البيان في إلحاق (هاء السكت) في قوله: ﴿أُولئكَ الذين هَدى اللهُ فبهُداهُ اقْتَدِهْ﴾

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    البيان في إلحاق (هاء السكت) في قوله: ﴿أُولئكَ الذين هَدى اللهُ فبهُداهُ اقْتَدِهْ﴾

    أسرار البيان في القرآن:

    البَيانُ في إِلحَاقِ (هَاءِ السَّكْت) في قَولهِ تعَالَى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾




    ذ. مصطفى بوعزة



    وذلكَ قولهُ تعالَى في سُورةِ (الأَنْعَامِ): ﴿أولَئِكَ الذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فأنتَ تجدُ في هَذهِ الآيَة الفِعْل في قَولهِ: (اقْتَدِهْ)، قدْ لحِقتهُ في آخرهِ (هاءٌ ساكنةٌ)، تُسمّى (هَاءَ السَّكت). وهيَ (هاء) لا تُضاف في آخِر الكلمَة إلّا عندَ الوَقف. فعَليْـها يَقفُ النّاطقُ، فيَسكتُ عن الكَلام، ويَستريحُ لاسْتِـرجاعِ نفَسهِ، ويُبَـيّـن الحركةَ المخفَاةَ في آخِر الكلمَة، لذلكَ تُسمى بأسماء تَعدّدت حسبَ هذهِ المعَاني؛ فهيَ (هاءُ السَّكت)، و(هاء الوَقْف)، و(هاءُ الاسْتِراحَة)، و(هاءُ البَيَان). وقدْ وردَ في كتابِ اللهِ منْ هذهِ (الهَاءِ) سَبعُ كلمَاتٍ في تِسعِ آياتٍ: (يَتَسَنَّهْ) في سُورة (البَقرَة) في قولهِ تعَالى:﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ یَتَسَنَّهْ﴾، وَ(اقْتَدِهْ) في سورة (الأنْعَام): ﴿أُوْلئِكَ ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ ﴾، و(مَاهِيَهْ) في (القَارعَة): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِیَهْ﴾، و(كِتَابِيَهْ-حِسَابِيَهْ-مَالِيَهْ- سُلْطَانِيَهْ) في (الحَاقَّة): ﴿فَیَقُولُ یَا لَیْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَـابِیَهْ﴾، ﴿ولَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِیَهْ﴾…﴿مَا أَغْنَى عَنِّـي مَالِیَهْ﴾، ﴿هَلَكَ عَنِّــي سُلْطَانِيَهْ﴾. وتكَرّرت (كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ) في آيَتيْن قَبلَها.

    وهذهِ (الهاءُ) تَدخلُ عندَ الوقْف، في آخِر الكلمَة، مَدخَليْن؛ مَدخَلاً اختِياريّاً ومَدخَلا اضطِراريّاً، وذلكَ بأثَرٍ من البِنْـيَة الصَّرفيّة للكَلمَة، وهيَ في غالبِ تلكَ الأحوَال تلحَق اختِياراً، إلّا حالةً واحدةً تكونُ فيهَا لازمَةً، فيَجبُ إلحاقُها، وذلكَ عندَ الوَقفِ على الفِعل المعتَلّ إذا حُذفَ منهُ حَرفَان، وبَقيَ علَى حرفٍ واحدٍ، مثلِ(اللّفيفِ المفرُوق)، عندَ تصريفِه في الأمْر للمُخاطَب، مثلُ:(عِ، مِنْ: وَعَى)، وَ(قِ، مِنْ: وَقَى)، فعندَ الوَقفِ عليهِ يَجب إلحَاق (هاءِ السَّكتِ)، فتقُولُ: (عِهْ)، وَ (قِهْ). قال(سيبويه) في (الكتاب): «هَذا بابُ ما يَلحَقُ الكَلمَةَ إذَا اخْتَلَّـتْ حتّـى تَصيرَ حَرفًا، فَلا يُستَطاعُ أنْ يُتَكَلَّمَ بِها في الوَقْفِ، فيُعْتَمَدُ بِذلكَ اللَّاحِقِ في الوَقْفِ، وذَلكَ قولُـكَ: (عِهْ )، وَ(شِهْ)، وكذَلكَ جَميعُ ما كانَ منْ بَاب (وَعَى يَعِي). فإذَا وَصَلْتَ، قُلْتَ: (عِ حَدِيثاً)، وَ(شِ ثَوْباً)، حَذَفْتَ لأنّكَ وَصَلتَ إلَى التَّكلُّمِ بِهِ، فاسْتَغْنَيْتَ عَنِ (الهَاء). فَاللَّاحِقُ في هَذَا البَابِ (الهَاءُ)».

