أسْرارُ البَيان في القُرآن:
البَيانُ في الفِعْل (قَدَّتْ) في قوله تعالى: ﴿وقَدَّتْ قَميصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾

ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ قولهُ تعالَى في سُورَة (يُوسُف ): ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾. حيثُ جاء التّعبيرُ دقيقاً عنْ قطْع القَميص بالفعلِ (قَدَّ)، وهُوَ أن يُقطَع الشّيءُ طُولاً، منَ الأعلَى إلى الأسفَل. وكذلكَ فَعَلت امرأةُ العَزيز لَـمّا أدركَتْ (يوسفَ) عليه السّلام، مِنْ خَلْفِهِ،إذْ كانَ انطلقَ نحوَ البَاب هرَباً، فَشدَّتْ هيَ منْ وَرائهِ طلَباً، فَأَصَابَتْ يدُهَا طرَفاً منَ القَميصِ من جِهَةٍ خَلفَهُ، فجَذبَتهُ إليهَا جَذباً عَنيفاً، فانْقطعَ، فنَزلَ القَطعُ هاوِياً نحوَ الأسْفَلِ. فَبَانَ لنَا منَ الفِعل طريقَةُ القَطع. وذلكَ أبلغُ في التّعبير منْ أن يُستعمل: (قَطعَ أو مزَّق أو شَقّ…). قالَ (الفَيّوميّ) في (المصْبَاح المنِير): «قَدَدْتُهُ قَدًّا، مِنْ بَابِ (قَتَلَ): شَقَقْتُهُ طُولًا. وَتُزَادُ فِيهِ الْبَاءُ فَيُقَالُ: قَدَدْتُهُ بِنِصْفَيْنِ». وقالَ (ابنُ مَنظور) في (لِسان العَرَب): «الْقَدُّ: القَطعُ المسْتَأصِلُ، والشَّقّ طُولاً».
ومنهُ لفظُ (القَدِيد)، وهوَ اللّحم المجفَّف في الشّمْس، فهوَ يُقطَع أجزاءً، قِطَعاً طِوَالاً، قالَ عنهُ في (لسَان العرَب): «وَالقَدِيدُ مَا قُطِع منَ اللَّحْم وَشُرِّرَ، وقيلَ: هوَ ما قُطِع منهُ طِوَالاً». وهوَ ما نراهُ منْ فِعْل النَّاس الآنَ. ولعلَّ (أحمَد بنَ فارِس) في(مَقاييس اللّغة) كان أَجْمَعَ وأكمَلَ بَياناً عنْ مَعنَى هَذا الفِعْل، حيثُ قالَ: «القَاف والدَّال أَصلٌ صَحيحٌ يدُلُّ علَى قَطْعِ الشَّيءِ طُولاً، ثمَّ يُستعَار. يَقولُونَ: قَدَدْتُ الشّيء قدَّا، إذَا قَطعْتَهُ طُولاً، أقُدُّه، ويَقولُونَ: هوَ حسَنُ القَدّ، أيْ التَّقطِيع، في امْتِدادِ قامَتهِ. والقِدُّ: سَيرٌ يُقَدُّ منْ جلدٍ غيرِ مَدبوغٍ. واشْتِقاقُ القَدِيد منهُ».
فإذَا أرَدتَ التَّعبيرَ عن القَطع عَرْضاً قُلتَ: (قَطَّ) ، بحرْف (الطَّاء) عِوَض (الدّال). قالَ (الزّمخشَريّ) في (أسَاس البَلاغَة): «قَدَّهُ طولاً، وقَطَّه عَرضاً، وقدَّ القَلَم وقَطَّه. وتَقولُ: إذا جَادَ قَدُّكَ وَقَطُّكَ، فقَدِ اسْتَوَى خَطُّكَ». وأنتَ تجدُ في المعَاجم، يَتردَّدُ قولُهُم عنْ (عَليّ بنِ أبي طالبٍ)، رَضيَ اللهُ عنهُ «أَنّهُ كانَ إذَا اعْتَلَى قَدَّ، وإذَا اعْتَرَضَ قَطَّ». أيْ إذَا ضَربَ خصْمَهُ مِنْ أَعْلاهُ شقَّهُ طُولاً، فإذا ضرَبَهُ مِنْ وَسَطهِ قطعَهُ عرْضاً.
