الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بِلا جَمالْ عَبْدُ النّاصِرْ=1

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بِلا جَمالْ عَبْدُ النّاصِرْ=1

    مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بِلا جَمالْ عَبْدِ النّاصِرْ
    للدكتور محمد جمال صقر
    mogasaqr@yahoo.com
    في خلال شهر مايو من سنة 2007 الميلادية ، أرسل إلي عن بريدي الألكتروني ، أخي الكريم الأستاذ الدكتور يوسف عبد الفتاح فرج ، نص دعوة ألكترونية عامة من " اتحاد المدرسين للغة العربية بأندونيسيا ( IMLA ) " ، إلى مؤتمره الدولي ، بجامعة باندونج التربوية - قائلا :
    - ربما أحببتَ أن تشارك !
    ولم أحب أن أشارك ؛ فالمكان بعيد ، والسفر طويل ، والزاد قليل ، والرحيل شديد !
    ولكنني كان لي بحث قديم ( مَهارَةُ الْكِتابَةِ عِنْدَ طُلّابِ قِسْمِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ الْمُعَلِّمينَ ) ، أهملته من اعتبارات الأبحاث ، وعددته في طائفة الكتب التعليمية ، لم أزل أراه حسن الطالع ، طيب الأثر ؛ فخطر لي لو أرسلت ملخصه المجهز الآتي ، طالبا المشاركة بلا حضور ؛ فاستثمرت حسن طالعه ، وطيب أثره :
    " أَرَدت أَنْ أَقِفَ عَلى حَقيقَةِ حالِ تَلامِذَتي طُلّابِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ بِجامِعَةِ السُّلْطانِ قابوسَ ؛ ففاجَأْتُهُمْ بِنَصَّيْنِ مِنَ الشِّعْرِ الْعَرَبيِّ حَمَلْتُهُمْ عَلى أَنْ يَنْقُدوهُما ، ثُمَّ نَقَدْتُ نُقودَهُمْ لَهُما مِنْ حَيْثُ مُفْرَداتُ تَعْبيرِهِمُ الْكِتابيِّ عَمّا يُريدونَ وَمِنْها مَسائِلُ خَطّيَّةٌ صَريحَةٌ كَالْإِمْلاءِ وَالتَّشْكيلِ وَالتَّرْقيمِ ، وَمِنْ حَيْثُ رَسائِلُهُمُ الَّتي عَبَّروا عَنْها وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَفْكيريَّةٌ صَريحَةٌ ، دونَ أَنْ أُؤَخِّرَ مَسائِلَ مُفْرَداتِ التَّعْبيرِ بِزَعْمِ أَنَّها ظاهِريَّةٌ شَكْليَّةٌ مادّيَّةٌ عَنْ مَسائِلِ الرِّسالَةِ بِزَعْمِ أَنَّها باطِنيَّةٌ مَضْمونيَّةٌ مَعْنَويَّةٌ ، مُؤْمِنًا بِامْتِزاجِ الظّاهِرِ وَالْباطِنِ .
    لَقَدْ كانَ ذلِكَ تَجْرِبَةً طَريفَةً مُثيرَةً ، وعَويصَةً مُعَنِّيَةً ، شَغَلَتْ هذا الْبَحْثَ كُلَّه ، ثُمَّ أَفْضَتْ إِلى اسْتيضاحِ مَظاهِرَ مِنَ الْكَسَلِ مُتَظاهِرَةٍ عَلى عَدَمِ تَدْقيقِ اسْتِعْمالِ مُفْرَداتِ التَّعْبيرِ الْكِتابيّ وَعَلى عَدَمِ التَّأَتّي إِلى اسْتيعابِ الرِّسالَةِ الْوارِدَةِ ، رُبَّما كانَتْ شائِعَةً مُتَداوَلَةً في مَجالاتٍ أُخْرى مِنَ الْعَمَلِ الْماديِّ ، لِاسْتيلاءِ نَمَطٍ ما مِنَ الْعَيْشِ عَلى النّاسِ ، وَلكنَّها غَيرُ شائِعَةٍ وَلا مُتَداوَلَةٍ في مَجالاتِ الْعَمَلِ الثَّقافيِّ .