    فَلمْ يُسمِّها في (كِتَابهِ). لكنّ (أبَا سَعيدٍ السّيرافِيّ) في (شَرحِهِ) سمَّاهَا (هاءَ الوَقْف) مرّةً، ومرّةً (هاءَ السَّكْت). وقالَ (خالِد الأَزهَريّ) في (شرْح التَّصْريح علَى التَّوضِيح)، وقدْ سمَّاها (هاءَ السَّكت): «وَلا تَجبُ (الهاءُ) إلّا في مَسألةٍ واحدةٍ، وهيَ أن يكُون الفعلُ قدْ دَخلهُ الحَذفُ، وبَقيَ على حرفٍ واحدٍ في اللَّفظ، كالأَمر مِن (وَعَى يَعِي)، فإنّك تقولُ فيهِ: (عِهْ) بحذفِ فائهِ ولامِهِ، كمُضارعِهِ المجْزُوم، واجْتلاب (هاءِ السَّكْت) وُجوبًا، لئَلّا يَلزَم الابتدَاء بالسّاكِن، أوِ الوقف على المتحَرّك». وقالَ (أبُو الحسَن الرُّمّانيّ) في (مَعاني الحُرُوف)، وقدْ سمّاها (هاءَ الوَقفِ): «و(هاءُ الوَقْف) نحوُ قَولهِ تعَالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وقولهِ تعَالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾، و﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. وتجبُ هذه الهاءُ فيمَا يُحذَف منَ الفِعْل حتَّى يَبقَى على كَلمَةٍ واحدَةٍ؛ نحوُ الأمرِ منْ (وَشَيْتُ) و(وَقَيْتُ)، تقولُ (شِهْ) و(قِهْ)، وكذلكَ منْ (وَعَيْتُ)، تَقولُ: (عِهْ.) فأنتَ في الأوَّل في الخِيَار، فأمَّا في الثَّاني فلَا بدَّ منْـها، لأنَّه لا يُوقفُ علَى كلمةٍ واحدَةٍ قدِ ابْتُدِئ بهَا».

    فإذَا تدبَّرتَ الفعلَ (اقْتَدِهْ) في الآيَةِ، تبيَّن لكَ بَداهةً أنهُ فعلُ أَمرٍ، ماضِيهِ (اقْتَدَى) ومُضارعُهُ (يَقْتَدِي) بمَعنَى اتّخذَ غيرهُ قُدوَةً، يَسلكُ مَسلكَهُ ويَنتَهجُ نَهجَهُ. وقاعدَة التّصريفِ تجعَلُ الفعلَ المعتَلّ الآخِر إذَا كانَ أمراً للمُخاطبِ المذكَّر المفرَدِ، أنْ يُبنَى علَى حذفِ حرفِ العلَّة، فتقولُ مثلًا: (رَمَى -يَرْمِي -اِرْمِ)، أو (اسْتَدْعَى- يَسْتَدْعِي – اسْتَدْعِ). فيُحذفُ حرفُ العلَّةِ في الأمْر. وعندَ الوَقفِ علَى آخر الكَلمَة، تَقفُ بالسّكُون: (اِرْمْ – اِسْتَدْعْ)،فيجْتَمع سُكُونانِ: سُكونٌ أوَّلُ أَصليٌّ في الفِعل، والثَّاني عارضٌ للوَقفِ، يُنطقُ ولا يُكتَبُ. ولا يَخفَى ما فيهِ منِ اسْتثقَال، لذلكَ قلَّمَا نَطقُوا بهِ. ومالَ أكثَر العَرَب إلى إضافَة (هَاءِ السَّكْت) لإظهَار حَركةِ الحَرفِ. فتقُولُ: (اِرْمِهْ-اِسْتَدْعِهْ). قالَ (سيبوَيْهِ) في (الكِتَاب): «هذا بَابُ ما تَلْحَقُهُ الهَاءُ في الوَقْفِ لِتَحَرُّكِ آخِرِ الكَلِمَة؛ وذلكَ قولكَ في بَناتِ (اليَاء والوَاو) الَّتي (اليَاءُ والواوُ) فيهِنَّ (لَامٌ)، في حَال الجَزْم: (اِرْمِهْ) و(لَمْ يَغْزُهْ)، وَ(اخْشَهْ)، و(لَمْ يَقْضِهْ)، و(لَمْ يَرْضَهْ)، وذلكَ لأنّهُم كَرهُوا إِذْهابَ اللّامَاتِ، والإِسْكَانَ جَمِيعاً، فلمَّا كانَ ذلكَ إخْلالاً بالحَرفِ، كَرهُوا أنْ يُسَكّنُوا المتَحرّكَ ». ثمّ قالَ: «و قَدْ يَقُول بَعضُ العَرب: اِرْمْ، في الوَقْف، وَاغْزْ ، وَاخْشْ…وهَذهِ اللّغةُ أقلُّ اللُّغَتَينِ».