فتدركُ من ذلكَ أنّ الحَرفَ لَهُ تَأثيرٌ فِي تَوْجِيهِ دَلالَةِ الكَلمَة. فإنّ اختلافَ الحُروفِ في صِفاتهَا عندَ لَفظِها، وتَباينَ هَيآتِها في مُجاورَتها لغَيرهَا، لهُ أثرٌ في الدَّلالَة العامَّة للكَلمَات، كما قالَ (ابنُ جِنّـي): «سَوْقًا لِلْحُرُوف علَى سَمْتِ الْـمَعْنَى الْـمَقصُودِ والْغَرَضِ المطلُوبِ».
ذلكَ أنكَ إِذَا تَأمَّلتَ حَرف (الدّال) ، وجَدْتَه عندَ النُّطق بهِ يَمتَدّ اللسانُ في الفَم طُولاً ، بَينمَا تجدُهُ عندَ النُّطق بحَرف (الطّاء)، يَسْتَعرضُ الفمَ مُنبسِطاً نحْوَ الجَانبَين عَرْضاً. فهَيئَةُ النُّطق فيهمَا مُختلفَة، فيُسمَعُ الصَّوتُ غَيرَ الصوتِ، فكانتِ (الدّال) أَنسبَ لِغرَضٍ، وكانَت (الطَّاء) أَوفقَ لغَرضٍ آخَر. وفي ذلكَ تقفُ علَى عَبقريّة (ابنِ جِنّي) في هذَا الباب، فانظُر إلى قَولهِ في (الخصائص): «ومنْ ذلكَ أيْضًا: (جرَّ )الشّيءَ (يَجُرُّه)، قدَّمُوا (الجِيم) لأنّها حَرفٌ شَديدٌ، وأوَّلُ الجَرّ بِمشقّةٍ علَى الجَارّ والمجرُور جَميعًا، ثمَّ عَقَّبوا ذلكَ بــــ(الرّاء)، وهوَ حرفٌ مُكرَّر، وكَرَّرَها معَ ذلكَ في نَفسِها. وذلكَ لأنّ الشّيءَ إذَا جُرَّ علَى الأَرضِ، في غالبِ الأمْرِ اهْتزَّ عَليهَا، واضْطَرَب صاعِدًا ونازلًا إليهَا، وتَكرَّر ذلكَ منهُ على ما فيهِ منَ التَّعْتَعَة والقَلَق. فكانتِ (الرّاء)، لما فيهَا منَ التَّكرِير؛ ولأنَّها أيضًا قدْ كُرِّرتْ في نَفسهَا في (جرَّ) و(جَرَرْتُ)، أَوفقَ لهذَا المعنَى منْ جَميع الحُرُوف غيرِها».
فإذَا جئتَ إلى الخَطّ، كِدْتَ تزعُمُ أنَّ هَيئَة رَسم الحَرفَيْن، فيهَا شيءٌ منْ ذلكَ؛ فأنتَ إذا نَظرتَ إلى صُورةِ حرف (الدّال) المكتُوب، وجَدْتَ شَكَلَهُ قائِماً، وتَكْتُبُهُ نازلاً مِنَ الأَعْلَى إلى الأسفَل، بينمَا صورةُ حرفِ (الطّاء) في الكتابَةِ، مُسْتعرِضَةٌ، وتَكتبها مُنبَسِطةً بادئاً من اليسَار إلى اليَمينِ. وهذهِ العلاقَةُ الدَّلاليّة بينَ الحرفِ والمعنَى في الكلمَة، كَثيرةٌ في العَربيّة. وقدْ أفردَ لها (ابْنُ جِنّي) في (الخَصائِص) باباً سمّاهُ: (بَابُ إمْسَاس الأَلفَاظِ أَشْباهَ المعَانِي). وقالَ عنهَا: «فأمّا مُقابَلَةُ الألفَاظِ بمَا يُشاكِلُ أَصواتَها منَ الأَحدَاث، فبابٌ عَظيمٌ واسعٌ، ونَهجٌ مُتْـلَئِبٌّ عندَ عَارفِيهِ مَأمومٌ. وذلكَ أنّهُم كَثيرًا ما يَجعلُونَ أصواتَ الحُرُوف، علَى سَمتِ الأحدَاث المعبَّر بهَا عَنها، فيُعَدّلُونَها بهَا ويَحتذُونَها عَليهَا… منْ ذلكَ قولُهُم: (خَضَمَ) و(قَضَمَ)، فــــ(الخَضْم) لأكْلِ الرَّطبِ، كالبَطّيخ والقِثّاء وما كانَ نحوَهُما من المأكُول الرَّطْب، و(القَضْم) للصّلبِ اليَابسِ، نحوُ: (قَضَمَت الدَّابّة شَعِيرهَا) ونحوُ ذلكَ…فاخْتارُوا (الخَاء) لرَخاوَتها للرَّطْب، و(القاف) لصَلابَتِـها لليَابِس، حذْوًا لِـمَسمُوع الأصوَاتِ علَى مَحسُوس الأَحدَاث. و منْ ذلكَ (القَدُّ) طُولًا و(القَطُّ) عَرضًا. وذلكَ أنَّ (الطّاء) أَحصَرُ للصَّوْت وأَسرعُ قَطعاً لهُ من (الدّال)، فجَعلُوا (الطَّاءَ) الْـمُناجِزَةَ، لقَطْع العَرْض، لقُرْبهِ وسُرعَتهِ، و(الدّالَ) الْـمُمَاطِلَةَ، لِـما طالَ منَ الأثَر ، وهُوَ قطعُهُ طُولًا».
