أنس : تَساجلنا مرة في عروض الشعر العربي ، على أن يُعَيِّنَ البادئُ ما شاء من أنماطه معروفةً أو مجهولةً ، لِيُنْشِدَ منها المبدوءان ما شاءا من القصائد معروفةً أو مجهولةً .
أبو مذود : ما في هذا مِنْ بَأْسٍ ؟
أنس : فَعَيَّنْتُ نمطًَا بسيطيًّا ، وافيًا ، مخبونَ العروض والضرب ، نونيًّا ، مضمومًا ، مجردًا ، موصولا بالواو ؛ فأنشدني براء من لامية أبي بصير أعشى قيس الباذخة الشامخة ، قوله :
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِل وَهَلْ تُطـيقُ وَداعًا أَيُّها الرَّجُـل
غَرّاءُ فَرْعاءُ مَصْقولٌ عَوارِضُها تَمْشــي الْهُوَيْنى كَما يَمْشي الْوَجي الْوَحِل
كَأَنَّ مِشْيَتَـها مِنْ بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّــحابَةِ لا رَيْـثٌ وَلا عَجَل
تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وَسْــواسًا إِذا انْصَرَفَتْ كَما اسْتَعانَ بِريحٍ عِشْـرِقٌ زَجِل
لَيْسَـتْ كَمَنْ يَكْـرَهُ الْجيرانُ طَلْعَتَـها وَلا تَراها لِسِرِّ الْجارِ تَخْتَتِل
يَكـادُ يَصْرَعُــها لَوْلا تَشَـدُّدُها إِذا تَقـومُ إِلى جاراتِهـا الْكَسَل
إِذا تَقومُ يَضوعُ الْمِسْـكُ أَصْوِرَةً وَالزَّنْبَقُ الْوَرْدُ مِنْ أَرْدانِـها شَمِل
ما رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْحَزْنِ مُعْشِــبَةٌ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِل
يُضاحِكُ الشَّمْـسَ مِنْها كَوْكَبٌ شَـرِقٌ مُؤَزَّرٌ بِعَمـيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِل
يَوْمًا بِأَطْيَبَ مِنْـها نَشْـــرَ رائِحَةٍ وَلا بِأَحْسَـنَ مِنْها إِذْ دَنا الْأُصُـل
أبو مذود : تأملوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف أثنى على صاحبته خَلْقًا وخُلُقًا ، ثم كيف وَضَعها مَوْضِعَها من محاسن خَلْقِ الله ، ثم كيف خَيَّلَ لَنا قَوْلَ رسولنا - صلى الله عليه ، وسلم ! - : " إِنَّما الدُّنْيا مَتاعٌ ، وَخَيْرُ مَتاعِها الْمَرْأَةُ الصّالِحَةُ " ، ثم لا تذهلوا عما في قوله : " لَوْلا تَشَدُّدُها " ، من احتراس شريف ؛ فقاتله الله ، ما أشعره !
أنس : وأنشدني أيمن من نونيَّة أبي الطَّيِّبِ المُتَنَبّي الباذخة الشامخة ، قوله :
بِمَ التَّعَلُّلُ لا أَهْلٌ وَلا وَطَن وَلا نَديمٌ وَلا كَأْسٌ وَلا سَكَن
أُريدُ مِنْ زَمَني ذا أَنْ يُبَلِّغَني ما لَيْـسَ يَبْلُغُـهُ في نَفْسِـهِ الزَّمَـن
لا تَلْقَ دَهْرَكَ إِلّا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ما دامَ يَصْـحَبُ فيهِ روحَـكَ الْبَدَن
فَما يُديمُ سُـرورٌ ما سُــرِرْتَ بِهِ وَلا يَرُدُّ عَلَيْـكَ الفائِتَ الْحَزَن
مِمّا أَضَرَّ بِأَهْلِ الْعِشْـقِ أَنَّهُمُ هَووا وَما عَرَفوا الدُّنْيا وَما فَطِنـوا
تَفْنى عُيونُهُمُ دَمْعًا وَأَنْفُسُـــهُمْ في إِثْرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجْـهُهُ حَسَـن
تَحَمَّــلوا حَمَلَتْكُـمْ كُلُّ ناجِيَةٍ فَكُـلُّ بَيْنٍ عَلَيَّ الْيَوْمَ مُؤْتَمَـــن
ما في هَوادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتي عِوَضٌ إِنْ مِتُّ شَوْقًا وَلا فيها لَها ثَمَن
يا مَنْ نُعيتُ عَلى بُعْدٍ بِمَجْلِسِـهِ كُلٌّ بِما زَعَمَ الْواشــونَ مُرْتَهَن
كَمْ قَدْ قُتِلْتُ وَكَمْ قَدْ مِــتُّ عِنْدَكُمُ ثُمَّ انْتَفَضْتُ فَزالَ الْقَبْرُ وَالْكَفَن
قَدْ كانَ شـاهَدَ دَفْني قَبْلَ قَوْلِهِـمُ جَمـاعَةٌ ثُمَّ ماتوا قَبْلَ مَنْ دَفَنوا
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ تَجْري الرِّياحُ بِما لا تَشْـتَهي السُّفُن
أبو مذود : تأملوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف أَشْرَفُ على الدنيا فارسا متحققا بمعنى الفروسية ، عالي الهمة ، طامح الأمل ، شديد الأنفة ، ثم كيف ضَيَّعَ هو تضييعه واهتدى ، وقَتَّلَ هو تقتيله وعاش ، ثم كيف خَيَّلَ لنا ما سارت به سيرة عنترة الفلحاء ، مِنِ انْتِفاضِهِ مِنْ قَبْرِهِ لما اجْتَرَأَ عليه زائِرُه ؛ فقاتله الله ، ما أشعره !