    ويكونُ بذلكَ قولهُ تعالَى: (اقْتَدِهْ)، من هذَا القَبيلِ، وإنْ لمْ يَجتَمع عَليهِ (ساكِنَان)، لكنّهُ اجتَمَع عليهِ ما قالهُ (سِيبَويهِ): (إِذْهابُ اللّام والإسْكَان)، وإنْ كانَ الإنهَاكُ فيهِ أخفَّ، لذلكَ جازَ فيهِ إلحاقُ (هاء السَّكتِ): (اقْتَدِهْ)، والتَّسكينُ: (اقْتَدْ). والأوَّلُ أظْهَر، وهوَ الأَكثرُ. قالَ (ابن مالكٍ) في ألفِيَتهِ:

    وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْـمُعَلّ /// بِحَذْفِ آخِرٍ كَأَعْطِ مَنْ سَأَلْ

    وَلَيْسَ حَــتْماً فــي سِوَى مَا كَــــــ(عِ) أَوْ /// كَــــ(يَعِ) مَجْزُوماً فَرَاعِ مَا رَعَوْا

    وقالَ (الأُشمُونيّ) في (شَرحِه): «يَعني أنّ الوَقفَ بـــ(هَاء السَّكتِ) علَى الفعلِ الْـمُعَلِّ بحَذفِ الآخِر، ليسَ وَاجباً في غَير مَا بَقيَ علَى حَرفٍ واحِدٍ، أوْ حرْفَيْن، أَحدُهُما زَائدٌ؛ فالأوَّلُ نحوُ: (عِهْ)، أمرٌ منْ: (وَعَى يَعِي)، ونَحوُ: (رَهْ)، أمرٌ منْ: (رَأَى يَرَى)، والثَّاني: (لَمْ يَعِهْ)، و(لَمْ يَرَهْ)، لأنَّ حرفَ المضارَعةِ زائِدٌ؛ فزيادَة (هاءِ السّكت) في ذلكَ واجبَةٌ، لبقائِهِ علَى أصلٍ واحدٍ».

    وأنتَ إذا تَمعَّنتَ قَليلاً، أدْركْتَ أنّ هاهُنا فَرقاً بينَ الوَقفَينِ: فالأوّلُ فيهِ إضْعَافٌ لآخرِ الكَلمَة بالسُّكُون، إضعَافاً بَليغاً، بعدَ إنهَاك الكَلمَة، خاصّةً فيمَا توَالَى فيهِ سُكونَان بعدَ الحذفِ: (ارْمْ – اخْشْ). بَينمَا في الثّاني، فإنكَ تجدُ تَقويةً للحرفِ بإبْرَاز الحَركةِ قبْلَ (هَاء السَّكتِ)، ممّا يُعطِيها امْتداداً صَوتيّاً أكبَـر. قالَ (ابنُ جِنِّـي) في (الخَصائِص): «وذلكَ أنّك لَـمّا أردْتَ تَمكينَ الصّوْت وتَوفِيَتَهُ ليَمتَدَّ ويَقوَى في السَّمْع، وكانَ الوقفُ يُضعفُ الحرْفَ، ألحَقْتَ (الهاءَ) ليَقَعَ الحرفُ قبلَهَا حَشْواً، فَيَبِــيـنَ ولَا يَخفَى».