    لَقَدِ اجْتَهَدْتُ أَنْ أَتَأَمَّلَ تَلامِذَتي وَنَفْسي حينَ كُنْتُ في مِثْلِ حالِهِمْ ؛ فَأَضَفْتُ طَرَفًا مِنْ خِبْرَتي بِفَلْسَفَةِ التَّعْليمِ وَسِياسَتِه ، لا أَجِدُ لَه عادَةً مَجالًا ؛ فَكانَتْ في إِنْجازِ هذا الْبَحْثِ راحَةٌ كَبيرَةٌ ، ثُمَّ رِسالَةٌ خَطيرَةٌ إِلى الْقائِمينَ مَعي عَلى هذا الْأَمْرِ " .
    أجابني شخص اسمه أندي هادي ( مُخْتَصَر هاديانو ، أو مُدَلَّلُه ) ، بترحيب لجنة المؤتمر الشديد ، وألحق برسالته رسالتين : واحدة إلى رئيس جامعة القاهرة ، من الدكتور محمد لطفي زهدي ، رئيس " اتحاد المدرسين للغة العربية " ؛ يرجوه فيها أن يشركني ببحثي المذكور ، ويشير إلى ضرورة أن تَتَكَفَّلَ جامعة القاهرة بنفقة السفر والإقامة ورسم المؤتمر - وواحدة إليَّ ، من الدكتور دودنج رحمت هدايت ، رئيس المؤتمر ، ينبهني فيها على قبول البحث من لجنة المؤتمر ، ويدعوني إلى الحضور وإلقاء البحث ، فيما بين 23و25/8/2007م !
    عجبا لهم ؛ أطلب منهم المشاركة بنص البحث بلا حضور ، فيجيبونني إلى الموافقة على المشاركة بنص البحث ، والحضور به ، وإلقائه !
    أهو نقصان عروبتي أم كمال عجمتهم !
    كلمت في ذلك أستاذي الدكتور شعبان صلاح ، وكيل كليتي للدراسات العليا والبحوث ، فنبهني على أن الجامعة تتكفل بتكاليف المشاركة في مثل هذه المؤتمرات ، وأنني يمكنني أن أتقدم بطلب إلى القسم يستمر منه إلى مجلس الكلية ؛ حتى يصل إلى رئيس الجامعة ، ألحق به صورتي هاتين الرسالتين .
    وافق الدكتور حسام كامل ، نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا والبحوث ، على سفري ، وقرر معاونتي بعشرة آلاف جنيه ، تتم بعد الإياب تَسْوِيَةُ أمرها ؛ فابتهجت بذلك ، ورأيته من تكريم الجامعة ، أن تبذل لسفري هذا المبلغ الكبير - فلم يسبق أن اعتمدت عليها ولا على غيرها ، في مثل هذا الأمر - ولا سيما أنها كانت كَرَّمَتْني قريبا بجائزتها التشجيعية في العلوم الإنسانية والتربوية ( عشرة آلاف جنيه ) !
    كففت وقتا عن الحركة في سبيل السفر ، ثم نشطت لحجز التذكرة ، فكلمت شركة مصر للطيران عن خطها الساخن ، وحجزت مقعدا لنفسي بطائرة الثانية عشرة وعشر دقائق من ليلة 22/8 ، موعد ذهاب ، والثانية والنصف من بعد ظهر 25/8 ، موعد إياب ، أطير في الذهاب من القاهرة إلى سنغافورة ، ثم من سنغافورة إلى جاكرتا ، ثم أعكس ذلك في الإياب . ثم رأيت أن أسأله عن ثمن تلك التذكرة الكاملة بذهابها وإيابها ، فكان 13219ج !
    نويت أن أهمل السفر ؛ ولا سيما أنني إنما أقدمت عليه هازلا ؛ إذ كيف لي أن أقتطع من دخلي المحدود الذي لا أكاد أدخر منه شيئا ، مبلغ الـ3219ج فرق ما بين مساهمة الجامعة وثمن التذكرة ، ومبلغ الـ 150$ قيمة الاشتراك المذكورة من قبل ! فكنت أكلم في نيتي هذه الناس ، فلا يبالي أي أحد ، إلا السيدة الأستاذة أختي :
    - ادفع أنت هذا الفرق ؛ فما ستستفيده أكبر – إن شاء الله – مما ستدفعه .
