لمحاتٌ مفيدةٌ في إعراب الأحاديث النبوية الشريفة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    لمحاتٌ مفيدةٌ في إعراب الأحاديث النبوية الشريفة

    لمحاتٌ مفيدةٌ في إعراب الأحاديث النبوية الشريفة








    بقلم: أ.د. رياض الخوام



    انتبهت إلى شارحي الأحاديث النبوية الشريفة في أحاديثهم عبر الفضائيات أنهم لا يتعرضون إلى الوجوه النحوية الجائزة في التركيب اللغوي الذي تكوَّن منها الحديث الشريف مع أن إبراز الوجوه هو في حقيقته إبراز للمعنى أو للمعاني التي يحملها تركيبه -صلى الله عليه وسلم-، وكثير منهم معذور لأنه يتوجه إلى المعنى اللغوي العام الذي يتبادر من الحديث، مراعيًا مستويات السامعين، لذا ما نقدمه هنا من لمحات هو للطلاب المتخصصين في الحديث، ولطلاب الدراسات العربية المتجهين إلى كتب الصحاح وشروحها، وأهم ما يجب الانتباه إليه أنه إذا أُريد معرفة المقدر فالواجب الاطلاع على روايات الحديث المتعددة فربما وقف المعرب على المقدر ملفوظًا، مثال ذلك ما ذكره البخاري بقوله: حدثنا (المكي بن إبراهيم) قال حدثنا (يزيد بن أبي عبيد) عن (سلمة) قال: "كنا نصلي مع النبي المغرب إذا توارت بالحجاب".

    فقوله: "المغرب" أي صلاة المغرب، وقوله: "توارت بالحجاب" فالفاعل ضمير يعود إلى الشمس مع أنه لم يجر لها ذكر سابق، قال العيني: قوله: "إذا توارت" أي الشمس ولا يقال إن الضمير فيه مبهم لا يعلم مرجعه لأن قوله المغرب قرينة تدل على أن الضمير الذي فيه يرجع إلى الشمس كما في قوله تعالى حتى توارت بالحجاب ( ص 32 ) وذكر العيني عددًا من الروايات فيها ذكر الشمس منها أنه "كان يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس حين يغيب حاجبها وأضاف العيني قائلًا:وفي رواية أبي داود عن سلمة كان النبي يصلي المغرب ساعة مغرب الشمس إذا غاب حاجبها " فمن هذا المثال نتبين أن المقدر ظهر في رواية أخرى.

    - وقد تفيد تعدد الروايات الطالب في ترجيح وجه نحوي على آخر والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

    1- قوله صلى الله عليه وسلم "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " فيجوز في "من" الموصولية والشرطية ، فمما يقوي الموصولية أن ثمة رواية أخرى تقول : الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله " وحينئذ تكون الفاء الداخلة على فقد زائدة ، وبدهي أن من يعربها شرطية فهو صحيح لأنه يعرب على ماهو مطرد واضح.

    - وثمة فائدة أخرى نستلهمها من هذا الحديث المتصدر باسم الموصول "الذي تفوته "ففي "كأنما" روايتان :واحدة بالفاء والثانية من غير فاء ، فالرواية التي بغير فاء تقوي كون الذي مبتدأ وجملة كأنما وتر أهله هي الخبر، والرواية التي بالفاء تدفعك إلى جعل الفاء في كأنما زائدة لأن خبر المبتدأ لاتدخله الفاء إلا على رأي الأخفش ،والجمهور يخالفونه ،وفي قوله عليه الصلاة والسلام وتر أهله وماله ،ورد فيها روايتان الأولى ببناء الفعل وتر للمعلوم ونصب اللامين والثانية ببناء الفعل للمجهول ورفع اللامين ، قال العيني : قال النووي : روي برفع اللامين قلت – أي العيني - هي رواية المستملي وجهها أنه لا يُضمر شيء في وتر، بل يقوم الأهل مقام ما لم يسم فاعله ، و ماله عطف عليه ،وبدهي أن ذلك يتطلب توجيهين فبناء الفعل للمجهول يكون أهله نائب فاعل ، وبناؤه للمعلوم يكون نائب الفاعل ضمير يعود على التارك ، وعلى هذا التصور يجب على طلاب العربية والشرعية الانتباه إلى فوائد تعدد الروايات فهي جميعها تؤدي إلى إيضاح المعنى وبيانه.

    2- وهاكم مثالًا آخر يؤكد ما ذكرناه من وجوب النظر في الروايات لترفد التوجيهات النحوية وتقويها فعن أبي هريرة عن النبي قال إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم واشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير).

    - وموضع الاستدلال هو في قوله واشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين ، نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير.