أنس : فأحسنا ما شاءا ؛ فإن القصيدتين تتخرجان بالتَّقْطيع ( بيان أجزاء كل بيت من القصيدة ) ثم بالتَّوْقيع ( بيان دندنة إيقاع الأجزاء ) ثم بالتَّفْعيل ( بيان رموز التفاعيل المصطلح بها على الأجزاء ) ثم بالتَّوْصيف ( بيان أحوال التفاعيل سلامة وتغيرا ) في علم العروض ، على مثل ما يتخرج آخر ما أنشدا منهما فيما يلي :
يَوْمًا بِأَطْـ يَبَ مِنْ ها نَشْرَ را ئِحَةٍ وَلا بِأَحْـ سَنَ مِنْ ها إِذْ دَنا الْـ أُصُل
دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن ددن ددن دددن دن دن ددن دددن
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن متفعلن فعلن مستفعلن فعلن
سالمة مخْبونة سالمة مخبونة مخبونة مخبونة سالمة مخبونة
ما كُلُّ ما يَتَمَنـْ نى الْمَرْءُ يُدْ رِكُهُ تَجْري الرِّيا حُ بِما لا تَشْتَهي السْـ سُفُن
دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن
سالمة مخْبونة سالمة مخبونة سالمة مخبونة سالمة مخبونة
فعَيَّنَ أيمن نمطا بسيطيًّا كذلك ، بخمس وعشرين تفعيلة ، وتسع أعاريض غير ثابتة الصورة ، وستة أضرب أولها وثانيها ورابعها وخامسها مقطوعة مُسَبَّغَةٌ ، وثالثها وسادسها مُذَيَّلانِ ، نونيًّا ، مقيدا ، أولى قوافيه وثانيتها ورابعتها وخامستها مُرْدَفاتٌ بالألف وثالثتها وسادستها مردفتان بياء المد - فَبُهِتُّ أنا وبراء !
فقرأ علينا مما زعم أنه نونية محيي الدين بن عربي الأندلسي ، قوله :
سَرائِرُ الْأَعْيانْ
لاحَتْ عَلى الْأَكْوانْ
لِلنّاظِرينْ
وَالْعاشِقُ الْغَيْرانْ
مِنْ ذاكَ في بُحْرانْ
يُبْدي الْأَنينْ
يَقولُ وَالْوَجْد
أَضْناهُ وَالْبُعْد
قَدْ حَيَّرَهْ
لَمّا دَنا الْبُعْد
لَمْ أَدْرِ مِنْ بَعْد
مَنْ غَيَّرَهْ
وَهُيِّمَ الْعَبْد
وَالْواحِدُ الْفَرْد
قَدْ خَيَّرَهْ
في الْبَوْحِ وَالْكِتْمانْ
وَالسِّرِّ وَالْإِعْلانْ
في الْعالَمينْ
أَنا هُوَ الدَّيّانْ
يا عابِدَ الْأَوْثانْ
أَنْتَ الضَّنينْ
كُلُّ الْهَوى صَعْب
عَلى الَّذي يَشْكو
ذُلَّ الْحِجابْ
يا مَنْ لَهُ قَلْب
لَوْ أَنَّهُ يَذْكو
عِنْدَ الشَّبابْ
قَرَّبَهُ الرَّبّ
لكِنَّهُ إِفْك
فَانْوِ الْمَتابْ
وَنادِ يا رَحْمنْ
يا بَرُّ يا مَنّانْ
إِنّي حَزينْ
أَضْنانِيَ الْهِجْرانْ
وَلا حَبيبٌ دانْ
وَلا مُعينْ (...)