    ولكنني لم أبال بكلامها ، وراجعت مسؤولة قسم المالية ، لأخبرها بنيتي ، فذَكَّرَتْني وجوب الاعتذار الرسمي عن ذلك الذي وافقوا لي عليه ، ثم ذكرت لي أن هذا المبلغ هو فيما تعلم ، الحدُّ الأقصى ، ولكنني ربما أستطيع تحريكه إذا راجعت قسم العلاقات الثقافية .
    ذكر لي المسؤول بإدارة العلاقات الثقافية بجامعة القاهرة ، أن مبلغ عشرة آلاف الجنيه هذا ، أقصى ما تساهم به الجامعة ، فذهبت عنه مرتاحا إلى نية الاعتذار ، ولكنني قابلت في طريقي مسؤولا آخر كان ذُكر لي ، فكلمته في مشكلتي غير عابئ بحلها ، فقال :
    - اكْتُبْ للدكتور حسام كامل نائب رئيس الجامعة !
    ذكرت للدكتور حسام ، أن هذا المؤتمر مهم بكونه عن لغتنا في بلد لا ينطقها ، وأن مشاركات كليتنا في مثله نادرة ، وأنني محتاج إلى زيادة مساهمة الجامعة أكثر من أربعة آلاف جنيه ؛ فقضى لي نيابة عن رئيس الجامعة ، بمساهمة الجامعة بثمن التذكرة فقط !
    جريت بموافقته حتى استخرجت استمارة الفرق ، ليخرج مبلغ ثمن التذكرة كاملا ، في شيك واحد سعيتُ به إلى مكتب مصر للطيران بحَيِّ المهندسين ، ولم أنتبه حتى نبهني أحد مسؤوليه :
    - ينبغي أن تصرف الشيك أولا ، ثم تأتيني لأستخرج لك التذكرة !
    وهَوَّنَ عليَّ بقرب البنك ، ولكنني لما وصلت إليه على قربه ، وهو " البنك المركزي المصري " ، الحكومي - كانت الساعة قد تجاوزت الثانية قليلا ، وكان الموظفون قد هربوا لبيوتهم إلى الغد !
    نبهتني السيدة الأستاذة أختي ، أن أوجز البحث في لوحات من خلال برنامج البوربوينت :
    - ستجد المشاركين هناك ، لا يتحدثون إلا من خلاله .
    لَبَّثْتُ قليلا ، ثم أطعتها ، وأنجزت اللوحات على نحو لطيف ، تمنيت لو كنت سلكته في كل ما شاركت به في مؤتمراتي السابقة ، على قلتها !
    جعلت أُقَدِّرُ ساعات السفر ، وأتخيل الأوقات الطويلة في الطائرات ؛ كيف تنقضي ! وأستثير استطراف أهلي وصحبي ، لما أُشْرِفُ عليه ، كيف أُذْكَرُ أنا وجمال عبد الناصر معا ! حتى كان يوم الثلاثاء 21/8 ، فصليت عشاءه مع مغربه جمع تقديم ، ثم لبست ، وودعت أسرتي ، وصَوَّرْتُها بمحمولي ، وهي كُلُّها علي الباب تشير إلي بالوداع !
    وجدت سيارة تاكسي بجوار عمارتنا ، فأشرت إليها ، فقال سائقها :
    - تركب على أن أوصل هذه الأشياء إلى الدكتورة ، ثم نمضي معا ؟
    - لا بأس .
    ذهب يدور في روضتنا العتيقة ، حتى وصل إلى عمارة ، فنادى بوابها ، فأعطاه الأشياء ، وذهب في طريقنا :
    - من الدكتورة ؟
    - الدكتورة هالة جبر ، أستاذة التحاليل بجامعة القاهرة .
    سرني فيما بعد أن وجدت أسرتي تعرفها ؛ فقد ملأ لي السائق الوقت والمكان من حيث اتجهنا إلى حيث وصلنا ، بأخبارها الطيبة هي وزوجها وأولادهما ؛ حتى تمنيت لنفسي وزوجتي وأولادي ، مثل ما هم عليه من كرم الأخلاق وعُلوِّ الهمة ، ورأيت ذلك من التوفيق في مفتتح السفر إلى بلاد مسلمين ، لم يملأها الإسلام إلا بالأخلاق الكريمة والهمم العالية !