وأنتَ بعدَ كلّ هذَا، لتَجدُ في هذهِ الآيَة أمريْن جَديرَيْن بالتَّدبُّر، فــ(القَميصُ) لم يُذكرْ في القُرآن إلّا في سُورَة (يُوسُف)، وأنّ أَقمِصَةَ (يُوسُف)، عليهِ السّلام، ثَلاثَة مُختَلفاتٌ؛ وإنَّ كلَّ قميصٍ منهَا لَآيةٌ من آيَاتِ اللهِ؛ فَقميصٌ بَرَّأ (الذئبَ) منْ دَمهِ، وفَضحَ كَذبَ إخوتهِ، وذلكَ في قولهِ تعالَى: ﴿وجَاءُوا علَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، فاسْتَنكرَ أبوهُم ذلكَ، وقدْ رأَى (القَميصَ) سالماً غيرَ مُمزّقٍ، وقالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾. وقَميصٌ بَرَّأ (يوسُف)،عليهِ السّلام، نَفسَهُ ممّا اتَّهمتهُ بهِ امرأةُ العَزيز، فقالَ تعالَى:﴿فَلَمّا رأَى قَميصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ هَذَا مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾. وقَميصٌ هوَ قَميصُ (البُشْرَى)، الّذي بهِ ارتَدَّ (يَعقُوبُ) بَصيراً، وذلكَ قولهُ تعالَى: ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ البَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾. وَمِنَ الَّذينَ أشارُوا إلى هَذا التّعدُّد في الأَقمِصَة، (أبُو مَنصُور عَبدُ الملكِ بنِ مُحمّد الثَّعالبيّ – ت429ه)، في كتابهِ (ثمَار القُلُوب في المضافِ والمنْسُوب)[ص47]، حيثُ قالَ: «أجْرى الله تَعَالَى أَمر (يُوسُف) من ابْتِدَائه إِلَى انتهائِهِ، على ثَلَاثَة أقْمِصَة؛ أَوّلُهَا قَمِيصُهُ المضرّجُ بِدَم كَذبٍ، والثّاني قَمِيصُهُ الَّذي قُدَّ منْ دُبُر، وَالثَّالِث قَمِيصُهُ الّذى أُلْقيَ علَى وَجه أَبِيه فَارْتَد بَصيراً».
وإذَا كانَ لفظُ (القَميص) في هذهِ الآيةِ قدْ تداعَـى لهُ في ذِهْنك صوَرٌ منْ (قَميصِ الكَذِب)، وصوَرٌ منْ (قَميصِ البُشْرى)، فإنَّ الفعلَ (اسْتَبَق)، فيهَا، في قولهِ تعالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا البَابَ﴾، يَجعَلُك علَى ذُكْرٍ منْ (نَستَبقُ) في قولهِ تعالى قبلَ ذلكَ: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾؛ فهُمُ (اسْتَبَقُوا)، فَخَرّقُوا لهُ زُوراً، بدَمٍ كَذبٍ علَى قَميصِهِ، وهيَ اسْتَبَقتْهُ، فَخَرَّقَتْ قَميصَهُ قَدّاً منْ دُبُر. وفي كُلٍّ كانَ (القَميصُ) آيَةً فَاضحةً، وحُجّةً دَاحضَةً.
