍ مَضمُومَةٍ) و(فَتْحِ ما قَبلَ الآخِرِ)، يَقَعُ التَّعْبِيرُ بهِ أيضاً عَن (اسمِ المفعُول) كمَا يقعُ التَّعْبيرُ بهِ عن (اسمِ المكانِ والزّمان)، فتقُول مثلاً: (الغُرُوبُ مُنْتَظَرٌ)، فيكُونُ (اسمَ مَفعُول) بمَعنَى (يُنْتَظَرُ الغُرُوبُ). وتقُول أيْضاً: (مِنْ هُنا مُنْتَظَرُ الغُرُوب)، فيكُون (اسمَ مَكانٍ) بمعنَى (مَكان انْتِظارِ الغُرُوب). وتقُول: ( في السَّادسَة مُنْتَظَرُ الغُرُوب)، فيكونُ (اسمَ زمَان). وتقُول علَى المصدَر: ( انتَظرتُ الغُرُوبَ مُنْتَظَرَ شَوْقٍ)، وأنتَ تَقصدُ: (انتَظرتُ الغُرُوبَ انْتِظَارَ شَوْقٍ).

    وعليهِ، فكلمَة (مُدْخَل) في الآيَة السّابقةِ، يُفتَح لها مَعنىً آخرُ، غيرُ المصدَريّة، ليُفهَم منهَا (اسمُ الـمَكَان)، قالَ (السَّمينُ الحَلَبـيّ) في (الدُّرّ المصُون): «(مُدْخَل صِدْق) يَحتَملُ أنْ يكونَ مَصدراً، وأَن يَكونَ ظرفَ مَكَانٍ». وقالَ(أبُو عليّ الفارسيّ) في (الحُجّة للقرَّاء السّبعَة): «وَيجُوزُ في (الْـمُدخَل)، إذا ضُمّ، أنْ يَكونَ مَكاناً وأنْ يَكونَ مَصدَراً». و مثلُهُ يكُون قولُهُ: ( مُخرَج صِدْقٍ). و مِن ثمَّ فإنَّ إعْرابَـهمَا يَختلفُ، فكَونُه (مَصدراً) يَجعلُهُ في الإعرَاب (مَفعُولاً مُطلقاً)، وكونُهُ (ظرْفَ مَكانٍ) يَجعلهُ في الإعرَابِ (مَفعولاً فيهِ). فجَمَعَ تعبيـرٌ واحدٌ دَلالَتَيْن: (الحَدَث والمكَان). وقدْ تتَّسعُ الدّلالةُ إلى ثَلاثٍ إذا كانَ الفعلُ متَعدّياً، فقَولكَ مَثلاً: (مُكْرَمُكَ عَظيمٌ)، يَحتملُ أن يَكونَ: (مُكرَمُك) (اسم مَفعُول)، أي: (الشَّخْص الَّذي أكرَمتَهُ). أو (مُكرَمُك) (اسم مَكَان)، أي: (مَكان الإكرَامِ). أو (مُكرَمُك) (مَصدَرٌ مِيميّ)، أي: (الإِكْرَام نفْسُه).

    وعلَى هذَا الوَجهِ منَ البَيانِ جاءَتْ في القُرآنِ الكَريمِ كلمَاتٌ عَديدةٌ، منهَا: (مُسْتَقَرّ – مُسْتَودَع – مُنْقَلَب – مُزْدَجَر – مُهْلَك – مُمَزَّق – مُنْـزَل…). والذِي يُظهرُ دَلالةً علَى دَلالةٍ هوَ سيَاقُ الكَلام، فَتسبقُ إحدَاهمَا الأُخْرى إلى الذِّهْن، لكنّـها لا تَمحُو ما سوَاها، بلْ يَظلّ أثرٌ لهَا باقياً، يَصبَغ المعنَى، ويُلقِي بظِلال دلالاتٍ، تَجعلُ المعنَى الظَّاهرَ أَكثَر تَمكيناً، وأبعدَ في الإحاطَةِ، وأبْلغَ في البَيَان. فـــالإشْمَام بهذهِ المعَاني المصَاحِبَة، والّتي تتخَلَّلُ (المصدَرَ الميميّ)، ويَحتملُها تَضميناً، من المفعُوليّة والمكانيّة والزمانيّة، هوَ الّذي يجعلُ التّعبيرَ بالمصدَر الميميّ، أقوَى في البَيانِ منَ المصدَر الأصليّ. وقدْ ألمحَ إلى هذَا الفرقِ في قُوّة الدَّلالَة الدّكتُور (عبّاس حسَن) في (النّحو الوافي)، حيثُ قالَ: «وتُؤَدّي ما يُؤَدّيهِ هذا المصدَرُ الأصليّ منَ الدَّلالَة على المعنَى المجرَّد، ومنَ العَمَل، لكنَّـها تَفوقُهُ في قوّةِ الدَّلالةِ وتَأكيدِهَا». فمَثلاً قولهُ تعالَى في سُورة (النَّجْم): ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْـمُنْتَهَى﴾، تجدُ فيهِ أنّ (المصدَر الميميّ): (المنتهَى)، أقوَى في الدَّلالَة علَى المعنَى، منَ المصدَر الأصليّ (الانْتِـهاء)، لأنَّ هذَا فيهِ دلالةٌ علَى الحدَث مُجرّداً، وذاكَ فيهِ إشْمامٌ، لبَاقي المعَاني الَّتي تَـتّـسعُ لها صِيغةُ المصدَر الميميّ، فيَذهبُ بالمعنَى إلى الغَايةِ في (الانْتهَاء)، وكأنَّ الحدَث قدْ بلغَ التَّمَام في تَحقُّقهِ، بمَا لا مَزيدَ بعدهُ، فحدَّهُ مكانٌ، وأحاطَهُ زمانٌ، و التَبَس بذاتٍ. وكذلكَ هوَ الأمرُ في (مَآب وإيَاب)، و(مَتَاب وتَوبَة)، و(مُنْقلَب وانْقِلاب).

    وقدْ أشارَ الدُّكتور (صَالح فَاضل السَّامَرّائي) إلى تَضمينِ الذَّات في المصدَر الميميّ، فقالَ في (مَعانِي الأَبْنـيَة في العربيّة): «إنَّ المصدَر الميميّ في الغالِب يَحمِلُ مَعهُ عُنصُرَ الذَّات، بخِلافِ المصدَر غَير الميميّ، فإنَّه حدَثٌ مُجرّدٌ منْ كلِّ شَيءٍ… فَــ(الانْقِلاب) حدَثٌ مُجرّدٌ، و(الْـمُنقَلَب) يَحملُ معهُ ذاتاً، و(الْـمَسَاق) في قولهِ تعالَى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْـمَسَاقُ﴾، يَختلفُ عنْ قَولِنا: (إلَيْهِ السَّوْقُ)؛ فإنّ (الْـمَساق)، يَحمِلُ معهُ ذاتاً تُساقُ، بخِلافِ (السَّوْق) الّذي يدلُّ علَى فِعْلِ السَّوْق مُجرّداً. وكَذلكَ (الحَياةُ والْـمَحْيا)، و(الْـمَوْت والْـمَمَات)، و(النَّوْم والْـمَنَام). فالْـمَصدَر غيرُ الميميّ حدثٌ غَيرُ مُتَلَبِّسٍ بشَيءٍ آخَر، أمَّا الْـمَصدَر الميميّ فإنّه مَصدرٌ مُتَلَبِّـــسٌ بذاتٍ في الغَالبِ».




    المصدر

يعمل...