معالم من الإيحاءات النبوية اللغوية: "الإحساس اللغوي" (3)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    معالم من الإيحاءات النبوية اللغوية: "الإحساس اللغوي" (3)

    معالم من الإيحاءات النبوية اللغوية: "الإحساس اللغوي" (3)






    بقلم: أ.د. رياض بن حسن الخوام - عضو المجمع




    -أما تغييره للأعلام فهو من أبرز الأدلة الدالة على إحساسه اللغوي، لقد استشعر صلى الله عليه وسلم تلك العلاقة بين الاسم والمسمى، وأثرها في شؤون الإنسان، لذا نهى عن التسمية ببعض الأسماء ،وحث ورغب في بعضها الآخر، قال صلى الله عليه وسلم: خير الأسماء عبدُالله وعبدُ الرحمن، وقال: وأصدقُها حارث وهُمام، وأقبحُها حربٌ ومُرَّة، قالوا: لأن الحارث هو الكاسب ، والهمام هو الذي يهم مرة بعد أخرى، وكل إنسان لا ينفك عن هذين الأمرين وقال حاثًّا على اختيار الأسماء الحسنة: إنكم تُدعَونَ يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم فحسِّنوا أسماءكم.

    - وكان صلى الله عليه وسلم حين يغير الاسم يبين علة ذلك ، مثال ذلك أنه غير اسمَ امرأة كانت تسمى ( برَّة ) فسماها زينب ، وقال : تزكي نفسَها ، قال ابن منظور : كأنه كره ذلك ( و ذكر ابن منظور في مادة ذأل ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرَّ بجارية سوداء وهي ترقص صبياً لها وتقول:
    ذؤال َيا ابن القوم يا ذؤالهْ

    فقال عليه الصلاة والسلام : لا تقولي :ذؤال ،فإنه شرُّ السباع فقوله صلى الله عليه وسلم :فإنه شر السباع ،هو بيان لسبب النهي ،وفيه إشارة إلى الابتعاد عن التسمية بكل اسم قد يحمل في تضاعيفه دلالاتٍ قد تسري إلى المسمى فيصير بمقتضاها صاحبَ أوصافٍ وحشيةٍ حيوانيةِ ، ونقل ابن منظور عن ابن الأثير قوله في تسمية يثرب بطيبة قال "إنه –أي الرسول صلى الله عليه وسلم – أمر أن تسمى المدينةَ طَيبَة وطابة ، هما من الطيب لأن المدينة كان اسمها يثرب ، والثّرْب الفساد ، فنهى أن تُسمَّى به ، وسماها طابةَ وطيبةَ ، وهما تأنيث طَيب ،وطاب بمعنى الطّيب ، قال : وقيل : هو من الطّيّب الطاهر لخلوصها من الشرك وتطهيرها منه ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "لا تُسمُّوا العنب الكرْم َ ،فإنما الكرْم الرجل المسلمُ" قال الزمخشري فيما نقله ابن منظور :أراد أن يقر ر ويسدد ما في قوله عز وجل "إن أكرمكم عند الله أتقاكم " بطريقة أنيقة ومسلك لطيف ، وليس الغرض حقيقةَ النهي عن تسمية العنب كرْماً ، ولكن الإشارة إلى أن المسلم التقي جدير بألا يُشارَكَ فيما سماه الله به، وقوله :فإنما الكرْم الرجل المسلم ،أي إنما المستحق للاسم المُشتقِّ من الكرَم الرجل المسلم ،

    وقد امتلأت كتب الحديث وشروحُه بالأسماء التي غيرها الرسول صلى الله عليه وسلم أو حث على التسمية بها ، لقد انتبه ابنُ جني إلى هذا الإيحاء النبوي فساق في خصائصه تلك القصةَ التي تؤكد استشعار نبينا صلى الله عليه وسلم للعلاقة بين الاسم ومسماه، قال : يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوماً من العرب أتوه فقال لهم : من أنتم ؟فقالوا : نحن بنو غيَّان ، فقال : بل أنتم بنو رشْدان " وعلق ابن جني موضحاً هذا الإحساس النبوي العالي قائلاً :فهل هذا إلا كقول أهل هذه الصناعة : إن الألف والنون زائدتان ، -وإن كان عليه السلام – لم يتفوه بذلك ،غير أن اشتقاقه إياه من الغَي بمنزلة قولنا : إن الألف والنون فيه زائدتان.