وأنتَ واجدٌ بعدُ، أنّ الفعلَ (استَبَق)، يَستَلزمُ فضلَ نَظَر؛ فالمفْهُومُ منهُ أنّه بمَعنَى (تَسابَقَ)، قالَ (ابنُ منظُور ) في (لسَان العرَب): «﴿وَاسْتَبَقَــا الْبَابَ﴾: يَعْني تَسَابَقَا إلَيْهِ، مثلُ قولكَ: (اقْتَتَلَا) بمَعنَى (تَقَاتَلَا)». لكنَّ السياقَ في الآيَة، يكشفُ عنْ معنىً دقيقٍ؛ ذلكَ أنّ الفعلَ (تَسابَقَ) يَستلزمُ المشارَكةَ في (السِّبَاق)، منْ طرفَينِ، بتَدبيرٍ منهُما وَاستعدَادٍ، بتَحديدِ مُنطلَقٍ وغايَةٍ وسَبَقٍ. غيرَ أنّه في حالِ (يوسُف)، عليهِ السّلام، لمْ يَكُن منْ ذلكَ شَيءٌ، بلْ كانَ ذلكَ فَجأةً عنْ غَير تَدبِير، وإنَّما هُوَ، وقَد رَأى بُرهانَ ربّه، اشْتَدَّ نحوَ البابِ هَرباً، وإنَّمَا هيَ، وقدِ انْفَلتَ منهَا، لَحقَتهُ طلَباً. لذلكَ تجدُ أنّ الفعلَ (تسَابَقَ)، لا يصلُحُ في هذَا المقَام، بلْ هُوَ للفِعْل (استَبَق) أوفَق.
فإذَا قلّبتَ النّظَر، تبيّن لكَ أنّ أهلَ اللّغة و المفسّرين ذَكروا من مَعاني (اسْتبَق) هُنا، (ابْتَدَر). ويَسنُد هذَا الوجهَ السّيَاق المقَاليّ، حيثُ حُذفَ حرف الجرّ (إلى)؛ فضُمّنَ الفعلُ معنَى (ابْتدرَ)؛ قالَ (الزَّمخشريّ) في (الكشّاف) : ﴿ وَاسْتَبَقَا البَابَ﴾: وتَسابَقا إلَى البَاب، علَى حَذفِ الجَارّ، وإيصَالِ الفِعْل، كَقولهِ: ﴿واخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، أوْ عَلَى تَضمِينِ (اسْتَبَقَا ) مَعنَى (ابْتَدَرَا)». وهوَ فعلٌ يحْمِل مَعنَى السُّرعَة في الانْدِفاعِ إلى تَحصيلِ أَمْرٍ ؛ جاءَ في (الصّحَاح) للجَوهَريّ: «(بَدَر)، بَدرتُ إلى الشّيْء أَبْدُر بُدُوراً: أَسْرعْتُ إلَيهِ، وكذَلكَ (بادَرْتُ) إليهِ. و(تَبادَرَ )القَومُ: تَسارَعُوا. و(ابْتَدَرُوا) السّلاحَ: تسَارَعُوا إلَى أَخْذِهِ». وأنتَ تَرى في كلِّ هذَا انْدِفاعاً منْ غَير تَدبيرٍ سابِقٍ.
تلكَ العَربيّةُ اللّطيفةُ الشّريفَةُ، الّتي زادَها القُرآنُ شرفاً ولُطفاً، لا تجدُ لفظاً إلّا ولهُ موقعٌ في الكَلام لا يَشغلُهُ غَيرُهُ، ممّا يُقاربُه في مَعناهُ، أو يَشتَركُ معهُ في الدّلالّة، مهمَا دَقَّتِ الصِّلَة، وضَاقَت القرابَة. وإنّ ذلكَ لـيَرفَعُ البَيان أشواطاً مَديدةً في الأداءِ البَلاغيّ، ويَرقَى بهِ مُستَوياتٍ في الإبْداعِ والإعْجَاز. ومنْ ثَمّ يكونُ أَبلغَ في التّأثيرِ، وأبعَدَ في الذَّهابِ بالْـمَعنَى إلى أقاصِي الغَاياتِ، وانْفسَاح الدّلالاتِ، فإذَا هوَ يَستوقفُ القَارئَ الْـمُتدبِّر، فإذَا اسْتوقفَهُ تَدبَّرهُ، وإذا تَدبّرهُ أتْعَبهُ، نَظراً واسْتقْصاءً، فإذَا أتعبَهُ وكشَفَ سرّهُ، نالَتهُ من ذلكَ لذّةٌ ومُتعةٌ، أَعقبَها إشباعٌ فكرِيّ، وسَلامٌ رُوحيّ.