دَخَلْتُ في بُسْتانْ
اَلْأُنْسِ وَالْقُرْب
لِمَكْنِسِهْ
فَقامَ لي الرَّيْحانْ
يَخْتالُ مِنْ عُجْب
في سُنْدُسِهْ
أَنا هُو يا إِنْسانْ
مُطَيِّبُ الصَّبّ
في مَجْلِسِهْ
جَنّانُ يا جَنّانْ
اِجْنِ مِنَ الْبُسْتانْ
اَلْياسَمينْ
وَخَلِّ ذا الرَّيْحانْ
بِحُرْمَةِ الرَّحْمنْ
لِلْعاشِقينْ
أبو مذود : تأملوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف أذاب خَلْقَ الحَقِّ - سبحانه ، وتعالى ! - كُلَّه بعضه في بعض بماء الطاعة ، ثم كيف دَلَّ على تَأَتي مَقام المعرفة بالصبر على الكَشْف ، ثم كيف خَيَّلَ لنا قول الحق - سبحانه ، وتعالى ! - : " أَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعيمٍ " ؛ فقاتله الله ، ما أشعره !
أيمن : هي من النمط الذي عَيَّنْتُهُ لهما كما كانت نونية أبي الطيب من النمط الذي عَيَّنَهُ لنا أنس ؛ فإنها تتخرج بالتقطيع ثم بالتَّوْقيع ثم بالتفعيل ثم بالتوصيف في علم العروض ، على مثل ما يتخرج آخرها فيما يلي :
دَخَلْتُ في بُسْتانْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مُسَبَّغَةٌ
اَلْأُنْسِ وَالْـ قُرْب
دن دن ددن دن دن
مستفعلن فاعلْ
سالمة مقطوعة
لِمَكْنِسِهْ
ددن ددن
متفعلن
مخبونة
فَقامَ لي الرْ رَيْحانْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مسبغة
يَخْتالُ مِنْ عُجْب
دن دن ددن دن دن
مستفعلن فاعلْ
سالمة مقطوعة
في سُنْدُسِهْ
دن دن ددن
مستفعلن
سالمة
أَنا هُو يا إِنْسانْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مسبغة
مُطَيِّبُ الصْـ صَبّ
ددن ددن دن دن
متفعلن فاعلْ
مخبونة مقطوعة
في مَجْلِسِهْ
دن دن ددن
مستفعلن
سالمة
جَنّانُ يا جَنّانْ
دن دن ددن دن دنّْ
مستفعلن فاعلْنْ
سالمة مقطوعة مسبغة
اِجْنِ مِنَ الْـ بُسْتانْ
دن دددن دن دنّْ
مستعلن فاعلْنْ
مطوية مقطوعة مسبغة
اَلْياسَمينْ
دن دن ددنّْ
مستفعلان
مُذَيَّلةٌ
وَخَلِّ ذا الرْ رَيْحانْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مسبغة
بِحُرْمَةِ الرْ رَحْمنْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مسبغة
لِلْعاشِقينْ
دن دن ددنّْ
مستفعلان
مذيلة
أنس : فَعَيَّنَ براء نمطا بسيطيًّا كذلك ، غيرَ ثابتِ الطول ، ولا منقسمٍ - فلا عروضَ له - مقطوعَ الضرب ، رائيًّا ، مضموما ، مردفًا بالألف ، موصولًا بالواو ؛ فبُهِتُّ أنا وأيمن !
فقرأ علينا فيما زعم أنه " طَلَليَّةُ " أحمد عبد المعطي حجازي ، قوله :
كانَ الْحَنينُ مَدًى عَذْبا وَكانَ لَنا مِنْ وَجْهِها كَوْكَبٌ في اللَّيْلِ سَيّار
هذا دُخانُ الْقُرى ما زالَ يَتْبَعُنا وَمِلْءُ أَحْلامِنا زَرْعٌ وَأَجْنِحَةٌ وَصِبْيَةٌ وَطَريقٌ في الْحُقولِ إِلى الْمَوْتى وَصَبّار
فَمُلْتَقى الْأَرْضِ بِالْأُفْقِ الَّذي اشْتَعَلَتْ أَلْوانُهُ شَفَقًا فَالْقاطِراتُ الَّتي غابَتْ مُوَلْوِلَةً في بُؤْرَةِ الضَّوْءِ فَالْحُزْنُ الَّذي هَطَلَتْ عَلَيَّ أَمْطارُهُ يَوْمًا فَصِرْتُ إِلى طَيْرٍ وَسافَرْتُ مِنْ حُزْنِ الصَّبيِّ إِلى حُزْنِ الرِّجالِ فَكُلُّ الْعُمْرِ أَسْفار