    وصلت مبكرا من قبل أن يفتح المدخل إلى تنظيم دخول المسافرين وأمتعتهم إلى الطائرة ، فذهبت إلى مقهى ميلان الذي عَرَّفه لي قَريبٌ كريم ظريف ، أشرب القهوة الإيطالية ( الكابوتشينو ) ، ثم رجعت إلى المدخل ، فدخلت بحقيبتَيِ الكتف ( حقيبة الحاسوب المحمول ) واليد ، إلى مُنْتَظَرِ الدخول إلى الطائرة نفسها .
    اشتغلت من خلال الزجاج بتصوير وجه الطائرة وجسمها ، ثم بتصوير جوفها من داخلها : إحدى طائرات الشركة السنغافورية ، تحفة رائعة ، مضيفات نحيفات رشيقات متحدات الحُلى والحُلَل ؛ فمن ذلك شَدُّ الشعر ولَفُّه كما تَلُفُّ الفلاحة المصرية شعرها المُحَنّى ، ومن ذلك الملابس اللصيقة ذات الورود المختلفة الألوان على أرض من الأسود أو من الرمادي على حسب عمل المضيفة فيما ظنننت ، تبدو بها مزخرفة زخرفات متداخلة جميلة ، في معطف على إزار ملفوف لف الإزار الرَّجُليِّ العَرَبيِّ - ومضيفون قليلون مثلهن نحافة ورشاقة وروحَ حُلًى وحُلَلٍ ، ولكن زي المضيفات سنغافوري خاص ، فأما زي المضيفين فمشاع بين الشركات !
    فَرِحْتُ أولا لمكاني بجوار الشباك ؛ فقد نويت تصوير السماء كيف نعلو السحاب وكيف يعلونا ! ولكنني أزعجني أن طال الوقت ، واحتجت إلى الحمام كثيرا ، وأن نام جاري الوحيد الذي خلا كرسيُّ ما بيني وبينه ، ولكنه بقي نومه مشكلة ، ولم أكن لأوقظه كلما أردت الحمام ، فكنت أتخطاه رافعا نفسي لكيلا ألمسه ، وربما كان يتغافل عني لكيلا يحرجني ! لقد كان أندونيسيا باندونجيا مسلما أزهريا ، ولكننا لم يستمر بيننا كلام ، بل أدركه النوم ؛ فاشتغل عني ، ثم أدركني تلفازي الخاص المعلق على ظهر مقعد مَنْ أمامي ، الممتلئ مواد مختلفة لا تتسع لها الأيام ؛ فاشتغلت عنه !
    - ( يا عَذابي أَنا ) !
    تعبت ولم أعد أرتاح على يميني ولا على شمالي ، ومن قريبٍ ما أوجعني ظهري ورقبتي ، ولم أراجع الطبيب إلا مرة واحدة ، عادني بعدها وجعي ؛ حتى عاتبتني أمي ؛ فقلت لها :
    - أَصْبِرُ ؛ حتى إذا ما أُبْتُ بوجعي ، اتَّهَمْتُ فيه السَّفَرَ !
    تُقَدِّمُ هذه الطائرة من القاهرة إلى سنغافورة وعَكْسًا ، وجبتين : ثقيلة بعد الإقلاع ، وخفيفة قبل الهبوط ، تَحُفُّهما التُّحَفُ الخفيفة من المأكولات والمشروبات ، فأما من سنغافورة إلى جاكرتا وعكسًا ، فتقدم وجبة واحدة خفيفة منفردة من حَفِّ التُّحَفِ ، ولكن صفة الخفة لا تخليها من معنى الوجبة الكاملة الطيبة !
    بعد مدة من الوجبة الثقيلة في تلك الرحلة الطويلة ذات العشر الساعات والنصف ، تهدأ الحركات ، وتخفت الأضواء ، ويضطر الركاب إلى النوم إلا أمثالي ممن لا يطيعهم ما فَكَّروا فيه ، حتى ينسوه !
    ثم قُبَيْلَ الرابعة والنصف ذهبت ، فتوضأت ، فأبت ، فتمكنت من كرسيّي ، ثم صليتُ سُنَّةَ الفَجْرِ وفريضته قاعدا ، مومئا ومنثنيا ، قليلا وكثيرا ، مُبْتَسِمًا لِذِكْرى صلاة عمرو موسى وزير خارجية مصر ، الطائريَّة ، في وصف وزير خارجية السودان !