المصدر
البَيانُ في الفِعْل (قَدَّتْ) في قوله تعالى: ﴿وقَدَّتْ قَميصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾

ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ قولهُ تعالَى في سُورَة (يُوسُف ): ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾. حيثُ جاء التّعبيرُ دقيقاً عنْ قطْع القَميص بالفعلِ (قَدَّ)، وهُوَ أن يُقطَع الشّيءُ طُولاً، منَ الأعلَى إلى الأسفَل. وكذلكَ فَعَلت امرأةُ العَزيز لَـمّا أدركَتْ (يوسفَ) عليه السّلام، مِنْ خَلْفِهِ،إذْ كانَ انطلقَ نحوَ البَاب هرَباً، فَشدَّتْ هيَ منْ وَرائهِ طلَباً، فَأَصَابَتْ يدُهَا طرَفاً منَ القَميصِ من جِهَةٍ خَلفَهُ، فجَذبَتهُ إليهَا جَذباً عَنيفاً، فانْقطعَ، فنَزلَ القَطعُ هاوِياً نحوَ الأسْفَلِ. فَبَانَ لنَا منَ الفِعل طريقَةُ القَطع. وذلكَ أبلغُ في التّعبير منْ أن يُستعمل: (قَطعَ أو مزَّق أو شَقّ…). قالَ (الفَيّوميّ) في (المصْبَاح المنِير): «قَدَدْتُهُ قَدًّا، مِنْ بَابِ (قَتَلَ): شَقَقْتُهُ طُولًا. وَتُزَادُ فِيهِ الْبَاءُ فَيُقَالُ: قَدَدْتُهُ بِنِصْفَيْنِ». وقالَ (ابنُ مَنظور) في (لِسان العَرَب): «الْقَدُّ: القَطعُ المسْتَأصِلُ، والشَّقّ طُولاً».
ومنهُ لفظُ (القَدِيد)، وهوَ اللّحم المجفَّف في الشّمْس، فهوَ يُقطَع أجزاءً، قِطَعاً طِوَالاً، قالَ عنهُ في (لسَان العرَب): «وَالقَدِيدُ مَا قُطِع منَ اللَّحْم وَشُرِّرَ، وقيلَ: هوَ ما قُطِع منهُ طِوَالاً». وهوَ ما نراهُ منْ فِعْل النَّاس الآنَ. ولعلَّ (أحمَد بنَ فارِس) في(مَقاييس اللّغة) كان أَجْمَعَ وأكمَلَ بَياناً عنْ مَعنَى هَذا الفِعْل، حيثُ قالَ: «القَاف والدَّال أَصلٌ صَحيحٌ يدُلُّ علَى قَطْعِ الشَّيءِ طُولاً، ثمَّ يُستعَار. يَقولُونَ: قَدَدْتُ الشّيء قدَّا، إذَا قَطعْتَهُ طُولاً، أقُدُّه، ويَقولُونَ: هوَ حسَنُ القَدّ، أيْ التَّقطِيع، في امْتِدادِ قامَتهِ. والقِدُّ: سَيرٌ يُقَدُّ منْ جلدٍ غيرِ مَدبوغٍ. واشْتِقاقُ القَدِيد منهُ».
فإذَا أرَدتَ التَّعبيرَ عن القَطع عَرْضاً قُلتَ: (قَطَّ) ، بحرْف (الطَّاء) عِوَض (الدّال). قالَ (الزّمخشَريّ) في (أسَاس البَلاغَة): «قَدَّهُ طولاً، وقَطَّه عَرضاً، وقدَّ القَلَم وقَطَّه. وتَقولُ: إذا جَادَ قَدُّكَ وَقَطُّكَ، فقَدِ اسْتَوَى خَطُّكَ». وأنتَ تجدُ في المعَاجم، يَتردَّدُ قولُهُم عنْ (عَليّ بنِ أبي طالبٍ)، رَضيَ اللهُ عنهُ «أَنّهُ كانَ إذَا اعْتَلَى قَدَّ، وإذَا اعْتَرَضَ قَطَّ». أيْ إذَا ضَربَ خصْمَهُ مِنْ أَعْلاهُ شقَّهُ طُولاً، فإذا ضرَبَهُ مِنْ وَسَطهِ قطعَهُ عرْضاً.