يا صاحِبَيَّ قِفا فَالشَّمْسُ قَدْ رَجَعَتْ وَلَمْ تَعُدْ بِغَدٍ كُلُّ الْمَقاهي انْتِظارٌ ساءَ ما فَعَلَتْ بِنا السِّنونَ الَّتي تَمْضي وَنَحْنُ عَلى مَوائِدٍ في الزَّوايا ضارعينَ إِلى شَمْسٍ تَخَلَّلَتِ الْبِلَّوْرَ واهِنَةً وَلامَسَتْ جِلْدَنا الْمُعْتَلَّ وَانْحَسَرَتْ عَنّا إِلى جارِنا فَما نَعِمْنا وَلَمْ يَنْعَمْ بِها الْجار
يا صاحِبَيَّ أَخَمْرٌ في كُؤوسِكُما أَمْ في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَذْكار
وَما الَّذي تَنْفَعُ الذِّكْرى إِذا نَكَأَتْ في الْقَلْبِ جُرْحًا عَلِمْنا لا دَواءَ لَهُ حَتّى نَعودَ وَما يَبْدو أَنِ اقْتَرَبَتْ أَيّامُ عَوْدَتِنا وَالْجُرْحُ نَغّار
ها نَحْنُ نُفْرِطُ فَوْقَ النَّهْرِ وَرْدَتِنا وَتِلْكَ أَوْراقُها تَنْأى وَيَأْخُذُها وَراءَ أَحْلامِنا مَوْجٌ وَتَيّار
يا صاحِبَيَّ أَحَقًّا أَنَّها وَسِعَتْ أَعْداءَها وَجَفَتْ أَبْناءَها الدّار
لَوْ أَنَّها حوصِرَتْ حَتّى النِّهايَةِ حَتّى الْمَوْتِ لَوْ سَحَبَتْ عَلى مَفاتِنِها غِلالَةً مِنْ مِياهِ النِّيلِ وَاضْطَجَعَتْ في قاعِهِ لَوْ سَفَتْها الرِّيحُ فَانْطَمَرَتْ في الرَّمْلِ وَانْدَلَعَتْ مِنْ كُلِّ وَرْدَةِ جُرْحٍ وَرْدَةٌ فَالْمَدى عُشْبٌ وَنُوّار
هذا دُخانُ قُراها يَقْتَفي دَمَنا وَمِلْءُ أَحْلامِنا زَرْعٌ وَأَجْنِحَةٌ وَمِلْءُ أَحْلامِنا ذِئْبٌ نَهَشُّ لَهُ نَسْقيهِ مِنْ كَأْسِنا الذّاوي وَنَسْأَلُهُ عَنْها وَنَنْهار
أبو مذود : تَأَمَّلوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف أحال بلده المعمور إلى أَطْلالٍ مُخْرَجًا ، ثم كيف وقف على الأطلال البعيدة قريبا ، ثم كيف رَدَّ الذكرى على الذكرى خائفا ، ثم كيف خَيَّلَ لنا صَوابَ دَعْوَةِ الأَوَّلِ على الأطلال : " وَلا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ الْقَطْرُ " كارها كُلَّ مُؤَمِّنٍ ؛ فقاتله الله ، ما أشعره !
براء : هي من النمط الذي عَيَّنْتُهُ لهما كما كانت نونية أبي الطيب من النمط الذي عَيَّنَهُ لنا أنس ، وكما كانت نونية محيي الدين بن عربي الأندلسي من النمط الذي عينه لنا أيمن ؛ فإنها تتخرج بالتقطيع ثم بالتَّوْقيعِ ثم بالتفعيل ثم بالتوصيف في علم العروض ، على مثل ما يتخرج آخرها فيما يلي :
هذا دُخا نُ قُرا ها يَقْتَفي دَمَنا وَمِلْءُ أَحْـ لامِنا زَرْعٌ وَأَجْـ نِحَةٌ وَمِلْءُ أَحْـ
دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن ددن ددن دن ددن دن دن ددن دددن ددن ددن
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن متفعلن فاعلن مستفعلن فعلن متفعلن
سالمة مخبونة سالمة مخبونة مخبونة سالمة سالمة مخبونة مخبونة
لامِنا ذِئْبٌ نَهَشْـ شُ لَهُ نَسْقيهِ مِنْ كَأْسِنا الذْ ذاوي وَنَسْـ أَلُهُ عَنْها وَنَنْـ هار
دن ددن دن دن ددن دددن دن دن ددن دن ددن دن دن ددن دددن دن دن ددن دن دن
فاعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلْ
سالمة سالمة مخبونة سالمة سالمة سالمة مخبونة سالمة مقطوعة
أنس : فصحتُ أنا وأيمن أنْ بئس - والله - النمط ما نَمَّطتَّ يا براء ! فصاح فينا : بل بئس - والله - الطَّرَبُ ما طَرِبْتُما ! ثم بئس النمطُ - وأَعَنْتُهُ على هذه - ما نَمَّطتَّ يا أيمن ! فصاح فينا بل بئس - والله - الطَّرَبُ ما طَرِبْتُما !