    وهكذَا تَخلُص إلى أنَّ فعلَ الأمْر(اقْتَدِهْ) في الآيَة، كانَ أصلُهُ (اقْتَدِ) بحذفِ حرفِ العلّةِ. فكانَ يَنبَغي الوَقفُ عليهِ بالسّكُون (اقْتَدْ). فيُضعفُ سُكُونُ الوَقفِ قُوّةَ (الدّال) في آخِر الكَلمَة. فكانَت (هاءُ السّكْت) الـمُجْتَلَبَةُ صوتاً يُستعَانُ بهِ علَى إظْهَار حَركَة الكَسرَة في(الدّال). فيَمتدُّ صوتُهُ ويَشتدُّ، وَلا يَنقَطعُ إلّا مُرتدّاً نحْوَ الجَوفِ، في صوْتِ الهَاءِ السَّاكنَة، الخَارجِ منْ أقصَى الحَلقِ لا يَحجِزُهُ حَاجزٌ. وكأنّك أمامَ حرفٍ منْ حرُوف الْـمَدّ يُطيلُ صوتَ الحَركَة في آخِر الكلمَة. وإنْ شئتَ التّمثيلَ لذلكَ، فانظُر الفَرقَ في الوَقف علَى أواخِر المعتَلّ في قولهِ تعالَى في سورَة (الكَهْف): ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْـمُهْتَدِ﴾ بحذفِ (اليَاء)، فيُوقفُ عليهَا بالسُّكون، وَقولهِ تعالَى في سُورة (الأَعرَاف) بإثْبَات (الياء): ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْـمُهْتَدِي﴾، فيُوقفُ علَيها بمَدّ (الياءِ) مَدّاً طَبيعيّاً. وكذلكَ تأمّل قولهُ تعالَى في سُورَة (الكَهف): ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ بحذْفِ الياءِ، وقولهِ عزَّ وجلّ في سُورة (يُوسُف): ﴿يَا أَبَانَا مَا نَبْغِـي﴾، بإثْبَات (اليَاء).

    وهذهِ الزّيادَةُ في المبْنَى بامْتِدادِها الصَّوتيّ، ووَقْعِهَا النّفسيّ، خلقَتْ قُوّةً في المعْنَى، فكانَ التَّعبيرُ بهَا أبلغَ في التّأكيدِ على الأمْرِ بالاقْتِدَاء، وأشدَّ تَأثيراً في إغنَاءِ تلْكَ الدَّلالَة. لذَلكَ تُسمّى (هاءُ السّكتِ) أيضاً (هاءَ البَيَان). وقالَ عنهَا (الماوَرْدِيّ) في (تَفسيرهِ): «إنّهَا مَوضوعَةٌ للمُبَالغَةِ». فتكونُ المبالغَةُ قائمَةً بها منْ وجهَيْنِ: وجهٍ صَوتيّ؛ يَتجلَّى في قُوّة إبرَاز حَقّ الحَرفِ ومُستَحَقِّه في آخِرِ الكَلمَة، وَوجهٍ دَلاليّ؛ يَتجلّى في تمْكِينِ المعْنَى تَمكيناً يَزيدُ منْ رسُوخِهِ وقوَّة بيَانهِ، وشدَّةِ تأثِيرهِ، وعُمقِ أثَرهِ. ثمَّ تلكَ الحَلاوَة، وهَاتِيكَ الطّلاوَة، في الخُرُوج منْ شِدَّة (الدَّال) وثِقَل كَسرَتهِ، وانِحبَاس نَفَسهِ، إلَى يُسرِ (الهَاء) وخفَّة سُكونِهَا، وجرَيَان نَفَسهَا. وكأنّكَ تخرُجُ منْ ضِيقٍ إلى سَعَةٍ، ومنْ حَزَنٍ جَزْلٍ إلى مُطمَئنٍّ سَهْلٍ. وكذَلكَ هو الهُدَى وفعلُهُ في القُلُوب بعِزّةِ انتمَائِهَا، وجَميلِ اقْتِدَائِهَا.




    المصدر

يعمل...