فتدركُ من ذلكَ أنّ الحَرفَ لَهُ تَأثيرٌ فِي تَوْجِيهِ دَلالَةِ الكَلمَة. فإنّ اختلافَ الحُروفِ في صِفاتهَا عندَ لَفظِها، وتَباينَ هَيآتِها في مُجاورَتها لغَيرهَا، لهُ أثرٌ في الدَّلالَة العامَّة للكَلمَات، كما قالَ (ابنُ جِنّـي): «سَوْقًا لِلْحُرُوف علَى سَمْتِ الْـمَعْنَى الْـمَقصُودِ والْغَرَضِ المطلُوبِ».
ذلكَ أنكَ إِذَا تَأمَّلتَ حَرف (الدّال) ، وجَدْتَه عندَ النُّطق بهِ يَمتَدّ اللسانُ في الفَم طُولاً ، بَينمَا تجدُهُ عندَ النُّطق بحَرف (الطّاء)، يَسْتَعرضُ الفمَ مُنبسِطاً نحْوَ الجَانبَين عَرْضاً. فهَيئَةُ النُّطق فيهمَا مُختلفَة، فيُسمَعُ الصَّوتُ غَيرَ الصوتِ، فكانتِ (الدّال) أَنسبَ لِغرَضٍ، وكانَت (الطَّاء) أَوفقَ لغَرضٍ آخَر. وفي ذلكَ تقفُ علَى عَبقريّة (ابنِ جِنّي) في هذَا الباب، فانظُر إلى قَولهِ في (الخصائص): «ومنْ ذلكَ أيْضًا: (جرَّ )الشّيءَ (يَجُرُّه)، قدَّمُوا (الجِيم) لأنّها حَرفٌ شَديدٌ، وأوَّلُ الجَرّ بِمشقّةٍ علَى الجَارّ والمجرُور جَميعًا، ثمَّ عَقَّبوا ذلكَ بــــ(الرّاء)، وهوَ حرفٌ مُكرَّر، وكَرَّرَها معَ ذلكَ في نَفسِها. وذلكَ لأنّ الشّيءَ إذَا جُرَّ علَى الأَرضِ، في غالبِ الأمْرِ اهْتزَّ عَليهَا، واضْطَرَب صاعِدًا ونازلًا إليهَا، وتَكرَّر ذلكَ منهُ على ما فيهِ منَ التَّعْتَعَة والقَلَق. فكانتِ (الرّاء)، لما فيهَا منَ التَّكرِير؛ ولأنَّها أيضًا قدْ كُرِّرتْ في نَفسهَا في (جرَّ) و(جَرَرْتُ)، أَوفقَ لهذَا المعنَى منْ جَميع الحُرُوف غيرِها».
فإذَا جئتَ إلى الخَطّ، كِدْتَ تزعُمُ أنَّ هَيئَة رَسم الحَرفَيْن، فيهَا شيءٌ منْ ذلكَ؛ فأنتَ إذا نَظرتَ إلى صُورةِ حرف (الدّال) المكتُوب، وجَدْتَ شَكَلَهُ قائِماً، وتَكْتُبُهُ نازلاً مِنَ الأَعْلَى إلى الأسفَل، بينمَا صورةُ حرفِ (الطّاء) في الكتابَةِ، مُسْتعرِضَةٌ، وتَكتبها مُنبَسِطةً بادئاً من اليسَار إلى اليَمينِ. وهذهِ العلاقَةُ الدَّلاليّة بينَ الحرفِ والمعنَى في الكلمَة، كَثيرةٌ في العَربيّة. وقدْ أفردَ لها (ابْنُ جِنّي) في (الخَصائِص) باباً سمّاهُ: (بَابُ إمْسَاس الأَلفَاظِ أَشْباهَ المعَانِي). وقالَ عنهَا: «فأمّا مُقابَلَةُ الألفَاظِ بمَا يُشاكِلُ أَصواتَها منَ الأَحدَاث، فبابٌ عَظيمٌ واسعٌ، ونَهجٌ مُتْـلَئِبٌّ عندَ عَارفِيهِ مَأمومٌ. وذلكَ أنّهُم كَثيرًا ما يَجعلُونَ أصواتَ الحُرُوف، علَى سَمتِ الأحدَاث المعبَّر بهَا عَنها، فيُعَدّلُونَها بهَا ويَحتذُونَها عَليهَا… منْ ذلكَ قولُهُم: (خَضَمَ) و(قَضَمَ)، فــــ(الخَضْم) لأكْلِ الرَّطبِ، كالبَطّيخ والقِثّاء وما كانَ نحوَهُما من المأكُول الرَّطْب، و(القَضْم) للصّلبِ اليَابسِ، نحوُ: (قَضَمَت الدَّابّة شَعِيرهَا) ونحوُ ذلكَ…فاخْتارُوا (الخَاء) لرَخاوَتها للرَّطْب، و(القاف) لصَلابَتِـها لليَابِس، حذْوًا لِـمَسمُوع الأصوَاتِ علَى مَحسُوس الأَحدَاث. و منْ ذلكَ (القَدُّ) طُولًا و(القَطُّ) عَرضًا. وذلكَ أنَّ (الطّاء) أَحصَرُ للصَّوْت وأَسرعُ قَطعاً لهُ من (الدّال)، فجَعلُوا (الطَّاءَ) الْـمُناجِزَةَ، لقَطْع العَرْض، لقُرْبهِ وسُرعَتهِ، و(الدّالَ) الْـمُمَاطِلَةَ، لِـما طالَ منَ الأثَر ، وهُوَ قطعُهُ طُولًا».