أبو مذود : ما في هذا مِنْ بَأْسٍ ؟
أنس : فَعَيَّنْتُ نمطًَا بسيطيًّا ، وافيًا ، مخبونَ العروض والضرب ، نونيًّا ، مضمومًا ، مجردًا ، موصولا بالواو ؛ فأنشدني براء من لامية أبي بصير أعشى قيس الباذخة الشامخة ، قوله :
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِل وَهَلْ تُطـيقُ وَداعًا أَيُّها الرَّجُـل
غَرّاءُ فَرْعاءُ مَصْقولٌ عَوارِضُها تَمْشــي الْهُوَيْنى كَما يَمْشي الْوَجي الْوَحِل
كَأَنَّ مِشْيَتَـها مِنْ بَيْتِ جارَتِها مَرُّ السَّــحابَةِ لا رَيْـثٌ وَلا عَجَل
تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وَسْــواسًا إِذا انْصَرَفَتْ كَما اسْتَعانَ بِريحٍ عِشْـرِقٌ زَجِل
لَيْسَـتْ كَمَنْ يَكْـرَهُ الْجيرانُ طَلْعَتَـها وَلا تَراها لِسِرِّ الْجارِ تَخْتَتِل
يَكـادُ يَصْرَعُــها لَوْلا تَشَـدُّدُها إِذا تَقـومُ إِلى جاراتِهـا الْكَسَل
إِذا تَقومُ يَضوعُ الْمِسْـكُ أَصْوِرَةً وَالزَّنْبَقُ الْوَرْدُ مِنْ أَرْدانِـها شَمِل
ما رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْحَزْنِ مُعْشِــبَةٌ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِل
يُضاحِكُ الشَّمْـسَ مِنْها كَوْكَبٌ شَـرِقٌ مُؤَزَّرٌ بِعَمـيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِل
يَوْمًا بِأَطْيَبَ مِنْـها نَشْـــرَ رائِحَةٍ وَلا بِأَحْسَـنَ مِنْها إِذْ دَنا الْأُصُـل
أبو مذود : تأملوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف أثنى على صاحبته خَلْقًا وخُلُقًا ، ثم كيف وَضَعها مَوْضِعَها من محاسن خَلْقِ الله ، ثم كيف خَيَّلَ لَنا قَوْلَ رسولنا - صلى الله عليه ، وسلم ! - : " إِنَّما الدُّنْيا مَتاعٌ ، وَخَيْرُ مَتاعِها الْمَرْأَةُ الصّالِحَةُ " ، ثم لا تذهلوا عما في قوله : " لَوْلا تَشَدُّدُها " ، من احتراس شريف ؛ فقاتله الله ، ما أشعره !
أنس : وأنشدني أيمن من نونيَّة أبي الطَّيِّبِ المُتَنَبّي الباذخة الشامخة ، قوله :
بِمَ التَّعَلُّلُ لا أَهْلٌ وَلا وَطَن وَلا نَديمٌ وَلا كَأْسٌ وَلا سَكَن
أُريدُ مِنْ زَمَني ذا أَنْ يُبَلِّغَني ما لَيْـسَ يَبْلُغُـهُ في نَفْسِـهِ الزَّمَـن
لا تَلْقَ دَهْرَكَ إِلّا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ما دامَ يَصْـحَبُ فيهِ روحَـكَ الْبَدَن
فَما يُديمُ سُـرورٌ ما سُــرِرْتَ بِهِ وَلا يَرُدُّ عَلَيْـكَ الفائِتَ الْحَزَن
مِمّا أَضَرَّ بِأَهْلِ الْعِشْـقِ أَنَّهُمُ هَووا وَما عَرَفوا الدُّنْيا وَما فَطِنـوا
تَفْنى عُيونُهُمُ دَمْعًا وَأَنْفُسُـــهُمْ في إِثْرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجْـهُهُ حَسَـن
تَحَمَّــلوا حَمَلَتْكُـمْ كُلُّ ناجِيَةٍ فَكُـلُّ بَيْنٍ عَلَيَّ الْيَوْمَ مُؤْتَمَـــن
ما في هَوادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتي عِوَضٌ إِنْ مِتُّ شَوْقًا وَلا فيها لَها ثَمَن
يا مَنْ نُعيتُ عَلى بُعْدٍ بِمَجْلِسِـهِ كُلٌّ بِما زَعَمَ الْواشــونَ مُرْتَهَن
كَمْ قَدْ قُتِلْتُ وَكَمْ قَدْ مِــتُّ عِنْدَكُمُ ثُمَّ انْتَفَضْتُ فَزالَ الْقَبْرُ وَالْكَفَن
قَدْ كانَ شـاهَدَ دَفْني قَبْلَ قَوْلِهِـمُ جَمـاعَةٌ ثُمَّ ماتوا قَبْلَ مَنْ دَفَنوا
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ تَجْري الرِّياحُ بِما لا تَشْـتَهي السُّفُن
أبو مذود : تأملوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف أَشْرَفُ على الدنيا فارسا متحققا بمعنى الفروسية ، عالي الهمة ، طامح الأمل ، شديد الأنفة ، ثم كيف ضَيَّعَ هو تضييعه واهتدى ، وقَتَّلَ هو تقتيله وعاش ، ثم كيف خَيَّلَ لنا ما سارت به سيرة عنترة الفلحاء ، مِنِ انْتِفاضِهِ مِنْ قَبْرِهِ لما اجْتَرَأَ عليه زائِرُه ؛ فقاتله الله ، ما أشعره !