    - وكان صلى الله عليه وسلم يُظهر سروره أو حزنه إذا ذُكِرَ الاسم أمامه، روى مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يحلُبُ هذه الّلقْحَةََ يعني الناقة، فقال رجل : أنا قال :ما اسمك؟ قال :مُرّةُ قال: اجلس ،ثم قال : من يحلب الناقة اللقحة، فقام رجل آخر فقال: أنا، قال : ما اسمك ؟ قال : حربٌ قال : اجلس ثم قال: من يحلب الناقة اللقحة، فقام رجل فقال: أنا، قال : ما اسمك ؟ قال: يعيش، قال له : أما أنت فاحلبْ فحلبَها.

    - وكان إذا بعثَ عاملاً سأل عن اسمه , فإذا أعجبه اسمُه فرِحَ به , ورُئي بِشْرُ ذلك في وجهه , وإن كَرِه اسمَه رُئِي كراهيةُ ذلك في وجهه , وإذا دخل قرية سأل عن اسمها , فإن أعجبه اسمُها فرِحَ بها ،ورُئِي بشْرُ ذلك في وجهه , وإن كره اسمَها رُئِي كراهية ذلك في وجهه.

    - ونشير هنا إلى أنه صلى الله عليه كان يعلل سبب بعض التسميات التي وردت في القرآن الكريم فعن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إنما سمَّى الله البيتَ العتيقَ،لأنه أعتقه من الجبابرة ،فلم يَظهرْ عليه جبارٌ قطُّ.

    - ومنها نهيه صلى الله عليه وسلم عن قول "صلاة العَتَمة "بدل صلاة العشاء الأخيرة ،قال ابن منظور " ففي الحديث " لا يغلبنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم العِشاء ،فإن اسمها في كتاب الله العِشاء،وإنما يُعتَم ُ بحِلابِ الإبل " فقوله :إنما يعتم بحلاب الإبل معناه لا تسموها صلاةَ العتَمَة، فإن الأعراب الذين يحلبون إبلهم أعتموا أي دخلوا في وقت العتمة سمَّوها صلاةَ العتَمَة ، وسماها الله عز وجل في كتابه صلاةَ العِشاء فسمُّوها كما سماها الله لاكما سماها الأعراب فنهاهم عن الاقتداء بهم ، ويستحب لهم التمسكُ بالاسم الناطق به لسان الشريعة ، وقيل : أراد لايغرنكم فعلُهم هذا فتؤخروا صلاتكم ولكن صلُّوها إذا حان وقتها.

    - وكان صلى الله عليه وسلم بإحساسه اللغوي يختار الكلمة التي تحمل الدلالة التي يريدها مثال ذلك اختياره لفظة "أفلح "في حديث : إن رجلاً من أهل نجد ثائرَ الرأس ، وسأل الرسول عن الإسلام ، فقال له :خمس صلوات ، فقال : هل عليّ غيرُها ، وذكر له الرسول صلى الله عليه وسلم الزكاة قال : هل عليَّ غيرها قال :لا ، فأدبر الرجل وهو يقول : لا أزيد على هذا ، ولا أَنقص ،قال رسول الله: أفلح إن صدق".