وأنتَ بعدَ كلّ هذَا، لتَجدُ في هذهِ الآيَة أمريْن جَديرَيْن بالتَّدبُّر، فــ(القَميصُ) لم يُذكرْ في القُرآن إلّا في سُورَة (يُوسُف)، وأنّ أَقمِصَةَ (يُوسُف)، عليهِ السّلام، ثَلاثَة مُختَلفاتٌ؛ وإنَّ كلَّ قميصٍ منهَا لَآيةٌ من آيَاتِ اللهِ؛ فَقميصٌ بَرَّأ (الذئبَ) منْ دَمهِ، وفَضحَ كَذبَ إخوتهِ، وذلكَ في قولهِ تعالَى: ﴿وجَاءُوا علَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، فاسْتَنكرَ أبوهُم ذلكَ، وقدْ رأَى (القَميصَ) سالماً غيرَ مُمزّقٍ، وقالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾. وقَميصٌ بَرَّأ (يوسُف)،عليهِ السّلام، نَفسَهُ ممّا اتَّهمتهُ بهِ امرأةُ العَزيز، فقالَ تعالَى:﴿فَلَمّا رأَى قَميصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ هَذَا مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾. وقَميصٌ هوَ قَميصُ (البُشْرَى)، الّذي بهِ ارتَدَّ (يَعقُوبُ) بَصيراً، وذلكَ قولهُ تعالَى: ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ البَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾. وَمِنَ الَّذينَ أشارُوا إلى هَذا التّعدُّد في الأَقمِصَة، (أبُو مَنصُور عَبدُ الملكِ بنِ مُحمّد الثَّعالبيّ – ت429ه)، في كتابهِ (ثمَار القُلُوب في المضافِ والمنْسُوب)[ص47]، حيثُ قالَ: «أجْرى الله تَعَالَى أَمر (يُوسُف) من ابْتِدَائه إِلَى انتهائِهِ، على ثَلَاثَة أقْمِصَة؛ أَوّلُهَا قَمِيصُهُ المضرّجُ بِدَم كَذبٍ، والثّاني قَمِيصُهُ الَّذي قُدَّ منْ دُبُر، وَالثَّالِث قَمِيصُهُ الّذى أُلْقيَ علَى وَجه أَبِيه فَارْتَد بَصيراً».
وإذَا كانَ لفظُ (القَميص) في هذهِ الآيةِ قدْ تداعَـى لهُ في ذِهْنك صوَرٌ منْ (قَميصِ الكَذِب)، وصوَرٌ منْ (قَميصِ البُشْرى)، فإنَّ الفعلَ (اسْتَبَق)، فيهَا، في قولهِ تعالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا البَابَ﴾، يَجعَلُك علَى ذُكْرٍ منْ (نَستَبقُ) في قولهِ تعالى قبلَ ذلكَ: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾؛ فهُمُ (اسْتَبَقُوا)، فَخَرّقُوا لهُ زُوراً، بدَمٍ كَذبٍ علَى قَميصِهِ، وهيَ اسْتَبَقتْهُ، فَخَرَّقَتْ قَميصَهُ قَدّاً منْ دُبُر. وفي كُلٍّ كانَ (القَميصُ) آيَةً فَاضحةً، وحُجّةً دَاحضَةً.