    ثم أحببت أن أرى السماء فجرا ، فإذا الشمس طاغية عليها !
    - ( لا حول ولا قوة إلا بالله ، كان ينبغي أن أراعي طيراني إليها ) !
    ثم بعد مدة أخرى كانت الوجبة الخفيفة ، ثم بعد مدة ثالثة أشرقت سنغافورة !
    - ( يا سُبْحانَ اللّهِ ، " تَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقينَ " ، " عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ " ) !
    جزر متقطعة ، كلها حقول خضراء منظمة ، وبحيرات طبيعية ومصطنعة ، وسفن كبيرة وصغيرة ، واقفة في عرض البحيرات ومتحركة ، ولقد رأيت الحيتان أو الدلافين ، تتحرك حركتها التي أطلعتنا عليها برامج عالم البحار المُتَلْفَزَة ، رأيتها ، رأيتها !
    كنت أعرف أننا سنصل إلى جاكرتا بعد العصر ، فرأيت أن أصلي العصر مع الظهر ، من آخر هذه الرحلة " القاهرة سنغافورة " ، جمع تقديم ؛ فصنعت مثلما صنعت عند صلاة الفجر .
    قاربت الطائرة الأرض ، فاقترب المطار ، بشَجَرِ أُطُرِه المُتَكَبِّرة ، ومِساحات ما بين مَسارات طائراته ، المُخْضَوْضِرَةِ ، وسُحُبِ سمائه المصطخبة ، وجَذْبَة وَقْعِه الخرافية !
    ما أسهل ما خرجنا ودخلنا !
    لما كان بين وصولي إلى سنغافورة وإقلاعي منها ، ساعتان – جُلْتُ في أَبْهاء الوصول ، والسوق الحرة ؛ فَأَعْجَزَتاني دقةً ، ونظامًا ، وجمالًا ، وبهاءً ، واختلافًا ، وبهرًا !
    لن أذكر معارض الشركات الكبيرة ، المدهشة ؛ بحسبي بُحَيْرَة هذا الطابق العالي من المطار !
    أجل بحيرة هذا الطابق العالي !
    بحيرةٌ خمسة عشر مترا في أربعة أمتار ، تتحرك ملتوية ، تضيق وتتسع ، بأسماك كبيرة ملونة ، في إطار من حجارة بيضاء كبيرة ، تُذَكِّرُ تِلاعَ الجبال القديمة ، وأشجار مُخْضَوْضِرة ، وأزهار مُزْدَهِيَة ، ومقاعد مُخْشَوْشِبَة ملتبسة الملاءمة ، آية من آيات الإتقان والإحسان ، ونفحة من نفحات الجمال الرباني ، بقيت في الإنسان من فطرة الرحمن ، ينبغي لكل ذي عقل ، أن يتعلق بها ، وأن يعلق بها غيره !
    اندهشت وقتا ، ثم جلت بين المعارض أرى ما أشتري ، فرأيت المعروضات كلها غالية ، لا سبيل إليها إلا بالدولار ، وقد خبأت مع النقود المصرية ، ثلاثمئة دولار لمطالب أهمها رسم اشتراك المؤتمر . ولكنني فتشت عن كاميرا ألكترونية حديثة ، حتى عرفت مكانها من أجنحة المعارض المحلِّقة ، ولم أقربها !
    تَفَلَّتَ الوقت حثيثا ؛ فأقبلت على مدخلي المذكور ببطاقة طائرتي ، ولم يعق حركتي عائق ، وأنا الغريب ؛ فكُلُّ شيء مُوَضَّح ، والمَمَرّات مُتْعَة لِلْمارّين ! وصلت ، فدخلت ، فأثبت نفسي ، وأخذت بِطاقَتَيِ البيانات ، اللَّتَيْنِ سيحتاج إليهما مطار جاكرتا ، ثم قعدت أستوفيهما مَكْروبًا بِإِنْجليزيَّتِهما وعَرَبيَّتي القَويَّتَيْن ؛ حتى فَرَغَتا مني ، ثم حان الدخول ، فدخلت .