    فكلمة "أفلح " نتبين منها دقة الرسول وفصاحتَه السليقية ، قال أهل اللغة :أفلح :من الإفلاح وهو الفوز والبقاء ، وقيل :هو الظفر وإدراك البُغية ، وقيل :إنه عبارة عن أربعة أشياء: بقاء بلا فناء ،وغَناء بلا فقر وعزٌّ بلا ذلٍّ ،وعلم بلا جهل ، قالوا: ولا كلمة في اللغة أجمع للخيرات منه ، والعرب تقول لكل من أصاب خيراً:مفلح ، وقال ابن دريد: أفلح الرجل وأنجح وأدرك مطلوبه.

    - ومن طريف دقته صلى الله عليه وسلم في اختياره لفظة دون أخرى قوله صلى الله عليه وسلم :من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه".

    - قال العيني :قوله نحو وضوئي هذا، قال النووي إنما قال: نحو وضوئي، ولم يقل: مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره.

    - ومن أبرز ما نراه من شعوره اللغوي صلى الله عليه وسلم هو قوله : لن يغلبَ عُسْرٌ يُسرين ،فعن الحسن البصري خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً مسروراً فرحاً وهو يضحك ، وهو يقول :لن يغلِبَ عُسرٌ يُسرين ،فإن مع العسر يسراً ، إن مع العسر يسراً : وفي رواية أخرى عن قتادة :بشر بهذه الآية أصحابه فقال : لن يغلب عسر- إن شاء الله - يسرين وكأنه صلى الله عليه وسلم يرشد النحويين إلى القاعدة التي سجلوها فيما بعد وهي أن النكرة إذا أُعيدت نكرة كانت غير الأول مثل :جاءني رجل فأكرمت رجلاً ،فيكون الثاني غير الأول ،وإذا أعيدت معرفة مثل : جاءني رجل فأكرمت الرجل ،أو أعيدت المعرفة معرفة مثل : جاءني الرجل فأكرمت الرجل ، أو نكرة مثل :جاءني الرجل فأكرمت رجلاً،ومنه قوله تعالى :إن مع العسر يسراً ،إن مع العسر يسرا، كان الثاني عين الأول ،ثم نقل ابن هشام عن الزجاج قولَه:قال ثعلب :لأن الله تعالى لما ذكر العسر ثم أعاده بالألف واللام عُلم أنه هو ، ولما ذكر يسراً ثم أعاده بلا ألف ولام ،عُلِمَ أن الثاني غير الأول فصار العسر الثاني الأولَ ، وصار يسر ثان غيرَ يسر بدأ بذكره وأوجز الزجاج فيما نقله ابن هشام عنه شرح ذلك بقوله : ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى : إن مع العسر يسرين.

    (يتبع )
    ____

    - عقد لها شراح الحديث أبوابًا كثيرة نكتفي هنا ببعضها فقط لأن الغرض هو الإشارة إلى الظاهرة فقط
    - انظر تخريج هذه الأحاديث في المسند 4/178 ، والعهود المحمدية للشعراني 342
    -لسان العربق لا، برر
    - اللسان ،ذأل، وذؤال ترخيم ذؤالة وهو اسم علم للذئب مثل أسامة للأسد.
    - اللسان ،طيب
    - اللسان ،كرم بتصرف وانظرأمثلة أخرى في شرح ابن خالويه للمقصورة 398
    - الخصائص 1/250
    - بستان العارفين 74 , وانظر أحاديث وقصصا كثيرة في بستان العارفين والمستطرف 2/65, قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتغيير أسماء كانت قد أطلقت على مسميات , والناقة اللقحة أي الحامل

    - سنن أبي داوود 3920 , والنقل عن كتاب دعوة إلى الفرح

    - الدر المنثور ،للسيوطي ،1/480
    - اللسان ،عتم
    - عمدة القاري 3/432
    - عمدة القارررررري 3/546
    - انظر تخريج الحديث في موقع الدرر السنية "الموسوعة الحديثية " وفي اللسان "روي عن ابن مسعود "
    - اللسان ،عسر
    - المغني ،861بتصرف ، وحاشية الصبان ،1/104




يعمل...