وأنتَ واجدٌ بعدُ، أنّ الفعلَ (استَبَق)، يَستَلزمُ فضلَ نَظَر؛ فالمفْهُومُ منهُ أنّه بمَعنَى (تَسابَقَ)، قالَ (ابنُ منظُور ) في (لسَان العرَب): «﴿وَاسْتَبَقَــا الْبَابَ﴾: يَعْني تَسَابَقَا إلَيْهِ، مثلُ قولكَ: (اقْتَتَلَا) بمَعنَى (تَقَاتَلَا)». لكنَّ السياقَ في الآيَة، يكشفُ عنْ معنىً دقيقٍ؛ ذلكَ أنّ الفعلَ (تَسابَقَ) يَستلزمُ المشارَكةَ في (السِّبَاق)، منْ طرفَينِ، بتَدبيرٍ منهُما وَاستعدَادٍ، بتَحديدِ مُنطلَقٍ وغايَةٍ وسَبَقٍ. غيرَ أنّه في حالِ (يوسُف)، عليهِ السّلام، لمْ يَكُن منْ ذلكَ شَيءٌ، بلْ كانَ ذلكَ فَجأةً عنْ غَير تَدبِير، وإنَّما هُوَ، وقَد رَأى بُرهانَ ربّه، اشْتَدَّ نحوَ البابِ هَرباً، وإنَّمَا هيَ، وقدِ انْفَلتَ منهَا، لَحقَتهُ طلَباً. لذلكَ تجدُ أنّ الفعلَ (تسَابَقَ)، لا يصلُحُ في هذَا المقَام، بلْ هُوَ للفِعْل (استَبَق) أوفَق.
فإذَا قلّبتَ النّظَر، تبيّن لكَ أنّ أهلَ اللّغة و المفسّرين ذَكروا من مَعاني (اسْتبَق) هُنا، (ابْتَدَر). ويَسنُد هذَا الوجهَ السّيَاق المقَاليّ، حيثُ حُذفَ حرف الجرّ (إلى)؛ فضُمّنَ الفعلُ معنَى (ابْتدرَ)؛ قالَ (الزَّمخشريّ) في (الكشّاف) : ﴿ وَاسْتَبَقَا البَابَ﴾: وتَسابَقا إلَى البَاب، علَى حَذفِ الجَارّ، وإيصَالِ الفِعْل، كَقولهِ: ﴿واخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، أوْ عَلَى تَضمِينِ (اسْتَبَقَا ) مَعنَى (ابْتَدَرَا)». وهوَ فعلٌ يحْمِل مَعنَى السُّرعَة في الانْدِفاعِ إلى تَحصيلِ أَمْرٍ ؛ جاءَ في (الصّحَاح) للجَوهَريّ: «(بَدَر)، بَدرتُ إلى الشّيْء أَبْدُر بُدُوراً: أَسْرعْتُ إلَيهِ، وكذَلكَ (بادَرْتُ) إليهِ. و(تَبادَرَ )القَومُ: تَسارَعُوا. و(ابْتَدَرُوا) السّلاحَ: تسَارَعُوا إلَى أَخْذِهِ». وأنتَ تَرى في كلِّ هذَا انْدِفاعاً منْ غَير تَدبيرٍ سابِقٍ.
تلكَ العَربيّةُ اللّطيفةُ الشّريفَةُ، الّتي زادَها القُرآنُ شرفاً ولُطفاً، لا تجدُ لفظاً إلّا ولهُ موقعٌ في الكَلام لا يَشغلُهُ غَيرُهُ، ممّا يُقاربُه في مَعناهُ، أو يَشتَركُ معهُ في الدّلالّة، مهمَا دَقَّتِ الصِّلَة، وضَاقَت القرابَة. وإنّ ذلكَ لـيَرفَعُ البَيان أشواطاً مَديدةً في الأداءِ البَلاغيّ، ويَرقَى بهِ مُستَوياتٍ في الإبْداعِ والإعْجَاز. ومنْ ثَمّ يكونُ أَبلغَ في التّأثيرِ، وأبعَدَ في الذَّهابِ بالْـمَعنَى إلى أقاصِي الغَاياتِ، وانْفسَاح الدّلالاتِ، فإذَا هوَ يَستوقفُ القَارئَ الْـمُتدبِّر، فإذَا اسْتوقفَهُ تَدبَّرهُ، وإذا تَدبّرهُ أتْعَبهُ، نَظراً واسْتقْصاءً، فإذَا أتعبَهُ وكشَفَ سرّهُ، نالَتهُ من ذلكَ لذّةٌ ومُتعةٌ، أَعقبَها إشباعٌ فكرِيّ، وسَلامٌ رُوحيّ.
المصدر