أنس : فأحسنا ما شاءا ؛ فإن القصيدتين تتخرجان بالتَّقْطيع ( بيان أجزاء كل بيت من القصيدة ) ثم بالتَّوْقيع ( بيان دندنة إيقاع الأجزاء ) ثم بالتَّفْعيل ( بيان رموز التفاعيل المصطلح بها على الأجزاء ) ثم بالتَّوْصيف ( بيان أحوال التفاعيل سلامة وتغيرا ) في علم العروض ، على مثل ما يتخرج آخر ما أنشدا منهما فيما يلي :
يَوْمًا بِأَطْـ يَبَ مِنْ ها نَشْرَ را ئِحَةٍ وَلا بِأَحْـ سَنَ مِنْ ها إِذْ دَنا الْـ أُصُل
دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن ددن ددن دددن دن دن ددن دددن
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن متفعلن فعلن مستفعلن فعلن
سالمة مخْبونة سالمة مخبونة مخبونة مخبونة سالمة مخبونة
ما كُلُّ ما يَتَمَنـْ نى الْمَرْءُ يُدْ رِكُهُ تَجْري الرِّيا حُ بِما لا تَشْتَهي السْـ سُفُن
دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن
سالمة مخْبونة سالمة مخبونة سالمة مخبونة سالمة مخبونة
فعَيَّنَ أيمن نمطا بسيطيًّا كذلك ، بخمس وعشرين تفعيلة ، وتسع أعاريض غير ثابتة الصورة ، وستة أضرب أولها وثانيها ورابعها وخامسها مقطوعة مُسَبَّغَةٌ ، وثالثها وسادسها مُذَيَّلانِ ، نونيًّا ، مقيدا ، أولى قوافيه وثانيتها ورابعتها وخامستها مُرْدَفاتٌ بالألف وثالثتها وسادستها مردفتان بياء المد - فَبُهِتُّ أنا وبراء !
فقرأ علينا مما زعم أنه نونية محيي الدين بن عربي الأندلسي ، قوله :
سَرائِرُ الْأَعْيانْ
لاحَتْ عَلى الْأَكْوانْ
لِلنّاظِرينْ
وَالْعاشِقُ الْغَيْرانْ
مِنْ ذاكَ في بُحْرانْ
يُبْدي الْأَنينْ
يَقولُ وَالْوَجْد
أَضْناهُ وَالْبُعْد
قَدْ حَيَّرَهْ
لَمّا دَنا الْبُعْد
لَمْ أَدْرِ مِنْ بَعْد
مَنْ غَيَّرَهْ
وَهُيِّمَ الْعَبْد
وَالْواحِدُ الْفَرْد
قَدْ خَيَّرَهْ
في الْبَوْحِ وَالْكِتْمانْ
وَالسِّرِّ وَالْإِعْلانْ
في الْعالَمينْ
أَنا هُوَ الدَّيّانْ
يا عابِدَ الْأَوْثانْ
أَنْتَ الضَّنينْ
كُلُّ الْهَوى صَعْب
عَلى الَّذي يَشْكو
ذُلَّ الْحِجابْ
يا مَنْ لَهُ قَلْب
لَوْ أَنَّهُ يَذْكو
عِنْدَ الشَّبابْ
قَرَّبَهُ الرَّبّ
لكِنَّهُ إِفْك
فَانْوِ الْمَتابْ
وَنادِ يا رَحْمنْ
يا بَرُّ يا مَنّانْ
إِنّي حَزينْ
أَضْنانِيَ الْهِجْرانْ
وَلا حَبيبٌ دانْ
وَلا مُعينْ (...)