    - فقوله نفس في الموضعين بالجر على البدل أوعطف بيان ويجوز فيهما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير: أحدهما نفَس في الشتاء والآخر :نفَس في الصيف ، ويجوز فيهما النصب على تقدير أعني نفَساً في الشتاء ونفَساً في الصيف فقوله أشد ما تجدون من الحر بجر أشد على أنه بدل من نفس أوعطف بيان ،ويروى بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أشد ما تجدون ، قال البيضاوي :هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: فذلك أشد، وقال الطيبي :جعل أشد مبتدأ محذوف الخبر أولى والتقدير أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس انتهى ، قال العيني بعد ذلك :ويؤيد الوجه الأول – أي أنه خبر لمبتدأ محذوف -رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ فهو أشد ..ويؤيد الوجه الثاني وهو قول الطيبي - أي جعله مبتدأ والخبر محذوف - رواية النسائي من وجه آخر بلفظ فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم. ففي المثال السابق رأينا روايات تتفق مع التوجيهات.

    3- ولكن ثمة أمثلة حديثية أخرى نرى فيها أن ما قرره شراح الحديث في شروحهم يساعد أيضاً في الوصول إلى التقدير الصحيح ،ومن ثمة نصل بذلك إلى الإعراب الصحيح ،مثال ذلك ما ذكره العيني حول تقديره الفعل "قال" في سند الحديث الشريف: "أخبرني أبو إدريس أن عبادة بن الصامت... أن رسول الله (قال) وحوله عصابة من أصحابه :بايعوني على أن لا تشركوا بالله.

    والشاهد فيه هو قوله: قال "ففيه ما يأتي:

    - " أن المفعول الثاني لأخبرني محذوف أي أخبرني الحديث.

    - "أن" خبر أن عبادة بن الصامت محذوف ، تقديره: أن عبادة بن الصامت (قال ) أن رسول الله قال ، وجملة قال نقدرها قبل أن رسول الله قال ثم نقول :إن جملة قال هي خبر أن.

    - ثم نقول إن المصدر المؤول من أن ومعموليها ، مجرور بحرف الجر المحذوف أي بأن والجار والمجرور متعلقان بالفعل أخبرنا أو منصوب بنزع الخافض فإن قلت من أين أتينا بالفعل قال قبل أن عبادة . فالجواب ذكره العيني قائلاً:

    قال : تقديره أن عبادة بن الصامت قال أو أخبر أن رسول الله ، وأضاف العيني قائلا :وهو ساقط من أصل الرواية، وسقوط هذا غير جائز، وإنما جرت عادة أهل الحديث بحذف "قال" إذا كان مكرراً نحو :قال : قال رسول الله ،ومع هذا ينطقون بها عند القراءة، وأما هنا فلا وجه لجواز الحذف والدليل عليه أنه ثبت في رواية البخاري هذا الحديث بإسناده هذا في باب من شهد بدرا والظاهر أنها سقطت من النساخ من بعده فاستمروا عليه ، وقد روى أحمد بن حنبل عن أبي اليمان بهذا الإسناد أن عبادة حدثه "فالمستفاد من هذا التقرير الذي ذكره العيني أنه استأنس برواية أخرى كما رجح هو ذلك الفعل المقدر ، فعلينا الانتباه إلى تقريراتشراح الحديث النبوي.

    4- والمثال الناصع الذي يعرفه طلاب العلم هو لغة يتعاقبون فيكم وهي لغة أكلوني البراغيث أي لغة من يلحق الفعل علامات تدل على نوع الفاعل أو مثنى أم مجموع وحجتهم أنهم ألحقوا هذه الحروف بالفعل كما أن الجمهور ألحقوا تاء التانيثبالفعل للدلالة على أن الفاعل سيكون مؤنثاً، ومما ورد على هذه اللغة قوله صلى الله عليه وسلم عن ( أبي هريرة ) رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون"والشاهد معروف مشهور عند طلاب النحو وهو قوله "يتعاقبون فيكم ملائكة " فيتعاقبون :مضارع مرفوع بثبوت النون ،والواو حرف عند أزد شنوءة أو طيء أو بلحارث بن كعب كما قال ابن هشام ،وملائكة فاعل ، وعند الجمهور الواو ضمير فاعل وملائكة بدل أو ملائكة مبتدأ وجملة يتعاقبون خبر مقدم.

    5- وثمة رواية أخرى جاءت على المطرد وهي الملائكة يتعاقبون فيكم ، وثمة رواية ثالثة فيها :إن لله ملائكة فهي أيضا تتفق مع المطرد وتقوي رأي الجمهور في إعرابهم المشهور لمثل هذا النوع من التراكيب ،وهنا نتذكر قول أبي حيان حين تكلم عن الآية وأسروا النجوى الذين ظلموا قال الأولى عدم حمل القرآن على غير المطرد ،والخلاصة أن النظر في تعدد الروايات تفيد في معرفة المقدر كما تفيد ترجيح تقدير على آخر ، وطالب النحو يعلم أثر اختلاف رواية الشاهد النحوي الشعري أو النثري في الجدل النحوي ، فمثله الشاهد الحديثي الشريف، ففي تعدد روايات الحديث فوائد عظيمة ومنافع كثيرة فليفطن الطالب إلى ذلك والله الهادي إلى الصواب.


يعمل...