    أخذت مكاني بجوار الشباك مرة أخرى ، عن يسار شاب رَسْميِّ الهيئة ، حَسَنِها ، كان قد وضع معطفه على مقعدي ، من بعد أن قعدت خطأً على مقعدٍ خلف مقعدي ، فلما نبهني صاحبه ، تقدمت إلى مقعدي بجوار الشاب الوسيم ، فتناول معطفه من دون أن ينبس بكلمة ، فاسثقلته ، واستكثرت عليه ملامح الشوام التي ضَوَّأَتْ وَجْهَه ، ولكنه طلب من أحد المضيفين أن يشتري له شيئا مما رآه معروضا بمجلة الطائرة ، وأعطاه بطاقته الفيزا ، فجاءه به ملفوفا ، ووقع له على ورقة سحب الثمن ، ثم لما ذهب عنه ، فك لفافته ، فإذا زجاجة خمر معتقة ؛ فقدرت أنه من نصارى الشام ، وبقيت أستثقله ؛ حتى طالبتني المضيفة بأن أحرك حقيبة كتفي التي وضعتها على الأرض إلى جهة معينة ، فضحك جاري الشامي الملامح ، وعبر بالإنجليزية عن أنها تصطنع تدقيقات الألمان ؛ فاتصلت بيننا أسباب الكلام :
    - من أين ؟
    - من مصر .
    - وأنت .
    - من إيطاليا .
    - " إتلي " ، أم " إيتليانو " !
    - " إيجبت " أم " إيجبسيانو " !
    مصر تاريخ طويل !
    - وجهك عربي !
    - ملامح البحر الأبيض المتوسط !
    كليوباترا .
    - أنطونيو .
    - إلى أين ؟
    - إلى باندونج .
    - عمل ؟
    - أجل ؛ فأنا أستاذ بجامعة القاهرة ، أزور جامعة باندونج .
    - وأنت ؟
    - عمل كذلك .
    باندونج أفضل من جاكرتا ؛ فجاكرتا أشد منها ازدحاما ، ثم باندونج أعلى مكانا ، وألطف جوا .
    - أنتظر أن تكون الحرارة مرتفعة إلى الأربعين مثلا !
    - هي أقل من الثلاثين !
    فكيف كانت في مصر ؟
    - مرتفعة ، ولا سيما عليك !
    - ولا سيما أنني جئت من ألمانيا !
    - كم لبثت فيها ؟
    - أسبوعين .
    - لابد أن الحرارة فيها تحت الصفر !
    - فوقه بعشر درجات فقط !
    - تُرى كم الساعة بباندونج ؟
    - السادسة .
    وصلنا ، وخرجت من الطائرة عن الممر المعلق بها إلى المطار ، فحَنَنْتُ إلى العربية التي في التنبيهات ، من بعد مطار سنغافورة الذي لم أقرأ فيه حرفا عربيا ، فإن سَمِعْتُه كان غريبَ الوجه واليد واللسان :
    - ( هذه بلادي ) !
    وقابلتني الموظفاتُ على أعمال دخول الوافدين ، محجبات بلا زينة ، حجابا موحدا ، وشعرت أنه شعار مقصود - وفراغُ المطار وقد حذرني أندي هادي زحامه ؛ حتى نبهني على المخرج والملتقى في الزحام !
    طالبتني الموظفة بعشر دولارات ، تعريفة الإقامة القصيرة ؛ فغضبت أن لم يجهزها لنا المؤتمر ، وحاولت جهلا أن أثبت مجانيتها من دون جدوى ، وساعدني من دون فائدة ، شاب مصري يتكلم الأندونيسية طليقا ، ثم دفعتها ، وتحركت سريعا في فراغ المطار ، حتى خرجت .
    هذا الشاب هناك ، ذو اللائحة عليها " المؤتمر الدولي للغة العربية " ، أندي هادي بلا ريب ، عرفته من قبل أن أرى لائحته ، بصورته التي أرسلها إلي من بعد أن أرسلت إليه صورتي مع ملف سيرتي ، ليقدمني المقدم بهذه ، وليلقاني الدليل بتلك .
    - السلام عليكم !
    - وعليكم السلام !
    - رأيتَ كيف عرفتُك بالصورة !
    - وأنا كذلك عرفتُك بالصورة !
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د. محمد جمال صقر; الساعة 06-23-2016, 10:25 AM.
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...