دَخَلْتُ في بُسْتانْ
اَلْأُنْسِ وَالْقُرْب
لِمَكْنِسِهْ
فَقامَ لي الرَّيْحانْ
يَخْتالُ مِنْ عُجْب
في سُنْدُسِهْ
أَنا هُو يا إِنْسانْ
مُطَيِّبُ الصَّبّ
في مَجْلِسِهْ
جَنّانُ يا جَنّانْ
اِجْنِ مِنَ الْبُسْتانْ
اَلْياسَمينْ
وَخَلِّ ذا الرَّيْحانْ
بِحُرْمَةِ الرَّحْمنْ
لِلْعاشِقينْ
أبو مذود : تأملوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف أذاب خَلْقَ الحَقِّ - سبحانه ، وتعالى ! - كُلَّه بعضه في بعض بماء الطاعة ، ثم كيف دَلَّ على تَأَتي مَقام المعرفة بالصبر على الكَشْف ، ثم كيف خَيَّلَ لنا قول الحق - سبحانه ، وتعالى ! - : " أَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعيمٍ " ؛ فقاتله الله ، ما أشعره !
أيمن : هي من النمط الذي عَيَّنْتُهُ لهما كما كانت نونية أبي الطيب من النمط الذي عَيَّنَهُ لنا أنس ؛ فإنها تتخرج بالتقطيع ثم بالتَّوْقيع ثم بالتفعيل ثم بالتوصيف في علم العروض ، على مثل ما يتخرج آخرها فيما يلي :
دَخَلْتُ في بُسْتانْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مُسَبَّغَةٌ
اَلْأُنْسِ وَالْـ قُرْب
دن دن ددن دن دن
مستفعلن فاعلْ
سالمة مقطوعة
لِمَكْنِسِهْ
ددن ددن
متفعلن
مخبونة
فَقامَ لي الرْ رَيْحانْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مسبغة
يَخْتالُ مِنْ عُجْب
دن دن ددن دن دن
مستفعلن فاعلْ
سالمة مقطوعة
في سُنْدُسِهْ
دن دن ددن
مستفعلن
سالمة
أَنا هُو يا إِنْسانْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مسبغة
مُطَيِّبُ الصْـ صَبّ
ددن ددن دن دن
متفعلن فاعلْ
مخبونة مقطوعة
في مَجْلِسِهْ
دن دن ددن
مستفعلن
سالمة
جَنّانُ يا جَنّانْ
دن دن ددن دن دنّْ
مستفعلن فاعلْنْ
سالمة مقطوعة مسبغة
اِجْنِ مِنَ الْـ بُسْتانْ
دن دددن دن دنّْ
مستعلن فاعلْنْ
مطوية مقطوعة مسبغة
اَلْياسَمينْ
دن دن ددنّْ
مستفعلان
مُذَيَّلةٌ
وَخَلِّ ذا الرْ رَيْحانْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مسبغة
بِحُرْمَةِ الرْ رَحْمنْ
ددن ددن دن دنّْ
متفعلن فاعلْنْ
مخبونة مقطوعة مسبغة
لِلْعاشِقينْ
دن دن ددنّْ
مستفعلان
مذيلة
أنس : فَعَيَّنَ براء نمطا بسيطيًّا كذلك ، غيرَ ثابتِ الطول ، ولا منقسمٍ - فلا عروضَ له - مقطوعَ الضرب ، رائيًّا ، مضموما ، مردفًا بالألف ، موصولًا بالواو ؛ فبُهِتُّ أنا وأيمن !
فقرأ علينا فيما زعم أنه " طَلَليَّةُ " أحمد عبد المعطي حجازي ، قوله :
كانَ الْحَنينُ مَدًى عَذْبا وَكانَ لَنا مِنْ وَجْهِها كَوْكَبٌ في اللَّيْلِ سَيّار
هذا دُخانُ الْقُرى ما زالَ يَتْبَعُنا وَمِلْءُ أَحْلامِنا زَرْعٌ وَأَجْنِحَةٌ وَصِبْيَةٌ وَطَريقٌ في الْحُقولِ إِلى الْمَوْتى وَصَبّار
فَمُلْتَقى الْأَرْضِ بِالْأُفْقِ الَّذي اشْتَعَلَتْ أَلْوانُهُ شَفَقًا فَالْقاطِراتُ الَّتي غابَتْ مُوَلْوِلَةً في بُؤْرَةِ الضَّوْءِ فَالْحُزْنُ الَّذي هَطَلَتْ عَلَيَّ أَمْطارُهُ يَوْمًا فَصِرْتُ إِلى طَيْرٍ وَسافَرْتُ مِنْ حُزْنِ الصَّبيِّ إِلى حُزْنِ الرِّجالِ فَكُلُّ الْعُمْرِ أَسْفار
يا صاحِبَيَّ قِفا فَالشَّمْسُ قَدْ رَجَعَتْ وَلَمْ تَعُدْ بِغَدٍ كُلُّ الْمَقاهي انْتِظارٌ ساءَ ما فَعَلَتْ بِنا السِّنونَ الَّتي تَمْضي وَنَحْنُ عَلى مَوائِدٍ في الزَّوايا ضارعينَ إِلى شَمْسٍ تَخَلَّلَتِ الْبِلَّوْرَ واهِنَةً وَلامَسَتْ جِلْدَنا الْمُعْتَلَّ وَانْحَسَرَتْ عَنّا إِلى جارِنا فَما نَعِمْنا وَلَمْ يَنْعَمْ بِها الْجار
يا صاحِبَيَّ أَخَمْرٌ في كُؤوسِكُما أَمْ في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَذْكار
وَما الَّذي تَنْفَعُ الذِّكْرى إِذا نَكَأَتْ في الْقَلْبِ جُرْحًا عَلِمْنا لا دَواءَ لَهُ حَتّى نَعودَ وَما يَبْدو أَنِ اقْتَرَبَتْ أَيّامُ عَوْدَتِنا وَالْجُرْحُ نَغّار
ها نَحْنُ نُفْرِطُ فَوْقَ النَّهْرِ وَرْدَتِنا وَتِلْكَ أَوْراقُها تَنْأى وَيَأْخُذُها وَراءَ أَحْلامِنا مَوْجٌ وَتَيّار
يا صاحِبَيَّ أَحَقًّا أَنَّها وَسِعَتْ أَعْداءَها وَجَفَتْ أَبْناءَها الدّار
لَوْ أَنَّها حوصِرَتْ حَتّى النِّهايَةِ حَتّى الْمَوْتِ لَوْ سَحَبَتْ عَلى مَفاتِنِها غِلالَةً مِنْ مِياهِ النِّيلِ وَاضْطَجَعَتْ في قاعِهِ لَوْ سَفَتْها الرِّيحُ فَانْطَمَرَتْ في الرَّمْلِ وَانْدَلَعَتْ مِنْ كُلِّ وَرْدَةِ جُرْحٍ وَرْدَةٌ فَالْمَدى عُشْبٌ وَنُوّار
هذا دُخانُ قُراها يَقْتَفي دَمَنا وَمِلْءُ أَحْلامِنا زَرْعٌ وَأَجْنِحَةٌ وَمِلْءُ أَحْلامِنا ذِئْبٌ نَهَشُّ لَهُ نَسْقيهِ مِنْ كَأْسِنا الذّاوي وَنَسْأَلُهُ عَنْها وَنَنْهار
أبو مذود : تَأَمَّلوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف أحال بلده المعمور إلى أَطْلالٍ مُخْرَجًا ، ثم كيف وقف على الأطلال البعيدة قريبا ، ثم كيف رَدَّ الذكرى على الذكرى خائفا ، ثم كيف خَيَّلَ لنا صَوابَ دَعْوَةِ الأَوَّلِ على الأطلال : " وَلا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ الْقَطْرُ " كارها كُلَّ مُؤَمِّنٍ ؛ فقاتله الله ، ما أشعره !
براء : هي من النمط الذي عَيَّنْتُهُ لهما كما كانت نونية أبي الطيب من النمط الذي عَيَّنَهُ لنا أنس ، وكما كانت نونية محيي الدين بن عربي الأندلسي من النمط الذي عينه لنا أيمن ؛ فإنها تتخرج بالتقطيع ثم بالتَّوْقيعِ ثم بالتفعيل ثم بالتوصيف في علم العروض ، على مثل ما يتخرج آخرها فيما يلي :
هذا دُخا نُ قُرا ها يَقْتَفي دَمَنا وَمِلْءُ أَحْـ لامِنا زَرْعٌ وَأَجْـ نِحَةٌ وَمِلْءُ أَحْـ
دن دن ددن دددن دن دن ددن دددن ددن ددن دن ددن دن دن ددن دددن ددن ددن
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن متفعلن فاعلن مستفعلن فعلن متفعلن
سالمة مخبونة سالمة مخبونة مخبونة سالمة سالمة مخبونة مخبونة
لامِنا ذِئْبٌ نَهَشْـ شُ لَهُ نَسْقيهِ مِنْ كَأْسِنا الذْ ذاوي وَنَسْـ أَلُهُ عَنْها وَنَنْـ هار
دن ددن دن دن ددن دددن دن دن ددن دن ددن دن دن ددن دددن دن دن ددن دن دن
فاعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلْ
سالمة سالمة مخبونة سالمة سالمة سالمة مخبونة سالمة مقطوعة
أنس : فصحتُ أنا وأيمن أنْ بئس - والله - النمط ما نَمَّطتَّ يا براء ! فصاح فينا : بل بئس - والله - الطَّرَبُ ما طَرِبْتُما ! ثم بئس النمطُ - وأَعَنْتُهُ على هذه - ما نَمَّطتَّ يا أيمن ! فصاح فينا بل بئس - والله - الطَّرَبُ ما طَرِبْتُما !
